الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (السابقون السابقون)

(السابقون السابقون)

أيها القراء الأعزاء: هناك نوعان من السبق:(سبق زمان) و(سبق اتباع)، فأما (سبق الزمان) ينطبق علي المعاصرين لزمن النبوة، وأما (سبق الإتباع) فهذا بفضل الله مفتوح إلى يوم القيامة أمام أصحاب الهمم العالية لينافسوا ويكونوا من هؤلاء القليل الذين يرتفعون إلى أعلى مراتب الفردوس الأعلى:(وقليل من الآخرين).
جاء جمع من سادات وأشراف قريش فيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان وعياش بن أبي ربيعة والحارث بن هشام، ووقفوا علي باب عمر يوماً يستأذنون في الدخول عليه، فأذن لبلال وعمار وصهيب وهم كانوا في السابق من العبيد، فغضب بعض هؤلاء السادة وقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه يأذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا؟!.
فقال سهيل بن عمرو ـ وكان رجلاً حكيماً عاقلاً: إني والله أري الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابا فاغضبوا علي أنفسكم، دُعي القوم ودُعيتم فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل فيما ترون أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه.
فلما دخلوا علي عمر قالوا: يا أمير المؤمنين قد رأينا ما فعلت اليوم، وعلمنا أنا قد أُتينا من قِبَل أنفسنا، فهل من شيء نستدرك به ما فاتنا من الفضل؟ فقال لهم: لا أعلمه إلا هذا الوجه وأشار إلي ثغر الشام وكانت فيه حروب الصحابة مع الروم، فخرجوا جميعاً فمنهم من مات شهيدا ومنهم من مات مرابطا في سبيل الله .. قال الحسن تعقيبا علي هذه القصة: صدق والله لا يجعل الله عبداً أسرع إليه كعبد أبطأ عنه.
وإذا تأملنا حياة الأنبياء نري أن الرسل هم أسرع الناس إلى كل خير، وسيدهم وخيرهم حبيبنا وأسوتنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ما دعا أصحابه إلى باب من أبواب الطاعة إلا وكان أول المشمرين لها :دعاهم إلى الإنفاق والكرم والجود فكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وما قال لا قط، ولم يرد أحدا سأله إلا بعطاء أو ميسور من القول، ودعاهم إلي التهجد وقيام الليل، فتورمت أقدامه من طول القيام، ودعاهم إلي حسن الخلق والرحمة فكان أحسن الناس خلقاً، وكما وصفته عائشة ـ رضي الله عنها:(كان خلقه القرآن) .. كان قرآنا يمشي على الأرض، (وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم) كما وصفه القرآن، ودعاهم إلي العلم والدعوة فكان خير المعلمين وإمام الدعاة: (شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً)، ودعاهم إلي البكاء من خشية الله فكانت تفيض عيناه بالدموع علي لحيته وثيابه إذا دخل في الصلاة أو قرأ القرآن، ودعاهم إلي الإخلاص وصحة النية فكان كثيرا لا يدري من حوله وهو يناجي ربه في ظلمة الليل، وهذه عائشة ـ رضي الله عنها ـ تحكي موقفاً: أخرج ابن أبي الدنيا في التفكر وابن حبان في صحيحه والأصبهاني في الترغيب وابن عساكر عن عطاء قال:(قلت لعائشة أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: وأي شأنه لم يكن عجباً! إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي، فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى. فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم لا أفعل وقد أنزل عليَّ هذه الليلة (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) إلى قوله:(سبحانك فقنا عذاب النار) ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. دعاهم إلي اليقين والتوكل فكان سيد المتوكلين علي الله وثبت علي الحق ثبات الجبال الرواسي، وقالها لعمه في أحلك المواقف والأوقات: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتي يظهره الله أو اهلك دونه . وما تنازل عن الحق طرفة عين.
روي أحمد ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال:(سيروا. هذا جمدان. سبق المفردون)، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ).
أراد أن يعلمهم درساً في السبق، فليس السابق من سبقت دابته ركب أصحابه وإنما السابقون هم الذاكرون الله الواقفون عند حدوده القائمون بأمره الذين لا يغفلون عنه طرفة عين، وأنت كن سباقاً لكل خير، إذا دُعيت إلى الصلاة فأجب، إذا دُعيت إلى حِلَق العلم فسارع، إذا دُعيت إلي الإنفاق وإغاثة الملهوف فأنفق، إذا دُعيت إلى زيارة مسلم وعيادة مريض فأقْبِل، إذا دُعيت إلى كل بر وخير ومعروف فسارع، وقل لن يسبقني إلى الله أحد، سأكون بعون الله سباقاً لكل خير ليجعلك الله مع السابقين المقربين، نسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا جميعا منهم .
كن مع الله ولا تبالي، وقل ياليت الذي بيني وبين الله عامر وما بيني وبين العالمين خراب، إن لم تنتبه فالناس قد يقطعونك عن الله سواء بالمدح أو الذم، إن تأثرت بمدح الناس وثنائهم ربما أوقعوك في الرياء والغرور والكبر وحب الشهرة والسمعة، وإن تأثرت بذم الناس وإعراضهم ماتت همتك وانطفأت عزيمتك .
أسقط الناس من عينك وقلبك ولا تبالي إلا بنظر الله إليك، قلوب العباد بيده. نواصيهم بيده. أنفاسهم بيده. ألسنتهم بيده. عواطفهم وعقولهم بيده. أءله مع الله؟ تعالى الله عما يشركون، روى مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى