الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المثقف العربي بين واجبات رسالته وحقوقه حيال مجتمعه

المثقف العربي بين واجبات رسالته وحقوقه حيال مجتمعه

تهميشه عطل دوره وهموم المنطقة أضاعت أحلامه

أحمد عبد المعطى حجازي: الشعور بالمسئولية للأديب والمبدع يكون عبر منحه حقوقه ليعطي واجباته
فاروق شوشة: يعارض المثقف العربي فيهمش في بعض البلدان العربية، بينما يصبح له دور في الدول الأجنبية
محمد إبراهيم أبو سنة: معظم الأدباء أصابهم إحباط فقبعوا بعيدا في محنة وورطة حقيقية وسط أزمات بلادهم
القاهرة ـ من حسام محمود:
يرى كبار الأدباء ضرورة تنقية المجتمعات العربية من الأهواء الفكرية الدخيلة من الخارج والتصدي لموجات طمس الهوية الثقافية بالمنطقة ووضع المبدعين في مكانهم الصحيح في مقدمة المجتمع وذلك من أجل صياغة أطر صحيحة في التفكير العام والحكم السديد على القضايا والمشكلات والتوصل إلى حلول بفكر المبدعين تتسم بالتفاعل القويم بين عناصر الثقافة والمجتمع. كما أنه من المهم إيجاد شفافية في العلاقة بين المثقفين وطبقات المجتمع كافة من خلال التزام كل طرف بواجباته حيال الآخرين فالأدباء لديهم رسالة تنوير خلاقة لتحفيز عقول العامة وصياغة فكر حضاري يقود نحو الرقى بالثقافة المجتمعية ومن ثم الصعود بالفنون والعلوم كطريق للتطور المنشود. بينما يجب على المجتمع إعلاء قيمة الثقافة والأدباء وتقدير دور المبدعين عن طريق استماع المسئولين لآراء رواد الثقافة في القضايا المعاصرة وتنفيذها ووضع قيمة الأدب العربي من خلال كوادره في قمة هرم المسئولية حتى يتسنى التصدي بفكرهم السليم للمشكلات التي تعترض طريق الشعوب العربية.

رسالة فلسفية
حول المسئوليات المتبادلة بين المثقفين والمجتمعات في هذا العصر يقول الأديب أحمد عبدالمعطى حجازي إن كل عناصر المجتمعات العربية مسئولة عما يلم بشعوب المنطقة من مشكلات ومظالم وجرائم. ولعل الرسالات السماوية حثت على إيقاظ الضمائر كما أن الفلسفات والقوانين تقود نحو إحقاق الحق وتفعيل الواجب بين كل إنسان ومجتمعه. وتعانى أغلب المجتمعات حاليا من جدال حول تحديد المسئولية عن كل فعل وتتحدث القوانين كثيرا عن حق المجتمع وواجبه، حيث تعتبر الجماعة شخصية اعتبارية لا تختلف عن الفرد في الحقوق والواجبات. وبالتالي يجب تحديد مسئوليتها المباشرة أو غير المباشرة عن القضايا والمشكلات. والفاعلون للأحداث بأيديهم ربما كانوا قليلين لكن الكثيرين يشاركونهم بما لهم من معرفة وما لهم من ضمير يجب أن يدفعهم لفعل الخير ومقاومة الشر. فإذا كانت الدول الحديثة تنوب عن المواطنين فيما يتصل بالصالح العام لكن جميع قوانين العالم اعترفت بحق المواطنين في إعلان رأيهم والمشاركة بالكتابة والخطابة وعندئذ يبرز دور المثقفين والمبدعين من الأدباء في هذه الحقول والمحافل الإعلامية للتنوير وتلك أيضا مسئولية متبادلة بين المثقفين والمواطنين العامة للدفاع عن حقوق مجتمعاتهم. ويعتبر المثقفون أجدر الناس في أي مجتمع للتعبير عن قضاياه وهمومه من خلال الشعور بالمسئولية نحو الشعوب بشيء من التوضيح والتخصيص فالشعور بالمسئولية للأديب والمبدع لا يكون إلا بتربية وطنية وثقافة إنسانية يعرفها عبر منحه حقوقه ليعطي واجباته. ومن هنا تختلف مسئولية المتعلم عن الجاهل ومسئولية المثقف صاحب الرأي عن أي شخص من العوام. فالمبدع في الأدب يتحدث باسم العامة عن همومهم ويصل به الأمر إلى التعبير باسم ضحايا الحروب والصراعات فمسئولية المثقف مسئولية مضاعفة لأن المثقف قادر على التمييز بين الصواب والخطأ برؤية ثاقبة كما يعلن رأيه ويذيعه ويجد له القبول عند من يثق فيه ومن هنا أصبح المثقف مسئولا عن نفسه وعن شعبه وأمته.

