الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التناغم بين أسماء السور ومطالعها (سورة الحج نموذجاً)

التناغم بين أسماء السور ومطالعها (سورة الحج نموذجاً)

كثيرًا ما تتناسب أسماء السور القرآنية في الدلالة والمضمون والفحوى، مع مطالع تلك السور، حيث ترى التحامًا وترابطاً وتناغماً وتعانقاً بينهما إلى الحد الذي يجعلك تحار حيرة حائرة في عظمة هذا الكتاب الكريم، حيث إن مناحي عظمته لا تنتهي ولا تغيض، بل تزداد يوماً بعد يوم، وتفيض، ففي سورة الحج نجدها تبدأ بمشهد من مشاهد يوم القيامة إذ تتراءى بين ناظرَيْك الأرض وقد عَجَّتْ بأهلها وساكنيها من يوم أنْ خلق الله الأرض، ومن عليها: أبيضها وأسودها، وأحمرها وأصفرها، ورجالها ونسائها، وشيوخها وشبابها وأطفالها، ووحوشها وحيواناتها، وطيرها، وترى والسماء مفتحة الأبواب، والملائكة محيطة من كلِّ حدب وصوب وواد، هذا يجري يمنة، وهذا يروح يسرة، وهذا مشرئبُّ الأعناق، وهذا ساهم الطرف، شارد العقل، يرى المرء أخاه، فيفر منه، وينظر إلى أبيه فيراه كأنه لا يعرفه، والأم تقع عينها في عين وليدها، فتذهل عنه، وتمر عليه، وكأنه شيء من الأشياء، لا تعي من الذهول، ومن خطر القيامة، ويرى الزوج زوجته، وتراه ويمضيان لا يكلم أحدهما الآخر، وكله ينطق:”اللهم سلّمْ .. سلّمْ”، هذا مطلع السورة، وهو يلتقي، ويتناغم مع مشهد الحج الأكبر، فهناك أناس لا حَدَّ لآخرهم، فعلى مرمى البصر ترى جموع البشر، بثياب واحدة، وبتلبية واحدة، وبوقوف واحد، وبلسان يلهج بذكر ودعاء واحد، ويتنقلون من مكان لآخر، لا يفارقونه حتى يقضيَ اللهُ لهذا الزمان أن يتحرك، فيتحركون، فهو بين (مكة وعرفة ومزدلفة ومنى ثم عودة إلى مكة)، كل مرحلة لها وقتها وأوانها وأدعيتها، فيضٌ لا ينتهي، وشلال الخلق لا يغيض، ترى لهجات متعددة، ولغات متنوعة، وتقع عينك على ألوان من الخلق، وأصناف من اللغات، وتجد الخلق لا يكادون ينتهون، يمضون لا يلوي أحدٌ على أحد، ولا يكاد يتفحص أحدٌ في وجه أحد، هذا ذراعه حاسرة، كأنها ليست منه، وهذا شارد، قد وقع رداؤه عن صدره، وهو لا يتذكر، وليس عنده وقت أنْ يرفعه، ولا ذهنه يتخيل أنه ترك صدره عارياً، وهذا واقف أعلى الجبل، وهذا أسفل صخرة، كلهم مشغولٌ بنفسه، يدعو ربه، يجأر من ذنوبه، وهذا يبكي مِنْ كثرة ما اقترفته يداه، وهذا وَجِلٌ يستغفر، وذاك يستدِرُّ رحمة السماء، وكلهم، لسانُ حالِهم يقول:”اللهم نفسي .. نفسي، اللهم سلّمْ .. سلّمْ”.
تناغم هذا المطلع مع اسم تلك السورة، يقول الله تعالى:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (الحج 1 ـ 2).
تبدأ الآيات بالنداء العام رغم أنهم مسلمون فقط، وليس فيهم غير المسلمين، لكنه مشهد كوني، إنه الحج أكبر مؤتمر في الكون، وكأننا نشهد يوم القيامة، حيث يتجمع كلُّ الخلق أطيافًا وأصنافًا، فلم يشأ القرآن الكريم أن يقول:”يا أيها الذين آمنوا” على عادته في نداء أهل الإيمان، أو:”يا أيها الحجيج المسلمون”، وإنما نادى الخلق كلهم، والناس أجمعين، فوضعَنا في هذا النداء كأننا جميعا في أرض المحشر، حيث الساعة، وحيث منازل الآخرة، وفيه نداء لجميع البشر: المسلمين والمشركين وأهل الكتاب والبوذيين ومن لا دين لهم، ثم بعد النداء جاء أمر بتقوى الله، خشية هذا اليوم، ورجاء العمل له:(اتقوا ربكم) فهو أسلوب أمر، بدأت الآية بأسلوب نداء، واستحضار القلب والعقل والفكر والحس والذات والإحساس، فالجميع عبيد لرب واحد، هو رب المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، والموحد والمشرك، ثم أمر بتقوى الله التي يجب أن تحصل من كل فريق بحسب حاله، من التلبس بما نُهِيَ عنه، والتفريط فيما أُمِرَ به ليستبدل كلٌّ ما عليه بضده، وتقواه هذه توجب العمل بما يشاؤه الله، والله لا يرضى لعباده الكفر، إنما يرضى لهم الإيمان، وما يصلحهم ، والأمر بالتقوى هو أكرم الأوامر، حيث إنها عَلَمٌ على كل فضل وطاعة، ويدخل تحتها كل سلوك نبيل، وخلق حَسَن.
والأمر بالتقوى المرتبط بصفة الرب، مضافاً إلى ضمير المخاطبين إيذان إلى استحقاقه أن يُتَّقَى لعظمته لكونه خالقاً وربًّا، لا يأمر ولا ينهى إلا لمصلحة الناس، ودرء المفاسد عنهم، وكلا الوصفين لا يفيده إلا وصفُ الربوبية، وتعليق التقوى بالرب ـ جل جلاله ـ يقتضي (بدلالة الاقتضاء) اتقاء مخالفته أو عقابه، ثم جاء موضع العلة للأمر بالتقوى كما يفيده حرف التوكيد:(إن زلزلة الساعة شيء عظيم)، هذا أسلوب توكيد، يرسخ ويعمق خطورة شأن الساعة في قلب المؤمن، وما فيها من زلزلة للكون كله، وكونه ورد مؤكَّداً ليدل على شرف المؤكَّد، وكونه ورد على سبيل الجملة الاسمية ليدل على ثبوت هذا المعنى واستمراريته، واستعمال:(شيء) المنكَّر إيذان بالتهويل والتبجيل والتعظيم والتخويف الشديد، أي لا يُدرَك كنهُها إلا بأنها شيء عظيم، وكلمة:(عظيم) صفة مشبهة، أي أن هذا الوصف ثابتٌ لها، مستمرٌّ، أزليٌّ، و(أل) في الساعة عهدية ذهنية، أو تفيد الغلبة، فالساعة المعنى الغالب فيها هو يوم القيامة، وليست الساعة الدنيوية ذات الدقائق الستين، والإضافة على معنى (في) أي الزلزلة الحاصلة في الساعة، أي وقت حلول الساعة، فالمعنى يمكن أن يكون زلزلة حاصلة في الدنيا (كما نرى الزلازل تحصل وتحصد هنا وهناك)، ويمكن أن تكون حاصلة في الآخرة، والظاهر أنها الزلزلة الأخروية، حيث إشراف العالم الدنيوي على الفناء، وفساد نظامه، والإضافة هنا حقيقية، لا مجازية، وهو الذي فسرته آيةُ الزلزلة:(إذا زلزلت الأرض زلزالها ..)، ولما كان الزلزال يحدث في الساعة، نسبت إليه الزلزلةُ، فصار من قبيل المجاز العقلي الذي علاقته الزمانية، (زُلْزِلَت الساعةُ) وهو أسلوب خبري، غرضه التقرير، والتثبيت وإقرار المعنى في فؤاد وقلب المستمع، والقارئ، وكله يتناغم مع جو ومشهد الحج، المترامي الأطراف والمرائي، والمناظر، كأننا يوم الحشر والنشور، والجميع مشغولٌ بنفسه، وهمومه، وحياته، وذنوبه.
