الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أسئلة البدايات.. الشيطان هو النفسٌ، أمْ هو ذات؟! (١ ـ ٢)

أسئلة البدايات.. الشيطان هو النفسٌ، أمْ هو ذات؟! (١ ـ ٢)

علي عقلة عرسان

في الفطرة خير، وفي الجِبلَّة التي تحمل الخير، بـ”الفطرة الخيرة”، يوجد أيضًا الشر.. فلكلٍ بذرته أو بذوره في ذلك الحقل الخصب، الذي يُروى بماء الحياة، “النفس”.. وما النار، التي منها الشيطان “إبليس” الذي لم ينصع لأمر ربه، ورفض أن يسجد لآدم، و(قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) – الأعراف (12)، ما تلك النار إلا بعض تكوين آدم، ذي الصلصال والحمأ المسنون.. فلمَ لا تلذعه، عندما يقف عند ضفاف رغبة جامحة، وتتلظى فيه كما اشتعال النار وتلظيها في جسد؟!

بعد البَسْملة، وحمدِ الله، يقول معظمُ من يبتدئون الصلاة، ومن يفتتحون الكلام في العبادات، والمعاملات، والعِظات، والدعوات: “نعوذ بالله من شرورِ أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا”. وفي مستهل قراءة كل سورة من سور القرآن الكريم، يقول القارئ: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.. فهل شرور أنفسنا هي الشيطان ومنه، وأنه النَّفْسُ الأمَّارة بالسوء، حيث تكمن الشرور؟ وهل النَّفس هي الشيطان الذي نعوذ بالله منه ومن شروره، وأنهما دخلا في نوع من التماهي؟! ذاك سؤال نقاربه هنا، استنادًا إلى آيات من القرآن الكريم، ومأثورات من القول والرأي، ومن استبطان للذات في بعض مناحي التفكير والتدبير والممارسات، مبتدئين بأسئلة تتصل بالبدايات، لنلتمس في ضوئها، وعلى هديها، أجوبة عليها، وعلى ما هو أبعد منها، إن أمكن ذلك.
في الأساطير والوثنيات القديمة، خلقت الآلهة الخلق، وتناسلوا، وفي الديانات التوحيدية، نَسَل البشرُ، بعد الخلق الأول، من آدم وحواء، وانتشروا في الأرض، بعد أن طُردا من الجَنَّة.. فهل كانا ونسلهما، تلك السلالة النازلة، المطرودة أو المنفيَّة بمعنى من المعاني، وصارت الأرض، أرض البشر المعاقَبين بالطرد، ومنفاهما الذي يتطلعون منه إلى السماء، في استرحام دائم، وحنين لا ينقطع، إلى الرحم الأولى، وجَنة المأوى..؟! أم أن البشر لم يكونوا أصلًا سُلالة نازلة، بل نشأوا من نمو الطحلبيات، و”البكتريا بأنواعها”، ومن تطور دود الأرض، وفصائل الشمبانزي، والقرَدة المتقدمة خَلْقِيًّا على كائنات وحيوانات أخرى، فصاروا، في الأرض، سلالة صاعدة، ترنو إلى النور من جوف الظُّلْمة، وتتطلع إلى الفضاء الأعلى، الأسمى، بعد الانسحاق في الحَمَأ المسنون ثم الانبثاق منه؟! أهل اللاهوت يقولون بالقول الأول، وبعض النَّاسوت يقولون بالثاني، والله سبحانه هو القائل: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴿٣٢﴾ سورة النجم.
