الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فولفغانغ غوته .. في ذكرى ميلاده

فولفغانغ غوته .. في ذكرى ميلاده

مر علينا 28 أغسطس ذكرى ميلاد الشاعر والكاتب الألماني الكبير يوهان فولفغانغ فون غوته، وهو الأديب الذي تميز بالانفتاح على الثقافة العربية والإسلامية. ولد يوهان فولفغانغ فون غوته في الثامن والعشرين من أغسطس عام 1749 م بمدينة فرانكفورت بألمانيا، وهو أحد أشهر أدباء ألمانيا المتميزين، الذي ترك إرثاً أدبياً وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية، وكان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية، وما زال التاريخ الأدبي يتذكره بأعماله الخالدة التي ما زالت أشهر المكتبات في العالم تقتنيها كواحدة من ثرواتها، وقد تنوع أدب غوته ما بين الرواية والكتابة المسرحية والشعر وأبدع في كل منهم، واهتم بالثقافة والأدب الشرقي واطلع على العديد من الكتب فكان واسع الأفق والثقافة . وتوفي غوته في 22 مارس 1832 في فايمار.
ونظراً للمكانة الأدبية التي مثلها غوته تم إطلاق اسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة الألمانية في شتى أنحاء العالم وهو “معهد غوته” والذي يعد المركز الثقافي الوحيد لجمهورية ألمانيا الاتحادية الذي يمتد نشاطه على مستوى العالم، كما نحتت له عدد من التماثيل.
لم يكن غوته مجرد شاعر عادي يسجل خواطره وأفكاره من خلال قصائده الشعرية، وكتبه الأدبية، بل مال إلى التبحر في مختلف العلوم، فانكب دارساً العلوم والفنون المختلفة مثل الرياضة والرسم والشعر والموسيقى والتصوير، كما قام بدراسة النبات والطب والهندسة والحقوق والسياسة.
وعكف على تعلم اللغات وساعده والده في ذلك فدرس كل من اللاتينية، اليونانية، الإيطالية، الفرنسية، الإنجليزية والعربية والعبرية، كما سعى غوته نحو التعرف على ثقافات أخرى فتعمق في الأدب الشرقي فاطلع على الأدب الصيني والفارسي والعربي، بالإضافة لتعمقه في الفكر الإسلامي، ولم يكتف غوته في مجمل اطلاعه على الثقافة العربية على الشعر العربي فقط بل اطلع على كتب النحو والصرف متلهفاً وساعياً نحو المعرفة، كل هذه الأمور أهلته لأن يكون شاعراً متمكناً واسع الثقافة مطلع على العديد من العلوم.

أهم مؤلفاته
ولغوته مجموعة هائلة من المؤلفات أهمها : آلام الشاب فيرتر 1774 (رواية في شكل رسائل) المتواطئون 1787 (مسرحية هزلية) غوتس فون برليشنجن ذو اليد الحديدية 1773 (مسرحية) بروميتيوس 1774 (قصائد) كلافيغو 1774 (مسرحية مأساوية) إيجمونت 1775 (مسرحية مأساوية) شتيلا 1776 (مسرحية) إفيغينا في تاورس 1779 (مسرحية) توركواتو تاسو 1780 (مسرحية) فاوست (ملحمة شعرية من جزأين) من حياتي .. الشعر والحقيقة 1811/ 1831 (سيرة ذاتية) الرحلة الإيطالية 1816 (سيرة ذاتية عن رحلته في إيطاليا) المرثيات الرومانية 1788/ 1790 (قصائد).
كما قدم واحدة من أروع أعماله وهي “الديوان الغربي والشرقي” والذي ظهر فيه تأثره بالفكر العربي والفارسي والإسلامي، ولعل غوته هو أول شاعر أوروبي يقوم بتأليف ديوان عن الغرب والشرق مجسداً قيم التسامح والتفاهم بين الحضارتين.

اللغة العربية في حياته
عكف غوته على دراسة الادب العربي دراسة متعمقة، واطلع على الأشعار والملاحم العربية وتأثر بعدد من الشعراء مثل المتنبي، وقام بإدراج بعض من ملامح أشعاره في روايته “فاوست”، كما تأثر بأبي تمام، والمعلقات السبع فقام بترجمة عدد منها إلى اللغة الألمانية عام 1783 م بمساعدة معلمه هيردر، وقرأ لفحول الشعراء مثل امرئ القيس، طرفة بن العبد، عنترة بن شداد، زهير بن أبي سلمى وغيرهم، وكانت للأشعار والمفردات العربية تأثير بالغ على أشعار وأدب غوته. ومما قاله غوته في وصفه للغة العربية ” ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية، وإنه تناسق غريب في ظل جسد واحد”.
وترى مومزن في كتابها “غوته والعالم العربي” أن غوته ما كان ليصل لما هو عليه لولا اطلاعه على الثقافة العربية والإسلامية، كما تثبت الباحثة الألمانية اطلاعه الواسع على القرآن الكريم، وحكايات ألف ليلة وليلة والمعلقات الشعرية العربية، والشعر الفارسي المتمثل في شعر حافظ الشيرازي، وغيرها من روافد الثقافة العربية والإسلامية.
“ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية”، بهذه الكلمات يصف غوته اللغة العربية. فقد أدخل الشاعر الألماني مفردات فارسية وعربية على قصائده، كاستخدامه لمفردة “ديوان” أو مفردة “هدهد”، بالإضافة إلى الاستعارات الشعرية العربية غير الموجودة في التعبير الألماني كتعبير “وجهها كالقمر”. أما تأثره بالقرآن الكريم فيظهر جليا في هذه القصيدة “لله المشرق، ولله المغرب، والشمال والجنوب يستقران في سلام يديه”، وهي محاكاة واضحة لقوله تعالى في سورة البقرة “ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله”.

علاقته بالإسلام
عٌرف غوته باحترامه وتقديره للإسلام كدين يحمل الكثير من القيم العظيمة، وكان من المهتمين بالإسلام والقرآن الكريم، وبسيرة الرسول “عليه الصلاة والسلام”، فاهتم بالاطلاع على المؤلفات التي صدرت عن الإسلام والشرق، ومنها الترجمة الألمانية للقرآن الكريم، المعجم التاريخي، المكتبة الشرقية، الديانة المحمدية، حياة محمد، كنوز الشرق كل هذه الكتب كانت لمستشرقين ومفكرين أجانب وشكلت إحدى المراحل الهامة لغوته للتعرف على الإسلام ورسوله.
وكان لـ “هيردر” الفيلسوف الألماني العظيم تأثير بالغ على فكر جوته حيث كان أول من أرشده للاطلاع على الشعر العربي والقرآن الكريم، وكان هيردر فيلسوف ألماني ذا تأثير كبير على الحضارة الألمانية، وفيلسوف اللغة والتي نظر لها على أنها أساس هام لاحترام الفروق الثقافية بين الحضارات، كما كان من أكبر الأدباء المنصفين للإسلام وهو ما أوضحه من خلال كتابه ” أفكار حول فلسفة تاريخ الإنسان” وقام فيه بالإطراء على شخص الرسول الكريم “محمد” صلى الله عليه وسلم، كما أوضح إعجابه بتعاليم الدين الإسلامي.
وقد انعكس فكر هيردر على جوته فاهتم غوته بالشعر والقيم العربية المتمثلة في العزة والكرامة ومعاني الشرف والتي كان يستشفها من خلال الملاحم والوقائع الشعرية، فاطلع على دواوين السعدي، وحافظ الشيرازي، والفردوسي.
وقد بدأت علاقة غوته بالقرآن الكريم من خلال لقائه مع هيردر بمدينة ستراسبورج عام 1770م، حيث قام بالاطلاع على نسخ مترجمة من القرآن، وقد أعجب به غوته كثيراً وتمعن في معانيه ومفرداته، فجاءت كتاباته متأثرة بالآيات القرآنية، كما قام باقتباس بعض منها وأوردها في أشعاره، وقام بوصف القرآن بأنه “كتاب الكتب”.
ومما قالته “كاترينا مومزن” أستاذة الأدب الاجتماعي عنه “إن غوته أعجب بالإسلام ولفت نظره مبدأ التوحيد، تلك العقيدة التي تدعو إلى الانقياد لله الواحد، والدعوة إلى تحرر الإنسان من كل صنوف العبودية الدنيوية”
إضافة لذلك اطلع غوته على السيرة النبوية، وكان معجباً بشخصية الرسول، وانه لم يقصر اعجابه في حياة الرسول على مجرد بث التعاليم الدينية، وانما في توصيل رسالته ودعوته بوسائل كفاح دنيوية.
وقد ظهر إعجابه الشديد بالدين الإسلامي وبالرسول الكريم من خلال أشعاره، وأعماله الأدبية والتي نذكر منها “تراجيديا محمد” هذا الكتاب الذي انقسم إلى فصلين، الأول تحدث فيه عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، أما الفصل الثاني فقام بتصوير معاناة الرسول أثناء تبليغه الرسالة وما قاساه من المشركين خلال ذلك.
كما اختص غوته الرسول محمد “صلى الله عليه وسلم” بقصيدة مدح طويلة، كما قام بكتابة مسرحية أيضا عن الرسول ولكنها لم تكتمل نظراً لوفاته، وقد وجدت بعض المخطوطات لهذه المسرحية والتي عمد فيها إلي التأكيد على أن محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بأفكار جديدة لنشر الإسلام وروح المساواة والإخاء في العالم.
ومما قاله في الإسلام في ديوانه الشعري الديوان الشرقي ” إذا كان الإسلام معناه أن نسلم أمرنا لله، فعلى الإسلام نعيش ونموت جميعاً “.

قصيدة غوتة ( ترتيلة محمد )
نص القصيدة مترجمة إلى العربية ، ترجمة بهجت عباس

انظروا إلى نبـع الصخور،
لمّـاعاً من الابتهاج،
كَـوَمضـاتِ النجـوم!
ومن فـوق الغـيوم
ملائكـة أخيـار
تغـذي عنـفوانـه
بين الصّـخور في الأدغـال.

بحيـويّـة فتى يافـع
يَـثِـبُ بخِـفّةٍ خارجَ الغيـمة
وعلى الصّخور المرمر في الأسفل
يبـتهل كَـرّةً أخرى
إلى السّـماء.
عَـبرَ الممـرّات على القِـمم
يلاحق الصَّـوانَ المـلوّنَ بسرعة ،

وبخطـوة قائـد سابقٍ لأوانـهِ
يكتسح إخوتـَه الجداولَ
ويجـرفهـا قـُدمـاً معـه.
ومن تحت، في الـوادي
تـنـبت الأزهـار تحت قـدمه،
وتدبّ ُ في المَـرج الحيـاةُ من نَـفَـسه.

ولكنْ لا يوقـفـه وادٍ ظلـيل،
ولا الأزهارُ،
التي تـُطَـوِّق رُكبـتَه،
مُبـتَسِمـةً بأعـينٍ ملـؤهـا الحبّ ُ:
ينطلق انسيـابـُه نحو السّهل
مُتَعـرِّجاً كأفعـوان.

تـرتبط الجداول به
مرافقـة. والآنَ ينبـعث
في السّـهل كالفضَّـة لمعـاناً،
ويلـمع السَّـهل معـه،
والأنهـارُ مـن السّـهل
والجـداول من الجِّـبال و
تهلِّـلُ وتصيح : يا أخانا!
يا أخانا، خذ إخـوتَك معـك،
معـك إلى أبيـك الأزلي،
إلى المحـيط الأبدي،
الذي ينـتظـرنا بأذرع ممـدودة،
التي، آه، تمـتـد دون جـدوى،
لتحتضـنَ المتشـوِّقـين إليـه؛
لأنَّ الرملَ الجَّـشِـعَ في الصَّـحراء المقـفرة،
يفـترسُـنا، والشّمسَ في الأعـالي
تمتـصّ ُدماءنـا؛ وتـلاً يطـوَّقـنـا
ويحـوَّلنـا إلى مُـستـنـقَع! يا أخـانا
خُـذِ الإخـوةَ مـن السَّـهل،
خُـذِ الإخـوةَ مـن الجبـال،
معـك، إلـى أبيـك معـك!

تعـالوا كـلّـكمْ!
ويمتلئ الآن
جلالاً أكثـرَ؛ عشيرة بأكمـلها،
تحمل الأمـيرَ عَـلِـيّـا،
وفي تـدفّـقِ مسـيرته الظافـرة،
يُـعـطي البلدانَ أسمـاءَها، والمـدن ُ
تُصـبِـحُ تحت موطئ قدمـه.
ومن دون تـوقّـفٍ يزأر مندفعـاً،
تـاركاً قِـممَ الأبـراج المتـوهِّـجة،
البيـوتَ المَـرمـريّـةَ، وإنتاجـَه
الوَفـْرَ، وراءه بعـيداً.

يحمل الأطـلسُ بيوتَ خشبِ الأرز
على أكتافـه الضّـخمـة؛
وآلافِ البيـارق الخـفـّاقـة المُـرَفـرفـة
عَـبْـرَ النّـسائـم فـوقَ رأسِـه
إشـاراتُ عَـظَـمَـتِـه.

وكذا يحمل إخـوتَـه،
كـنوزَه، أطـفـالَه،
هـاتفـاً بابتـهاج، إلـى قلب
خـالقـه الذي ينتـظـره

محمد الزغير
كاتب يمني

إلى الأعلى