الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة في المقاصد والممارسة .. مسألة الخير العام من منظور متجدد (7 ـ 7)
ضمان حد الكفاية في الإسلام أمر مقدس باعتباره حق الله وفي إنكاره أو إغفاله إنكاراً للدين نفسه
الإسلام وضع مجموعة من القواعد الأساسية التي تحكم الرقابة على معاملات الأفراد في الأسواق من أجل أن تكون معياراً لتقييم سلوك التجار
قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(العدالة في المقاصد والممارسة .. مسألة الخير العام من منظور متجدد) للأستاذ الدكتور/ فايز محمد حسين محمد ـ أستاذ ورئيس قسم فلسفة القانون بكلية الحقوق من جامعة الإسكندرية بمصر.
قال الباحث: يقصد بضمان حد الكفاية (ضمان المستوى اللائق للمعيشة بحسب ظروف الزمان والمكان، والواجب توافره لكل مواطن يعيش في مجتمع إسلامي، أياً كانت ديانته وأياً كانت جنسيته، أي بوصفه إنساناً وباعتبار ذلك حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق. وهو يوقره لنفسه بجهده وعمله، فإن عجز عن ذلك لسبب خارج عن إرادته كمرض أو شيخوخة، انتقلت مسئولية ذلك إلى بيت مال المسلمين أي خزانة الدولة.
موضحاً بأن ضمان حد الكفاية، هو في الإسلام أمر مقدس باعتباره حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق. وإن في إنكاره أو إغفاله إنكاراً للدين نفسه (أريت الذين يكذبون بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين)، وطبقاً لحد الكفاية تلتزم الدولة بتوفير مستوى الكفاية لكل محتاج.
وقال: لقد حرص الإسلام على ضرورة تحقيق حد الكفاية لكل فرد، وما يؤكد ذلك أن القاعدة العامة في الإسلام في الملكية هي أن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه ومنطق هذه القاعدة يفيد ضرورة تحقيق حد الكفاية أولاً ثم السماح بالملكية الخاصة طبقا لقاعدة كل بحسب عمله، ومعنى ما سبق، أن حد الملكية في الإسلام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بضمان تحقيق حد الكفاية، ولهذا فالملكية لا تحق لأي فرد إلا بعد تحقيق حد الكفاية، وبقول آخر: لا يجوز حماية ومراعاة حق الملكية إلا بعد تحقيق حد الكفاية، وقد أكد ذلك الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) بقوله:(إذا مات مؤمن جائعاً فلا مال لأحد)، ومن ناحية أخرى يشهد الواقع العملي على مراعاة الإسلام وحرصه على تحقيق حد الكفاية في كافة الظروف والأحوال، فعلى سبيل المثال قد آخر عمر بن الخطاب الصدقة في عام الرمادة لضمان تحقيق حد الكفاية لأفراد المجتمع، وحد الكفاية أو الضمان الاجتماعي يستند إلى آيات قرآنية كريمة وأحاديث شريفة فأساسه القرآني يرجع إلى ما جاء في القرآن الكريم:(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، إذ الدولة مسئولية الدولة عن تأمين احتياجات المحتاجين ومفهوم حد الكفاية مفهوم واسع ومرن، إذ يتضمن الحاجات المادية والمعنوية.
مشيراً الى ان مضمون حد الكفاية يسري على كافة أعضاء المجتمع المسلم حتى ولو كان السكان بعضهم غير مسلمين، إذ القاعدة الإسلامية هي ضرورة ضمان حد الكفاية لكل فرد يعيش في مجتمع إسلامي أيا كانت ديانته أو جنسيته أو لأن حد الكفاية حق من حقوق الله الذي يرتفع على حقوق البشر وفي إغفاله أو إنكاره تكذيب للدين نفسه، وقد حدد الإسلام وسائل أو آليات تحقيق حد الكفاية في الآتي: الزكاة وهى من أركان الإسلام والكفارات والنذور والصدقات والكفارات والنذور.
وحول المطلب الخامس:(التنظيم الإسلامي للسوق وتحقيق المصلحة العامة) ذكر الباحث قائلاً: للسوق مكانة هامة في الإسلام إذ لما كانت سياسة الإسلام تقوم على حرية المعاملة ودفع الحرج عن الناس، فمن ثم فقد وضع الإسلام مجموعة من القواعد الأساسية التي تحكم الرقابة على معاملات الأفراد في الأسواق، وذلك من أجل أن تكون هذه القواعد مرشداً ومعياراً لتقييم سلوك التجار والمنتجين، ولتحقيق طهارة الأسواق من الربا والاحتكار والاستغلال والتدليس، وقد جاء الإسلام بعدة آليات أساسية أوجب أن يخضع لها السوق لتكون سوقاً إسلامية سلمية. وهذه الآليات هي: تحريم الاحتكار، تحريم العش، تشجيع الجلب، منع تلقى الركبان، منع الربا، فالسوق الإسلامية تقوم على المنافسة التعاونية التي تدفع عملياً إلى العدل في التعامل ومن ثم إلى زيادة الإنتاج وتحسين نوعية المنتجات من خلال المعاوضات المالية العادلة والمشاركات الاستثمارية الواضحة، وفي جو من البر والتقوى والتواصى والتناصح والرقابة والتوجيه، وليس على أساس المنافسة الرأسمالية اللأخلاقية.وبقول آخر فالإسلام يدعو إلى خضوع السوق للمنافسة، ولكنها منافسة ذات طابع خاص إذ يجب أن تكون منافسة بناءة تقوم على التسابق في إجادة العمل والجودة في المنتجات، ويضاف فوق ذلك أن تكون منافسة خيرة لا يترتب عليها الإضرار بالغير، حيث تنتشر السلوكيات القويمة، فالسوق الإسلامية كما رسمها الإسلام تقوم على العدل والمساواة والسلوكيات القويمة، ولهذا فهي سوق بعيدة تماما عن الممارسات الربوية والاستغلالية.
وقال: تتمثل الضوابط الإسلامية للسوق في الآتي: أولا: تحريم الاحتكار لدفع الضرر وتحقيق الخير العام: الاحتكار هو حبس الشئ حتى يقل ويرتفع ثمنه، وقد حرم الإسلام الاحتكار لما يتضمنه من جشع وغش وإضرار بالناس، وقد ورد أن الرسول الكريم قال (صلى الله عليه وسلم):(لا يحتكر إلا خاطئ)، (من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه)، (من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجزام والإفلاس)، (من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة)، وترتيباً على هذا فإن الدخول الناتجة عن الاحتكار تعتبر دخولاً ربوية، لأنها ناتجة دون عمل مبذول، ويلاحظ أنه كثيراً ما تتضامن السمسرة بالاحتكار ويكون الاحتكار ناتجاً عن وجود عنصر السمسرة في السوق، وثانياً: تحريم الغش: حرم الإسلام الغش تحريماً قاطعاً، ومن صور الغش التي حرمها الإسلام في مجال الأسواق تحريم التطفيف في الكيل والميزان، فقد جاء في سورة المطففين قوله تعالى:(وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وإذَا كَالُوهُمْ أو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)، وجاء في سورة الشعراء:(وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَتَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، وجاء في الموطأ للإمام مالك في باب ما يكره من النجش وتلقى السلع ما يلي:(أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن عبداله بن عمر (أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن تلقى السلع حتى تهبط الأسواق، ونهى عن النجش، قال محمد: وبهذا نأخذ كل ذلك مكروه، فأما النجش: فالرجل يحضر فيزيد في الثمن، ويعطى فيه مالا يزيد أن يشترى به، ليسمع بذلك غيره، فيشترى على سومه) فبهذا مالا ينبغي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(لا يبع بعضكم على بيع بعض)، وثالثاً: تشجيع الجلب: شجع الإسلام على الجلب أي الاستيراد من الخارج لحل الأزمات في السلع. بالإضافة إلى العمل على تأكيد أصول المنافسة المشروعة: يؤمن الإسلام بنظام السوق القائم على قوى العرض