على ذلك الفصل الحاد، بين خَلْقٍ تامٍ للإنسان، بيد الرحمن، من طين.. ونشوء وتطور طبيعيين له، من مكونات حية في الطبيعة، وعبر كائنات متخلِّقة فيها، ابتداء من الخلية الحية الأولى.. على ذلك الفصل بين النَّشأتين، بُنيت وتُبنى أساطير، وعقائد، ونظريات، وفلسفات.. وعليه تترتّب خيارات، ومواقف، ومآلات، وتُبنى أيضًا توجّهات، وأفكارٌ، وأيديولوجيات، واعتقادات،” إيمانية، أو إلحادية، دينية أو علمانية، أَدْرِيَّة ولا أَدْرِيَّة..”.. وقد تُبنى على أسس ثابتة من المعرفة الحقّة بالخَلق، أو على تخمينات، وظنون، لا تلبث أن تجريَ مجرى اليقين، بالاعتياد والتلقين. وعليه يتحدد كل ما يحكم الجِبِلَّة الأولى، وما يؤسّس للسلوك والتصرف البشريين، ويوجّههما، ويحاسب عليهما، وما يَحكُم أفعالَ الإنسان الدنيويّة، وهو يأخذ بالاعتبار الرَّجْعة الأخروية أو انعدامها، وما يترتَّب على ذلك، نفيًّا أو إثباتًا.. فيفكّر، ويقدّر، ويدبّر، حسب ما يصل إليه علمُه واعتقادُه، ويقينه: هل هو طبيعة “تَخَلُّقيّة” ذاتية القدرة، وكينونة بشرية محكومة بالطبيعة والآخر فقط، ولا شيء بعد ذلك، أو أبعد منه.. فلا بعث، ولا نشور، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب..؟! أم أنه محكوم بالقدرة الإلهية، والدين، والأخلاق، والإيمان، والضمير.. وبكل ذلك المرتبط، “تكوينًا روحانيًّا ووجدانيًّا، ومحاكمةً عقلية”، بالخوف من الله، الذي لا تخفى عليه خافية، وبالحساب بعد البعث والنشور، في يوم القيامة، حيث يجري الحساب، وتُجْزى كل نفس بما تستحق، وفق ما كسبت وما اكتسبت؟!
وفي منحى تشعّبي آخر، يتمم هذا الجذر “الحاكم – الآمر”، نتساءل: حين خَلَق اللهُّ سبحانه وتعالى آدم من حمأ مسنون، ثم خلق منه زوجَه حواء، “من ضلعه”، وأسكنهما الجنة، ثم فتنهما إبليس، “الشيطان”، الذي كان قد طُرد من الملكوت، لأنه عصى أمرَ ربه فلم يسجد لآدم.. لكنه لازمه، وزيَّن له ولحواء معصية أمرِ ربّهما، فأكلا من ثمر الشجرة التي نهاهما اللهُّ عن أكل ثمرها، وانكشف لهما من أمرهما ما انكشف، ثم تابا وأنابا، وغُفِر لهما.. لكنهما طردا من الجنة، وهبطا إلى الأرض، وهبط معهما الشيطان مطرودًا من الجنة، محسوبًا على الفتنة: ﴿قالَ أَنظِرني إلى يَومِ يُبعَثونَ ﴿١٤﴾ قالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرينَ ﴿١٥﴾قالَ فَبِما أَغوَيتَني لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِراطَكَ المُستَقيمَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِن بَينِ أَيديهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمانِهِم وَعَن شَمائِلِهِم وَلا تَجِدُ أَكثَرَهُم شاكِرينَ ﴿١٧﴾ سورة الأعراف.. وقال اللهُّ لآدم وحواء: “الشيطان عدوّكما فاحذراه”، وقال للكل “اهبطوا.. بعضكم لبعض عدو..”، ثم تناسل البشر وتكاثروا بعد ذلك من ذكر وأنثى، ابتداء من تلقيح نطفة لبويضة في رحم.. هل كانت للشيطان أنثاه، سواء أُخلقت من ضلعه مثلما خُلقت حواء من آدم، أم خُلقت له بصورة ما، فتناسل الشياطين مثلما تناسل البشر..؟! لقد تناسل البشر من آدم وحواء، ولكن لم يكن مع الشيطان زوجة.. ولم تنقل لنا آيات الخلق ذلك، لا في القرآن الكريم، ولا في الكتب التي يعتمدها أهل الكتاب من غير المسلمين.. وعلى الأرجح، لم يرد شيء من ذلك في أساطير الخلق الأولى لا عند الفراعنة، ولا عند السومريين، والأكديين، والبابليين الذين توارثوا جميعًا “إينوما إلش، أسطورة الخلق”، ولا عند الكنعانيين والآراميين والفرس واليونانيين، والصينيين والهنود.. إلخ. فهل كان للشيطان نسل، يختص كل منهم بابن من أبناء آدم أو ببعضهم؟ وكيف تناسلت الشياطين، إن كان ذلك كذلك؟!
أم أن قوة الشيطان الفرد، “إبليس”، كانت جامعة، مانعة، ناشطة، مطلقة، شاملة لكل البشر في كل العصور.. بقدرة وقَدَر، تمثَّلا في كائن واحد فرد فريد.. أم هي طبيعة انتشار النار في الهشيم، فهو من نار وهم من طين؟!.. أم أنه لم يكن للشيطان وجود أصلًا خارج كياني المخلوقين آدم وحواء، وما تُسوِّل لهما نفساهما، وأن الشيطان هو في تكوين الجِبِلَّة البشرية الأولى، فانبثق منها، ووسوس لآدم وحواء، وأغراهما بما أغرى، وسكن النفس التي كان منها وفيها ولم يغادرها، وإنما كان وجوده في الذات مع نشوء الذات، وكانت قدرته منها وفيها، بوصفه جزءًا من تكوينها.؟!
ـ ٢ ـ
عندما طَردَ اللهُ، سبحانه، آدمَ وزوجَه من الجنة، وطرد معهما الشيطان مذمومًا.. أعلمهم بـأن “بعضكم لبعض عدو”، وقال الشيطان (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا).. بدأت الرحلة “التَّناوشِيَّة” الأبدية في العمق الداخلي، في الذات.. في عتمة الغرائز والنزوات والشهوات والرغبات والسلوك .. فما يطلق عليه اسم “الشيطان”، مكون من مكونات النفس البشرية، داخل في عضوية الجِبِلَّةِ البشرية الأولى، وأنه يفعل فعله في البشر من خلال البشر أنفسهم، عبر تكوينهم، وتكاثرهم، وتوارثهم لما يدخل في مكونات “جينات” كل منهم، ومن خلال اختلافهم، وتنافرهم، وتضادهم، وتقاربهم، ويؤثر في ذلك “تثقيفهم وتثاقفهم، وإيمانهم وكفرهم.. إلخ”، سلبًا وإيجابًا.. وأن ما يسمى “الشيطان = إبليس” في عمق تكوينهم ذاته.. حيث توطَّن ويتوطَّن في كل نفس، بحكم كونه في جوهر تكوينها.. وهي “الأمارة بالسوء. الشيطان لا وجود له خارج الذات، ولكل ذات شيطانها إن صح التعبير، يتعملق فيها حتى ليسيطر عليها، أو يضمحل حتى ليكاد تأثيره عليها يتلاشى.. ولذا قال تعالى “وهديناه النجدين”، أي طريق الخير وطريق الشر، وقال عن النفس “ألهمها فجورها وتقواها”، فالأمر في الذات، في جِبلَّة الكائن البشري، من تكوين عضوي متداخل ومتكامل ومتفاعل فيه. فلندقق قليلًا ولنتأمل كثيرًا في كلمة “أَلْهَمَها”، وفي ما تعنيه من تصرّف، وفعل، وقول، ورأي، وتفكير، ورؤية، وخيارات، وتعلم، وتربية، وتثقيف.. صادرة عنها أو منغمسة فيها، في نهاية المطاف.
وهذه الجِبِلَّة البشرية في تمايزها وتفرُّدها، قد تحكم وتتحكَّم في الكثير مما يعبَّر عنه بالخُلق، وبالنزوع البشري الرَّغبوي أو الرَّدعي أو العدواني، أو السّلمي، في الشرير والخيِّر.. فتقوم صلات، وعلاقات، وتجري صراعات، تشكل بمجملها تلونات العيش وقوانينه، وأطياف السلوك، وصور التجمع البشري والمعاناة، وكلَّ أشكال المتضادات، وصولًا إلى الموت – الحياة، أو الحياة الموت.. انطلاقًا من صراعات داخلية في الذات التي تحمل: “الشيء ونقيضه، الخير والشر، البقاء والفَناء”.. وفي إطار ذلك تتم صراعات البشر الظاهرة فيما بينهم، في حياتهم المشتركة، وفيما يتكوّن لديهم من محرم، ومنهي عنه، وممنوع، ومرغوب فيه، ومباح، ومتاح، وممتع ومؤلم، ومرغوب فيه، ومرغوب عنه.. حسب تكوين، ودافع، وباعثٍ، وعرف، وعادة، وأمر، أو بفعل طبيعة دافعة، وقوانين رادعة.
حين أصدر الله أمره، سبحانه وتعالى، بأن يهبط الثلاثة “آدم وحواء وإبليس” إلى الأرض، كان يعلم، أن هناك صراعًا أبديًّا سيكون بين الخير والشر، وقد أنذر بما سيترتب على ذلك. وحين أشار الملائكة إلى ما سيكون من فساد في الأرض، وسفكٍ للدماء.. وقالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)- البقرة ٣٠. لقد كانت هذه الإرادة الإلهية قبل أن يفتِن إبليسُ/الشيطانُ/آدمَ وحواءَ في الجنة. وعليه، فإن الشيطان، فيما أرى، جزء من الأمر، من المعادلة، من دفع الخلق بعضهم ببعض.. وأنه كان في الجِبلَّة البشرية وليس خارجها، وأن نفسَ كلٍّ من آدم وحواء، هي التي وسوست، وفتنت، وأغرت، فغوت وأغوت؟! بمعنى أن الفعل الشيطاني، أو ما يسمى فعل إبليس، كان في صلب الطينة التي جُبِل منها آدم، ومن ثم في تكوين ذلك الحقل الخصب “النفس”، الذي ينمو فيه القمحُ والزؤان، وقد تنمو فيه بذور الشر على حساب بذور الخير، أو يحدث العكس، بنمو، أو بتأثير، وتسبيب، ما نسميه “جينات أو مورثات”، هي موجودة في الخَلق، وتعمل من دون تحكُّم إرادي بها؟!.. أفيكون ذلك هو وراء الجَبْريَّة والقَدَريَّة، الجدل الفكري ـ الفقهي، الذي له ما يسوغه؟!. والجِبِلَّة هي التكوين الفطري، أي عجينته الأولى، أي جوهر ذلك التكوين العميق للنفس، “الذات”، التي يقع فيها، ويصدر عنها، ويضمحل أو يتضخم فيها، ما في الشخص من غرائز، ونزوات، ونزعات، وصراعات.. إلخ، ويتم فيها نمو بذور على حساب بذور، وتتجذّر فيها طباع، وتُداخلها أشكال من الطبعِ والتطبّع، والطبع غير التطبّع كما هو معروف. وقد أكد الحديثُ النبوي وجود المنحى الخُلُقيّ الخيِّر في الجِبِلَّةِ البشرية، إلى جانب ما فيها من “وسواس”، يرتبط عمومًا بالسلبي من الفكر والنوايا والفعل، ويدخل في باب أو درجة، من أبواب الشر ودرجاته.. إذ قال نبيُّنا، صلى الله عليه وسلم، لأشَجِّ عبدالقيس ـ رضي الله عنه ـ وهو عبدالله الأشج، المنذر بن عازر: “إن فيك لخُلقين يحبّهما الله: الحِلْم والأناة”، قال: يا رسول الله، أهما خُلقان تخَلّقْتُ بهما أم جَبَلني الله عليهما؟، قال: “بل جَبَلَكَ الله عليهما”، فقال: (الحمد لله الذي جبلني على خُلقين يحبهما الله ورسوله)- أبو داود (5220) من حديث أبي سعيد الخدري( رضي الله عنه) وأخرج مسلم (17) شطره الأول. وإذا أخذنا بهذا، وحاولنا فهمه وتفسيره وتدبّره، وفق منهج عقلي، فإن ما نسميه الشيطان هو وسوسة نفسية في جِبِلّة آدم أورثها حواء، وتوارثها نسلهما.. وما الشيطان إلا اسم لذلك الوسواس الخنَّاس الذي “يوسوس في صدور الناس”، ويقطُن النفس، ويجعلها أمَّارة بالسوء.. فتكون حقل الخير والشر معًا، ودار الرحمن والشيطان في آن.. فالشيطان في الذات: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٦﴾- سورة فصّلت.. ومن الواضح أن دوافع هذا النَّزغ من داخل النفس، أمَّا بواعثه فتكون أحيانًا من داخلها، ومن المعروف أن الدافع يختلف عن الباعث، ولكنهما يتقاطعان. والآية الكريمة أشارت إلى أنه، حين يحدث لنا ذلك النزغ، فخلاصنا منه بأن نستعيذ بالله سبحانه، أي بما يشكل ردعًا للنفس بخشية الله، ودرعًا لها بالاحتماء به، وفق معرفة ترقى بالإيمان ويرقى بها الإيمان.. وما ذلك إلا لأن هذا النزغ يدخل في باب من أبواب الأمر بالسوء، ذاك الذي هو من صفات الأنفس وفي جِبِلَّتها، و”النفس أمّارةٌ بالسوء”، ويدخل في باب نزغ الشيطان، وأنه دعوة إلى أمر فيه سوء بمعنى ما، لذا نتعوَّذ منه، ونعوذ بالله منه، ونفعل ذلك حتى ونحن في الصلاة، إن راودنا شيء منه.
ومَن رسخت في أنفسهم شرور، حتى غدوا الشيطان أو في حكمه، من أتباعه، أولئك يتبرؤون من المسؤولية عمن يغوونهم، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٢٩﴾ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ﴿٣٠﴾ الصافات. وهكذا تتحمل النفس وزر ما كسبت وما اكتسبت، ولا تزر وازرة وزر أخرى.. فليس للجن من سلطان على البشر، إنما هو طغيان ما في النفس من شر، على ما فيها من خير، فتصبح: ملوثة، مدانة، ملومة.. ويبقى ذلك بحكم ما يكون استعدادًا ذاتيًّا، أو جِبِلَّة، أو “فِطرة”. وربما تكون الإشارة مفيدة هنا إلى نظريتين كبيرتين ارتكز عليهما، الفكر الغربي الرأسمالي والآخر الاشتراكي، في القرن العشرين، إحداهما تقول بأن الشرَّ أصيل في الإنسان، وترى أن “الإنسان للإنسان ذئبٌ ضارٍ”، ويقول صاحبها توماس هوبز (5 أبريل 1588 – 4 ديسمبر 1679 Thomas Hobbes)، بـ”الحق الطبيعي”، أي: “الحرية الممنوحة لكل إنسان لاستخدام قواه الخاصة للمحافظة على طبيعته”: حق البقاء، وحق الدفاع عن الحياة وتحقيق الغايات بكل الوسائل المتاحة، وحق وضع اليد على أي شيء يجده الإنسان أمامه”. والأخرى تقول بأن الخير هو الأصيل في الإنسان، ولا مجال للحق الطبيعي بهذا المفهوم. وكل يقول ذلك من واقع البيئة العامة ” الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والثقافية” الروحية والمادية عمومًا.. وأن التحكم بالمحيط والقواعد والعوامل الاقتصادية والسياسية وأنظمة الحكم وأنظمة العمل وقواعد التعامل، يؤثر في ذلك.
- ٣ -
وفي الفطرة خير، وفي الجِبلَّة التي تحمل الخير، بـ”الفطرة الخيرة”، يوجد أيضًا الشر.. فلكلٍ بذرته أو بذوره في ذلك الحقل الخصب، الذي يُروى بماء الحياة، “النفس”.. وما النار، التي منها الشيطان “إبليس” الذي لم ينصع لأمر ربه، ورفض أن يسجد لآدم، و(قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) – الأعراف (12)، ما تلك النار إلا بعض تكوين آدم، ذي الصلصال والحمأ المسنون.. فلمَ لا تلذعه، عندما يقف عند ضفاف رغبة جامحة، وتتلظى فيه كما اشتعال النار وتلظيها في جسد؟! وما الوسوسة التي تجر الإنسان إلى ما لا تُحمد عقباه، من فكر أو فعل أو قول، إلا ما نطلق عليه نار الشهوة، أو نار الغيرة، أو فوران القلب في حالات الغضب والتطرف والتعصب، في الكيد والحقد والكراهية، في الانتقام، والسطوة والتسلط والاستبداد، في الغيرة والحب والتملك.. إلخ، حيث ينطوي ذلك على الشر/الشيطان، ويعبر عن حضوره أو عن سيطرته، فيكون ذلك عملًا من أعمال الشيطان، قد يصغر وقد يكبر، قد يضيق وقد يتسع ليصبح طغيانًا واستبدادًا وحربًا؟! ولكنه يبقى داء الذات وما قد تراه دواءها.. وتلك هي النار، “جهنم”، في فعل ناجز، أو يسعى لكي يكون ناجزًا.. وهي تلك التي تشتعل في داخل البدن فيطلب إطفاء.. يكون في إشباع لذة، أو تلبية حاجات غريزة، أو استجابة لنزوة، أو عملقة لطموح، أو حسد، أو شهوة للتسلط، أو للمال، أو لقهر الآخر، وللفتك بأشكاله، ولغير ذلك من أفعال محكوم عليها، أو منهيّ عنها، مما هو في حكم المعاصي، والفواحش، أو الكبائر مثل: الإشراك بالله، والقتل، والزنا، والسرقة.. أو مما هو نزغ يدفع إلى الظلم والاضطهاد، والفساد والإفساد و.. إلخ، وكل ذلك يدخل في باب من أبواب السوء.
ولا يخلو جسم، كما لا تخلو نفس، من دافع ما، للقيام بما نسميه “الشر، الشيطان، إبليس.. أي رغبة محرمة، وغريزة ثائرة مستنفِرَة، وشهوة مستحكمة، وسطوة مستكبرة، وشِقوة تزينها النفس”؟! التي قال تعالى للناس بشأنها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾ سورة النساء. وهي نفس واحدة في أساس الخلق: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿١٠﴾ – سورة الشمس. إذن، أفلا يعود كل شيء إلى تكوين الذات ومكنوناتها، ومفاعيلها، وأفعالها.. تلك التي يمكن أن تنهج نهج تزكية النفس والسموِّ بها، فتفلح وتسعَد وتبتهج، وتطمئن إليها الأنفس الأخرى فيرتفع شأنها.. أو أنها تشتطّ، وتغلُظ، وتغلو، وتفسُد، وتتبع هواها، فتنحلّ، وتهبط، وينفرط عقدها، وعقد الناس من حولها، بسبب سوئها من جهة، وحكمهم السلبي عليها من جهة أخرى.. فترى أن جحيمها في الآخرين أو في تحاشيهم لها، وفي نفورهم منها، فينتج عن ذلك: “العزلة، والكراهية، والفَقْد المتبادل”.. وهكذا ينفض كثيرون عنها “لفظاظة، وغلظة قلب، وسوء طوية”؟!.. وعندئذ يكون هذا جحيمها في الدنيا، وربما لا يكون الآخر جحيمًا لها لمجرد أنه آخر، بالمفرد أو بالجمع، ولكن ذلك ما يهيمن على النفس ويحركها، فتعيش الجحيم.. والحال الأصح الأصلح، عندئذ، معالجة الذات لوضعها الخاص، من أجل وصولها إلى الأصح الأصلح، الذي هو بالآخر ومعه.. فكما قال المعري:
ولو أني حُبيتُ الخـلدَ فـردًا لما أحببت بالخلدِ انفــرادَا
فلا هطلت عليّ ولا بـأرضي سـحائبُ ليس تنتظمُ البـلادَا
ويوجد في تلك المعاناة الدنيوية، جحيم الذات، خوف ضمني من جحيم الآخرة، وفيها ضمنًا بعض مذاقاته، والترغيب في الجنة:﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿٤١﴾ سورة النازعات. هذا، أو أن النفس تنهج نهج السوء، وتدنيس الذات، فتفسُد وتخيب، وتعاني من ذلك ما تعاني، فتشقى، ويشقى بها سواها؟! والآمر واحد، في المستَنْبَت الواحد، أي “الحقل الفطري” الذي تُسقى فيه البذور الطيبة فتطِيب نفس، وتُسقى فيه البذور السيئة فتفسُد نفس!!
والله ولي التدبير.

إلى الأعلى