الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (220) : تحية

نافذة لغوية (220) : تحية

تتبدل دلالة بعض الكلمات ثم تشيع بين الناس على غير الصورة التي عرفت بها في الأصل ، وقد تلزم حالة معينة من التخصيص والحصر ، تصبح معها نابية في الاستعمال، غير مقبولة في المجتمع ، بل ربما كان توجيهها مدعاة إلى الخصام والمنازعة أحياناً ، من ذلك مثلا لفظة ( الحيوان ) التي قد يذهب الظن ببعض الناس إلى أنها بمعنى الدَّابَّة ، وما هي كذلك ، إنما الحيوان في اللغة هو تلك الحركات الجيّاشة كالفَيَضَان والغَلَيَان والثَّوَرَان والجَيَشَان نفسه ، وعلى هذه الصورة جاءت دلالة الكلمة في التنزيل حيث قال تعالى : “وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ “. فالحيوان على ذلك يعني حركيّة الحياة ، أو حيويّتها المناقضة للسكينة والجمود . وفي اللغة على جهة التعميم والإطلاق الحيوان : اسم يطلق على كل شيء حي . وكل ذي روح حيوان ، الجمع والواحد فيه سواء .
ومما أخذ من هذه المادة اللغوية وتغيرت دلالته قولهم :
أحيا الليل أو الليلة ، فإحياء الليل : السهر فيه بالعبادة وترك النوم ، ومرجع الصفة إلى صاحب الليل ، ووجه تغير الدلالة هنا قول المحدثين على التشبيه البعيد طبعا : تقام على مسرح كذا حفلة ساهرة تحييها الفنانة فلانة … وسواء أكان فنها الغناء أم الرقص أم اللعب على آلة موسيقية فقد أطلقوا عليها صفة الإحياء لما يلازم الحالة من ترك النوم ومن الحركة والتنبه والمشاركة أي الحيوان والميلان والميسان والدوران ، وبهذا تختلف عن الحارس الذي يمضي ليله من غير نوم ، وإلا لقلنا عليه يحيي ليلة حارسة ، أي محروسا فيها !!!!!!
وقال بعض اللغويين إن التحية المشتقة من هذه المادة هي من استقبال المحيا وهو الوجه ، كالمصافحة والتصافح من صفحة راحة اليد ، ولكن المرجح أن التحية من الحياة ، أي البقاء ، وحياك الله : أي أبقاك .
وقال بعضهم : إن معنى ( التحيات لله ) أي البقاء ، وعلى ذلك لا تكون التحية من المحيا ( أي الوجه ) بل ربما كانت التحية من ( الحيا ) أي الغيث والمطر ؛ لأن به سبب الحياة ، ومن هنا شاع دعاء السقيا في كلام العرب منذ القديم حتى خصوا به القبور والأطلال قال عنترة :
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْد أُمِّ الَهيَثْمِ
أي سقيت الحيا . واشتقاق الحية في هذه المادة اللغوية من الحياة ؛ لأنها تحيا ، أي تعمر طويلا ، وللعرب أمثال كثيرة في الحية ، من ذلك قولهم : هو أبصر من حية لحدة بصرها ، ويقولون : هو أظلم من حية ؛ لأنها تأتي جحر الضب فتأكل حِسْلَها وتسكن جحرها . ويقال : رأسه رأس حية إذا كان متوقدا شهما عاقلا ، ومن ذلك في شعر طرفة بن العبد قوله :
أَنا الرجلُ الضَّرْبُ، الذي تَعْرِفُونَهُ خَشاشٌ كرأْسِ الـحَيَّةِ الـمُتَوَقِّدِ
أي ماض نافذ في شجاعة وشهامة . ولا يخفى أن مادة ( خش ) بمعنى دخل فصيحة الأصل في العربية كما يفهم من البيت .

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية المشارك مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى