الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأسرة العُمانيّة التي حكمت جزر القمر

الأسرة العُمانيّة التي حكمت جزر القمر

تُعدّ التجارة البحريّة من أقدم أوجه النشاط الاقتصادي التي مارسها الإنسان العُماني منذ قديم الزمان؛ بسبب موقع عُمان الاستراتيجي واطلالتها على سواحل ممتدة؛ الأمر الذي أدّى إلى نمو علاقاتها التجارية مع المراكز والمحطات التجارية في الخليج العربي والمحيط الهندي شرقاً وغرباً.
وتعود صلات العُمانيين باقليم شرق إفريقيا إلى القرن الأول الميلادي وربما قبل ذلك كما تذكر لنا المصادر.
وقد أدّت هذه الصلات التجارية وفقاً لمواسم التجارة المرتبطة بمواقيت الرياح الموسمية إلى استقرار بعض العُمانيين في مدن وجزر ساحل شرق افريقيا مثل زنجبار ومدغشقر وموريشيوس وجزر القمر1 وغيرها.
إلا أنّ المُتتبع للعلاقات العُمانيّة القمرية بشكل خاص يجد من الصعوبة بمكان تحديد فترة بعينها لنشأة تلك العلاقة؛ نظراً لغياب الشواهد والوثائق التي تُشير إلى ذلك؛ بيد أنّ المصادر التاريخية تُؤكد على أنّ أغلب المهاجرين العرب إلى جزر القمر هم من العُمانيين والحضارمة؛ إلا أنّهم تركوا الانتماء إلى القبائل العربية رفضاً للمفاخرة التي تُفضي إلى التعصب والتشعب ولأجل ذلك ينسبون إلى مكان اقامتهم فيقال لهم “القمري”،وهذا الاتحاد قد لم شعثهم وألف بين قلوبهم كما يذكر ذلك المغيري في جهينته.
وفي هذا الصدد يُشير المغيري كذلك إلى أنّ العُمانيين منذ قديم الزمان كان لهم ممتلكات في جزر القمر من قبل نزول أئمة اليعاربة في إفريقيا الشرقية، وكانت هناك علاقة تجارية نشطة قائمة بين العُمانيين وتحديداً أهل صور2 وجزر القمر.
على سبيل المثال يذكر البحّار الإنجليزي William Jones أنّه التقى بمجموعة من تجار مسقط في جزر القمر في نهاية القرن الثامن عشر، كما أنّ الفرنسيين خلال منتصف القرن التاسع عشر أثناء احتلالهم لجزيرة “مايوت”Mayotte – احدى جزر القمر-عام 1841م وجدوا أنّ التجار العُمانيين يستقرون في المنطقة ويمتلكون عددا من مزارع قصب السكر والفانيليا والبن، وينقلون بضائعهم على متن سفنهم الخاصة رافعين العلم العُماني.
على أنّ الصلات السياسية بين الجانبين بحسب المصادر المتوفرة تعود إلى أسرة اليعاربة عندما أقام الإمام سيف بن سلطان اليعربي (1692-1711م) تحالفاً مع سلطان جزر القمر بعد طرد البرتغاليين من ساحل شرق إفريقيا.
وفي هذا السياق تذكر بعض المصادر أنّ أسرة عُمانية من قبيلة المناذرة كانت ذات ثروة وسمعة لدى السكان المحليين وقد تزوج أحد افراد هذه العائلة ويُدعى صالح بن محمد بن بشير المنذري بإبنة سلطان مايوت القمرية، وبعد وفاة هذا السلطان تقلد صالح المنذري مقاليد الحكم في الجزيرة عام 1750م خلفاً لصهره.
وفي خضمّ التنافس العُماني الفرنسي على جزر القمر لا سيما بعد أن أضحت زنجبار مركزاً سياسياً وحضارياً للدولة البوسعيدية في إفريقيا الشرقية منذ عام 1832م؛ أصبح الأرخبيل محط أنظار القوتين المتنافستين، وبعد أن تولى الحكم في موهيلي Moheli– احدى جزر القمر- رامانيتكا Ramanetaka3عام 1832م أعلن ولاءه وتبعيته لزنجبار على الرغم من عدم رضا الفرنسيين عن هذا التقارب.