ثم يرسخ، ويقوي، ويرشح القرآن الكريم المشهد بجعل الخيال يزداد ، وتتسع رؤاه، ويمتد مداه:”يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعة عما أرضعت “، أي يحدث ذلك يوم ترونها، والفعل (يرى) فعل البصر، فينقلنا نقلة أخروية على الهواء مباشرة ؛ لننظر هذا المشهد المذهل ، والفعل (تذهل) مضارع يفيد الاستمرار كأنَّ كل لحظة فيها ذهول، وعندما تستشير المعجم عن هذا الفعل تجد معانيه تدور حول النسيان والغفلة ، والغياب عن الرشد، فكأنَّ المرء في هذه اللحظة يخرج عن رشده وعقله، ويمضي بلا عقل ولا فكر، لا يهتدي إلى أين يذهب، ولا يعرف إلى أين يصير، والفاعل هنا هو (كلُّ مرضعة)، و(كلُّ) تفيد الاستغراق، فتدخل فيها الأمُّ من البشر، والأمُّ من الحيوان بجميع أنواعها مِمَّن شأنها الإرضاعُ، والتنكير يفيد الشمول، و(كلٌّ) تفيد الشمول وهو كناية عن دخول جميع المرضعات في الذهول، والعادة أن اللغة العربية لا تضع التاء فيما لا يشارك فيه الرجالُ النساءَ لا تضع التاء، وفيما يتشاركان تضع التاء، فتقول فيما يتشاركان:(فلان عفيف، وفلانة عفيفة، وفلان طالب، وفلانة طالبة، وهو ناجح، وهي ناجحة) ذلك كما قلت فيما يكون بينهما المشاركة في الصفة، أما ما تتصف به المرأة وحدها ولا ينازعها فيها الرجال فلا تأتي اللغة بالتاء لانعدام المقارنة أو التشارك ، فيقولون: فلانة حامل، وطامث، ومرضع وحائض ومطفل لأن مجرد لفظها مشعر بالتأنيث إشعاراً تاماً، لا احتمال فيه، فالصفات المختصة بالإناث مستغنية عن التاء، حيث لا احتياج إليها، فلا نجد واحدا يقول: فلانة حائضة لأن الحيض صفة تخصُّ النساء، فلا عبرة في تأنيثها، وهل هناك فارق بين حائض وحائضة؟ نعم، هناك فارق ذكره العلماء أن الحائض (بغير تاء) هي التي بلغت سنَّ المحيض، وإن لم تكن متلبسة بالحيض الآن، ففي الحديث الشريف: “إن الله لا يقبل صلاة حائض إلا بخمار”، أي: بالغة ، وأما الحائضة فهي التي يجري دمُها بالحيض، وهي متلبسة به الآن، فلا يحل لها الصلاة ولا الصوم في هذا الوقت، وهكذا المرضع والمرضعة، فقد ذكر القرآن الكريم كلمة (كلُّ مرضعة)، ولم يقل:(كل مرضع)، فالمرضع مَنْ مِنْ شأنها الإرضاعُ، وإن لم تكن تُرضع الآن، أو متلبسة به، فالمرضع هي كل أنثى لها طفل ترضعه، لكن ليس بالضرورة أن تكون قد ألقمتْه ثديها الآن، فالمرضع قد تكون في مطبخها أو عملها أو شارعها، أو في شأن من شؤونها، بعيداً عن رضيعها، فقد لا تراه الآن، لكنها جاهزة للإرضاع في أي لحظة، أما المرضعة فهي التي انشغلت بإرضاع وليدها فهي تلاغيه وتناجيه وتلاطفه وتداعبه، هو يضرب بقدميه الصغيرتين في بطنها، وهي تلعب في شعره، وهو يصدر صوت الطفل الجميل مُنَاغِيًا، وهي تلاحقه بقبلاتها، فهما معًا في تداخل كامل، وتناغم غيبهما عن الوعي والحياة، وهما في هذا الموقف الحنون الراقي، الرقراق، الجميل، الذي من خلاله حدث غياب عن الدنيا، المتداخل في أعالي درجات الحنان، ومراقي التحنان، فإذا قامت الساعة تُنُوسيَ هذا الجو، وذهلت هذه الأمُّ، وقامت تجري تاركة رضيعَها، تدوسه الأقدام، بل قد تبقر هي نفسها بطنه، أو