أزمة ثقافية
ومن جانبه يشير الأديب والشاعر فاروق شوشة إلى أن أزمة الثقافة الحالية بالمنطقة العربية امتدت منذ عقود طويلة حين أصبح المثقفون طائفتين، الأولى تابعون يشترون بالمناصب والمكافآت والجوائز وطائفة أخرى تفتقد الوجود في قمة هرم المجتمع وحياة النخبة. وهو الأمر الذي أحدث شرخا بين المثقفين في كثير من البلدان العربية للدرجة التي دفعت البعض للهجرة للخارج والبقاء في دول أجنبية لعدم القدرة على التعايش وسط المجتمع المعاصر. وهناك من يئسوا من الثقافة بعدما انحدرت قيمتها المالية ووضعوا القلم بعيدا عنهم لينخرطوا في مهن أخرى ولم يعد لهم علاقة بالثقافة أو الكتابة واعتزلوهما بعد أن كان دورهم مهمشا جدا لزمن طويل وسط زخم بناء الدول عن طريق السياسيين ورجال الأعمال وتقدير المشاهير. والحقيقة أن المثقفين بطبيعتهم نرجسيون ويقيسون حجمهم بالمناصب التي يحصلون عليها. ويؤكد شوشة أن المثقف العربي حين يعارض غالبا يتم تهميشه في بعض البلدان العربية والنامية ويتحول حينئذ إلى مطارد بينما في الدول الأجنبية حين يعارض يصبح له دور في المجتمع ووراءه مثقفين وأدباء يدافعون عنه وأحيانا في الغرب يكون للأديب حزبا وجريدة وجمهور كبير مما خلق فجوة كبرى حيال وضعه في المجتمعات العربية ووضعه في الغرب.

أبراج عاجية
أما الشاعر والأديب محمد إبراهيم أبو سنة فيقول: الشاعر يسعى دائما إلى الغوص وراء المعاني والأفكار لحل المشكلات ولهذا كان الشعر متعدد الأبعاد والزوايا حيال معالجته للقضايا. ويجب على الحكومات العربية في تلك المرحلة الفارقة من تاريخ الأمة الاتجاه نحو تنشيط حركة الإبداع لأنه عصب العلاج للهموم بإثراء الثقافة ولابد من العودة إلى تقدير المثقفين والمبدعين حتى لا تصاب المجتمعات بتهوين القضايا والاندثار وينفجر العنف نتيجة لانتشار الجهل والتعصب. ولعل من المفارقات أن بعض الأدباء والمثقفين يفضلون سكن الأبراج العاجية رغم أن الزمن اختلف فيدورون حول المجتمعات بآلاف الأفكار والأحلام المختزنة لكنهم بعيدون في الحقيقة عن مواجهة الواقع بما فيه من صراعات مؤلمة. وبعض المثقفين اختاروا التقوقع داخل ذاتهم مما أسكنهم أبراجا عاجية حيث يسرفون في صياغات صعبة للغة وثقيلة على الفهم ومن ثم يفقدون حلقات التواصل مع قضايا الشعوب. ولعل الزمن تغير والعرب يمرون بمجتمعاتهم في مراحل حرجة جدا تقع فيها أحداث جسام والتغير القائم يحدث في كل مجالات المعرفة والحياة لكن المبدع العربي لا يزال يفتقد غالبا الدعم الواجب من مجتمعه حتى أن معظم الأدباء أصابهم الإحباط لما يرونه في الواقع الذي يحكمه العنف وبالتالي يقبع المثقفون بعيدا في محنة وورطة حقيقية وسط أزمات بلادهم. فحين يبدع الأديب حاليا قصيدة أو رواية وحتى لو كتاب أو قصة لا يكاد إبداعه يرى النور بينما تحاصره المحن الشداد التي تشمل مشكلاته الذاتية وهموم أمته ووطنه وأحيانا لا يجد من يهتم بجواهر كتاباته في مجتمعه الذي يلفظه بقوة حتى لو كان إنتاجه عالي الإبداع فيذهب سدى في ظل ما أصاب غالبية المجتمعات بالمنطقة من أزمات تعتصرها وتشل تفكيرها ليسيطر على المواطنين العامة اللهث وراء الماديات ومحاولات النجاة بأنفسهم من المشكلات التي تحاصرهم.

إلى الأعلى