والطلب، ولكن في إطار المنافسة المشروعة التي لا تقوم على الغش والخديعة، أنما تقوم على المنافسة البناءة القائمة على الجودة في الإنتاج، وعدم الإضرار بالغير، وعلى هذا يتضح أن السوق الإسلامية محكومة بمجموعة من الضوابط الإيمانية السليمة، وهذا ما جعل الإمام عمر يقول:(لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في الدين)، وقال الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم):(رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحا ًإذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، ورابعاً: تحريم بعض المعاملات الاقتصادية: السوق الإسلامية سوق نظيفة لا تعتد إلا بكل ما هو موافق للمشروعية الإسلامية؛ ولهذا فإن كل ما يتعارض مع أسس العقيدة والقواعد العامة في المعاملات الإسلامية لا يجوز التعامل فيه. ومن أمثلة المعاملات التي حرمها الإسلام نذكر: الاتجار في التماثيل، تجارة المخدرات والخمور، وحرم القمار والغش، وبيع السلاح للعدو وكذلك التعامل بالربا، وغير ذلك من المعاملات غير الجائزة شرعاً، وخامساً: التسعير في حالة الضرورة لتحقيق الخير العام: ورد عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه نهى عن التسعير، إذ قال:(إن الله تعالى هو القابض الباسط، الرازق، المسعر وأنى لأرجو أن ألقى الله تعالى ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم أو مال)، ومما سبق يتضح أن القاعدة العامة في الإسلام هي ترك قوى العرض والطلب للتفاعل في الأسواق بحرية لتحديد الأسعار، إلا أنه قد لا تتوافر ضمانات هذه الحرية نتيجة للتلاعب أو التواطؤ والتدخلات غير المشروعة بين التجار بعضهم مع بعض، أو من قبل الوسطاء أو المشترين، وفي مثل هذه الحالة وجب على السلطة أن تتدخل لتوفير حرية المنافسة وحرية الأسواق وذلك للقضاء على غلاء الأسعار المفتعل ولهذا فالسلطة الإسلامية ليس لها أن تتدخل بالتسعير لا بالزيادة أو النقصان إن كان ثمن السوق الذي تحدده قوى العرض والطلب عادلاً، أي غير مجحف بالبائع أو المشترى، أما إذا صار سعر السوق مجحفا لأحدهما، كان تدخل السلطة بالتسعير ضرورياً وتستند ضرورته إلى المصلحة، ويلاحظ أنه في حالة التسعير يجب أن تراعى الدولة الثمن العادل أي الثمن الذي لا يظلم المشترى ولا يظلم البائع، وسادساً: تحريم الربا: حيث حرم الإسلام الربا تحريماً قاطعاً والغرض من تحريم الربا، حيث أوجبت الشريعة على الفرد أن يستعمل ماله في تحقيق الخير وليس في الأضرار بالغير، وأن يستثمره بالطرق المشروعة، وليس عن طريق الربا، ويؤدى الربا إلى إفلاس كثير من التجار والمنتجين، ويؤدى إلى البطالة. ويؤدى الربا إلى قطع أواصر المحبة والقربى بين الأفراد في المجتمع. فضلا عن إن الربا من وسائل كساد التجارة وضعف الصناعة والزراعة لأن صاحب المال إذا ضمن الربح لماله دون مجازفة، لجا إلى الاستثمار بهذا الطريق فيحرم النشاط الاقتصادي من رأس المال الذي يؤدى إلى عملية الإنتاج. بل إنه من المسلم به، يؤدى الاستثمار بطريق الربا إلى غلاء أسعار السلع التي ينتجها المقترض، إذ يضيف المنتج فائدة القرض إلى تكاليف إنتاج السلع التي يشتريها المستهلكون، ويضاف إلى ما سبق، أن للربا أثار مخربة على عدالة التوزيع بين أفراد المجتمع، حيث تنشأ بسبه فئة عاطلة تعيش على استثمار النقود، ولا يعنيها استثمار النقود بالحلال، حيث يكون العائد بالمشاركة. أما بالربا فإنها تكسب سواء خسر الاستثمار أو ربح ولكنها في حالة الخسارة يكون عائدها حصة من المال لا حصة من الربح، فحين تستهلكه إنما تستهلك رأس مال المجتمع بغير حق، وفي هذا إضرار بالمجتمع من جانب عدالة التوزيع ومن جانب المصلحة الاجتماعية.

إلى الأعلى