كما تذكر لنا المصادر كذلك أنّ سعيد بن محمد البوسعيدي 4 المُلقب بـ مكدارا أو مقدارا M’kadara5 نجح في الزواج عام 1852م من جومبيه فاطمة التي خلفت والدها رامانيتكا في الحكم؛ ونتيجة لهذا الزواج أصبح سعيد بن محمد بمثابة الحاكم الحقيقي في موهيلي شرع في تطوير النشاطات التجارية بالجزيرة، كما أدّى هذا الزواج إلى تقوية نفوذ العرب وتعاظم نفوذ زنجبار في موهيلي؛ الأمر الذي نتج عنه زيادة حدة الصراع السياسي بين زنجبار وفرنسا خاصةً بعد أن سيطرت على جزيرة مايوت القمرية 6.
لذلك سعت فرنسا إلى ابعاد الأمير البوسعيدي زوج السلطانة الذي أصبح حجر عثرة في طريق المخططات الفرنسية الرامية إلى فرض نفوذها وسيطرتها على الأرخبيل؛ ولعل مساندة سعيد بن محمد البوسعيدي للسيّد ماجد في صراعه مع أخيه السيّد ثويني على الحكم بعد وفاة السيد سعيد بن سلطان عام 1856م اعتُبر سبباً رئيسياً في عزله واستبعاده من موهيلي، ومن ثم اجباره على تطليق زوجته جومبيه فاطمة وبالتالي الخلاص من نفوذ زنجبار على موهيلي.
ونتيجة لذلك تنازلت السلطانة عن العرش لإبنها الأكبر من زوجها العُماني محمد الذي حكم خلال الفترة 1867-1871م، وتمّ رفع علم سلطنة زنجبارعلى الجزيرة؛ إلا أنّ صغر سن السلطان الجديد، وعدم مقدرته على تسيير العمل السياسي تسبب في تزايد النفوذ الفرنسي في مملكته، وتمّ اقناعه بضرورة استقلال موهيلي عن سلطنة زنجبار.
وفي عام 1878م بعد وفاة جومبيه فاطمة انتقل الحكم إلى الابن الثاني عبدالرحمن بن سعيد،وقد كان السلطان عبدالرحمن يبغض بشدة السيطرة الفرنسية على الجزيرة مما أدّى إلى تدبير فتنة انتهت بمقتله عام 1885م، وبعد عام واحد خضعت موهيلي رسمياً للحماية الفرنسية.
أما الابن الثالث محمود بن سعيد فقد حكم خلال الفترة 1888-1898م ونفاه الفرنسيون إلى جزيرة “رينيون” التي توفي بها7، وبذلك انتهى النفوذ العُماني في جزر القمر لا سيما خلال النصف الثاني من القرن 19 الذي شهد حدة احتدام التنافس السياسي والاقتصادي بين عُمان وفرنسا للسيطرة على مناطق اقليم شرق إفريقيا.
ولسبر أغوار العلاقات التاريخية والحضارية بين عُمان وشرق افريقيا بشكل عام والعلاقات العُمانية القمرية على وجه الخصوص هناك كثير من الأسئلة التي ما زالت تحتاج إلى اجابات شافية، وما من شكّ أنّها تحتاج إلى مزيد من التقصي والبحث المعمّق من خلال الغوص في الوثائق العربية والفرنسية وكذلك الزيارات الميدانية ورصد التاريخ الشفهي؛ للخروج بمادة علمية تُسهم في اماطة اللثام عن جوانب مهمة من التاريخ العُماني خاصةً فيما يتصل بالعلاقات التجارية بين عُمان وجزر القمر وما ترتب عليها من جوانب حضارية متبادلة سياسية وثقافية واجتماعية.
المراجع:
* كرهيلا، حامد. العلاقات التاريخية بين الدولة البوسعيدية وجزر القمر(1806-1964).بيبلوس كونسالتينغ للطباعة والنشر والتوزيع، موسكو: 2007.
* كرهيلا،، حامد. صراع الحب والسلطة السلطانة جومبيه فاطمة.