تفقأ عينَه من غير أن تشعر أنها فعلت شيئاً جراء ذهولها وخروجها عن وعيها، وفقدانها عقلها من خطورة ما تراه من هول الساعة، حتى إن القرآن الكريم ليجعل وليدها كأنه شيء من الأشياء، لا يعقل:(عما أرضعت)، ولم يقل:(عمن أرضعت) فعامله كأنه جماد لا عقل له ولا إحساس فـ (ما) لغير العاقل، و(من) للعاقل غالباً، فهي تذهل عنه كأنه حجر، أو كوب أو جدار يوصف بـ (ما) وليس بـ (من)، إنه مشهد صعب، وموقف خطير يُنسِي الأمَّ الحنونَ فلذة كبدها، وموضع سرورها، حتى إن الفاعل قد استتر هو الآخر، ففاعل:(أرضعت) يعود إلى الأم ، والمفعول نفسه محذوف، وتقديره:(عما أرضعته)، فاستتر الفاعل من هول الموقف، وحذف المفعول هو الآخر هلعاً وفَرَقًا، من هول الموقف وخطورته، وهذا كذلك كناية عن عمق دائرة الذهول، واتساع هوة الشرود، وهو ما نراه في يوم الحج عند الزحام، والاختلاط، والفيضان الجارف من عرفة، وتزاحم الخلق، حتى إن الأولاد الصغار قد يفقدهم أهلُهم، وكلُّهم مشغولٌ بنفسه، لا يفيق من هول ما يرى، ولا يعي ما حوله من تزاحم وهول ما يشاهد، ويسمع.
ولذلك جاء بعدها ما يرشحها ويقويها بقوله:(وترى الناس سكارى)، “وسكارى” هي حال تبيِّن هيئة الناس حال رؤيتهم ، وهي كذلك كناية عن هول ما هُمْ فيه ، وما أصبحوا عليه: صغاراً وكباراً .. شباباً وشيباً .. رجالاً ونساءً .. بيضًا وسودًا، و”أل” في الناس جنسية، أي جنس الناس، لا يشذ منهم أحد، ولفظة:”سكارى” من صيغ جموع الكثرة، فهم جميعًا سكارى، والواحد منهم في كلِّ تصرفاته كأنه سكران، يهذي هنا وهناك، لا يدرك معنى تحركاتِه، ومن يره يشعرْ أنه راح في غياهب السكر، “وما هم بسكارى” هو تعقيب رادع وقوي، دخلته الباء المزيدة (بسكارى) تلك الباء التي تؤكد أنه ليس بسكران ، وتدخل الباء غالبا في خبر “ما” وتكون زائدة أو صلة، نحو:(وما ربك بظلام للعبيد/ وما أنت علينا بعزيز)، وهي من ألوان ووسائل التوكيد في لغة العرب، فقد جاءت الجملة اسمية، وهذا أحد أساليب التوكيد، ثم أكدت كذلك بالباء الداخلة على الخبر المنكَّر، وهو كناية عن حقيقتهم، وأنهم مذهولون من هول مراحل الآخرة، ومنازلها الخطيرة، وفيه كناية عن تبصيرهم، ووجوب نظرهم في هذه العاقبة الكؤود، الشديدة، المفزعة.
ثم تختم الآيات بهذا القول المؤكد:(ولكنَّ عذاب الله شديد) فهو أسلوب استدراك بـ (لكنَّ) التي تبين صحة الدلالة، وسلامة الموقف، بأن عذاب الله شديد، والعذاب مضاف هنا إلى ( الله) أيْ عذاب له – جل جلاله، أو عذاب منه ـ سبحانه، فالإضافة على معنى “من”، أو على معنى “اللام”، والإضافة مرعبة لأن العذاب على قدر المعذِّب، وقدرته، والله هو القادر، القدير، المقتدر، وكلمة:(شديد) صفة مشبهة، أيْ صفتها ثابتة، ومستمرة، وأزلية، وتوصف بالاستمرار.
نسأل الله تعالى أن يدخلنا في هذا اليوم في ظله ورحمته، يوم لا ظل إلا ظله، ولا رحمة إلا رحمته، وأن يرزقنا السلامة في حجِّنا وفي آخرتنا، وأن يكتبنا عنده من الآمنين من عذابه في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.

د/ جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى