الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / واقع تأصل الحياة وتناقضاتها في “جبرين وشاء الهوى” لسعيد السيابي

واقع تأصل الحياة وتناقضاتها في “جبرين وشاء الهوى” لسعيد السيابي

رؤية ـ تهاني بنت سعيد البطرانية :
تأتي رواية “جبرين وشاء الهوى” للدكتور سعيد بن محمد السيابي لتشكل حضورا إنسانيا عميقا حيث تأهيل هوية البيئة الاجتماعية ومفرداتها المتنوعة، والقارئ لهذه الرواية يحاول أن ينطلق من خلال ما قدمه الدكتور أحمد عبدالملك الذي أشار إلى أن للأماكن في الأعمال الابداعية حضورا ناطقا لا تستطيع آلاف الكلمات وصفه، ويشير الدكتور أحمد أن الرواية حفلت بالعديد من مشاهد الأماكن، و فيها تتلاقى التضادات، وتكبر الحكايا، و حولها تولد حياة، و تنتهي حياة، و تتلون الوجوه، وتكثر الأشباح، وتلعب الصدف دورها في تخليق الحكايا، ودمجها بالماورائيات وقصص الجن والأساطير، ذلك أن القصر في تاريخه الحقيقي يحوي قصص ومشاهد الغرام وموائد الحب، و ثنائيات الرحمة و الحنان وايضا القسوة والعنف.
ودوما عندما يهجر القصر يتحول مع الأيام إلى حصن!
عندما نود التعرض لهذه الرواية والتجول بين ثنايا تفاصيلها وننطلق من حيث الفكرة سندرك حقا أن الفكرة التي انبت عليها، هو عالم سردي صنعه الكاتب ، حيث انطلاقة سفينته للبحار في غواية المكان ورسم الخيال المثقل بالحمولة التي امتزجت بين التاريخية والواقع الذي عاشه حصن جبرين باعتباره المحور الرئيسي في الرواية.
أما فيما يخص الشخوص والامكنة و التفاعل بينها، ففي الرواية شخصيتان من اقصى مكانين عرفتها الإمبراطورية العمانية وهي جزيرة زنجبار؛ وهنا يحكي الدكتور “السيابي” عن الحارس العماني الأصل الذي تعلق بوظيفته كحارس ومرشد سياحي وحضوره الواعي المباشر بالمكان، والذي امتلك الكثير من القيم الانسانية والصلابة التي تبرز في صفحات هذا الكتاب، حيث نادى الكاتب في الرواية بالحب الصادق المتأصل والاخلاق، فكانت رسالته الثبات والشغف بالمكان و زواره.
أما الشخصية الثانية هي زائرة للحصن تلك التي جاءت في زيارة خاطفة فتتعلق بالحارس الشهم الأصيل و تبدأ قصة الحب الصادق من هنا.
ومن خلال الرموز التي اشار إليها في صفحاته كهيبة المكان وهويته المنبثقة من قساوة الحياة التي عاشتها أسرة مالكة القصر تلتّبس بالكثير من العلاقات المندثرة والمهترئة وغيرها القوية المشدودة على مصراعيها، وهنا نجد أن الكاتب يحاور القارئ بشيء من الانتصار على الذات والصمود في الرياح العاتية كما شخصها في حارس القصر والسائحة، كان يحادث في اغلب صفحاته النفس والحواس التي تتجاذبها عواصف الحياة من شرقها و غربها، ومحاولة لإيجاد الحل الوسط لإراحة عواطف الشخوص المذكورة.

رسائل تاريخية
المتمعن في تفاصيل الرواية يرى أن ثمة رسائل تاريخية مباشرة وغير مباشرة ذكرها الدكتور سعيد السيابي في روايته ابتداء من اجواء الحصن و محيطه الآسر والرموز التاريخية والبعد الجغرافي، حيث ذكر الكاتب الكثير من جماليات القصر البارزة خارجه و داخله من بساتين النخيل وموقعه الاستراتيجي والجبال التي تسوره بطبيعتها الخلابة، و ذكر ايضا مساحته الداخلية الواسعة والممرات الضيقة والزخارف التي زينت بنقوش اسلامية معظمها آيات قرآنية واخرى أشعار قيلت في الحصن وبانيه أسقف القصر وابوابه و ذكر ان هندسة حصن جبرين شيء فريد جدا، وهنا ينقل لنا خصوصية الحياة التي كانت حاضرة في ذلك الوقت وأهمية ما يقوم به الإنسان العماني من تواصل مع ثقافته وتاريخه الإنساني.

مفردات متكررة
من خلال القراءة المتواصلة في تفاصيل الرواية يجد القارئ أن ثمة مفردات اتكأ عليها الكاتب وظهرت بصور شتى، ويبدو أن الدكتور تعمّد تكرارها لإثبات مكانة القصر وقصته، منها: الحصن، الحلم، الحب، نحس، القصر، الحارس، كل هذه الكلمات المتكررة في صفحات الرواية تشير إلى الحدث الاكبر فيها وهو قصة الاسرة التي تنتمي إلى هذا القصر والشخصية التي ناضلت كل متناقضات الحياة من حزن وفرح، استبشار وفقد، سجن وافراج، وساهمت في تشكل الوحدة التي يسردها الكاتب و يحاول ان يسرق القارئ من خلالها، ثم انها ايضا هواجس تحدث النفس من خلالها.

غلاف الكتاب
ومن خلال غلاف الكتاب سيجد أن هناك رسالة مباشرة أوجدها الدكتور سعيد السيابي وهي جزء فريد من حصن جبرين يتمثل في صورة (سقف) الحصن، وهنا ندرك أن تفاصيل الرواية كانت تحت غطاء ثقافي وتاريخي أيضا ألا وهو السقف الذي يمثل حضور البيئة العمانية وتنوّعها.

تسلسل الأحداث
تبدأ أحداث الرواية التحدث عن الحارس الشهم، الصلب، ذي البشرة السمراء الذي فتن بالسائحة التي زارت الحصن لفترة وجيزة، حيث طلبت ان يكون هو مرشدها و خصته هو عن غيره من الحراس، ذلك اثار الدهشة في نفس الحارس و كثيرا من الشكوك حول الامر، كان حديث النفس يتغلب على حارس القصر في احيان كثيرة و ذلك ما يجعله مختلفا عن أقرانه الذين لا يكترثون للأشياء حولهم، وتستمر أحداث الرواية حيث تتناوب بين شوق و انتظار و حب كاد ان ينفجر في لحظه و بين حزن الفقد و المواساة و صمود نحو متغيرات الحياة التي تطرأ فجأة من موت و مرض و لحظات جنون. و اللقاء المنتظر الذي صبر لأجله الحارس و السائحة الفاتنة.
في (جبرين .. وشاء الهوى) وكما قال الدكتور أحمد عبدالملك: يتركنا المبدع الدكتور سعيد بن محمد السيابي بين شك الملاك الشبح (المرأة الأربعينية)، و يقين الحارس الأسمر، في لغة بسيطة قافزة، تحمل رائحة التراث و التأسي على الماضي، كما تحمل دلالات الأسطورة، حيث يتحول حارس الحصن (القصر) ذاته، بكل ما فيه من سوداوية و قسوة و قهر.

إلى الأعلى