دار الفرقد للطباعة والنشر، دمشق:2012.
* المحروقي، محمد. مقال بعنوان “جومبيه فاطمة والصراع العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمرية “، القدس العربي، أغسطس 2011.
* المغيري، سعيد بن علي. جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار.
تحقيق محمد علي الصليبي وزارة التراث القومي والثقافة مسقط:2001.
هوامش:
1 هناك روايات متعددة حول من أطلق اسم جزر القمر على الأرخبيل إحداها تقول إنّ العرب هم من سموها بهذا الاسم وان كانت هذه الرواية تحتاج إلى تثبت، أما بالنسبة لنطق الاسم فهناك رأي يسير إلى أنّ النطق الصحيح هو “القُمر” بضم القاف وسكون الميم أو “القُمُر” بضم القاف والميم نسبة إلى طير “قُمر”، وهناك رأي بأنها تنطق بفتح القاف والميم نسبة إلى القمر وهي التسمية الرسمية للأرخبيل، والتسمية الغربية لها هي “كومور” Comores حيث يرى البعض أنّ هذه التسمية هي ترجمة حرفية للتسمية العربية.
2 يذكر حامد كرهيلا في كتابه “العلاقات التاريخية بين الدولة البوسعيدية وجزر القمر” نقلاً عن المغيري أنّ العرب المناذرة وبني هناءة والبروانة والغيلانين وبني ريام والحكمان واليحيائيين وغيرهم من قبائل عُمان نزولوا في جزر القمر، أما العرب الذين تزوجوا ونسلوا بجزر القمر فهم أهل صور حيث يشاهد أولادهم وذراريهم في انحاء الجزيرة كما سادت عناصر من سكان صور على الحياة الاقتصادية بتلك النواحي.
3 رامانيتكا أو رومنيتيكا ملغاشي الأصل حكم جزيرة “موهيلي” القمرية عام 1832م اعتنق الإسلام واصبح اسمه عبدالرحمن.
4 سعيد بن محمد بن ناصر البوسعيدي أحد أقارب ومستشاري السيد سعيد بن سلطان أوفده السيد سعيد عام 1836م للقيام بدور الوسيط في الصراع الدائر على السلطة في جزيرة موهيلي، توفي عام 1864م.
5 بخصوص لقب “مكدارا ” يشير د.محمد المحروقي في مقاله “جومبيه فاطمة والصراع العُماني الفرنسي على جزيرة موهيلي القمريَّة: صراع الحب والسلطة” الذي نشر في:القدس العربي ” وقد عرفت أن هناك منطقة بممباسا، يقطنها البلوش تسمّى ‘مكدارا’.وأصل تسميتها أن سكّانها نقلوا، لأسباب نجهلها، من مساكنهم إلى مواضع أخرى.
فكان الناس يسألونهم: لماذا نُقلوا؟ فيقولون: ‘قدّر الله وما شاء فعل’.ويقولون أيضاً: مقادير. وبمرور الزمن سمّيت المنطقة ‘مقدارا’ أو ‘مكدارا’ بالنطق السواحلي.
وربما سكن سعيد هذا بهذا المكان، فـُنسب إليه على عادة الثقافة السواحليّة” إلا أنّ المصادر لا تذكر لنا أنّه سكن في ممباسا ومن خلال بحثي عن معنى هذه الكلمة في اللغة السواحيلة تمّت افادتي بأنها تدور حول المقادير أو الأقدار أو المقدرة وبشكل عام الألقاب في شرق افريقيا عادة مألوفة.
6 لمزيد من التفاصيل انظر كرهيلا كتاب: صراع الحب والسلطة السلطانة جومبيه فاطمة.
7 بالنسبة لاحفاد سعيد بن محمد البوسعيدي ذكر د.محمد المحروقي أنّه زار جزر القمر في صيف 2010م والتقى بحفيدين من نسل هذا الأمير، كما اطّلع على الوثائق الفرنسيّة والعربيّة التي تثبت أصولهم العُمانيّة.

د.سليمان المحذوري
باحث في تاريخ وحضارة شرق إفريقيا

إلى الأعلى