الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فلقة موسى

فلقة موسى

أمضينا النصف الأول من ذلك النهار نسير عبر سهل أجرد أتت الشمس على الأخضـر واليابس فيه.. لا يؤنس رتابته القاحلة غير وديان جافة، وجذوع أشجار سمر تبدو للعيان وكأنها أجساد بشـر صلبت منذ الأزل.. تكلّسَ اللحم عليها وغدت بمرور الزمن وعصف الريح كأنها تماثيل نُحتت من أقسى حجر.
في مسيرنا نحو الشمال، أخذت الصحراء تكشف لنا بعض مظاهر الحياة فيها: أسراب من طيور الـ”حجل”، وأسراب أخرى من طيور الصفرد البرية تطلق صيحات حادة، وسحالٍ تنبثق من الأرض السبخة فجأة قبل أن تدوسها الجمال وأخرى تُخرج رؤوسها من جحورها وسرعان ما تعود للاختباء، ومثلها تنطلق الأرانب من أجمة لتختفي في أخرى بسـرعة لا تجاريها العين.. لاسيما أن شعرها يتموه بألوان المكان الذي تعيش فيه، وكانت الخنافس تظهر وهي تمشي إلى الوراء.. تدحرج بأرجلها الخلفية ما تجمعه من روث الحيوانات.
وتزداد وتيرة ظهورها وعددها كلما اقتربنا من الوديان الخضـراء.. جميلة المنظر رشيقة الحركة وسريعة إلى درجة أن المرء يخالها سرابا كانت تركض، وتقف، وتستدير، وتتجمد كالحجر وهي ترفع آذانها.. تنصت إلى الأصوات الغريبة باستغراب وتنظر إلى مصدرها باندهاش قبل أن تعاود القفز مبتعدة عن طريق القافلة، ورأينا، بعد أن أطلقت الصحراء العنان لصهيدها، قطيعا استظل تحت شجرة سدر فارقتها حيوية الحياة.. بحاجة أكثر من غيرها إلى ظل تستجير به من وهج الشمس، فرمت أغصانها اليابسة كيفما شاءت لها الريح.
***
عندما وصلنا إلى وادي صاما، وقد اشتد شواظ النهار، وكانت الأرض تئن تحت وطأة لهيب الشمس التي احتلت كبد السماء، قرر والدي التوقف للراحة وتناول ما تيسـر من طعام؛ فأناخ المكاري وصبيه الجمال، وجلست أمي والبنات تحت شجرة غاف أخرى متوسطة الارتفاع، وسـرح صبي القافلة ببعض الجمال في مكان لا يبعد كثيرا.. تكثر فيه أجمات شجر سمر شائِكَةٌ لم يبق على أغصانها من الورق شيء، وعلى الرغم من جفافها وكثرة أشواكها لا تجد الجمال في مضغها عسرا، وأخذتُ غدير إلى سفح تلة صخرية احتفظت بعض تصدعات صخورها بعشب يابس!
ذهب المكاري لجمع حطب لإشعال النار، وجمع والدي عددا من الأحجار متساوية الحجم لصنع موقد للطبخ تحت ظل الشجرة الشحيح، واعتنت أمي بإخراج المؤنة من خروج‹1› المواد الغذائية. وكان من عادة البدو أن يتجنبوا إرهاق نسائهم بطبخ الطعام أثناء السفر.. نظرا لما يصيبهن من دوار وهن يتأرجحن مع مشية الجمال المتمايلة من جنب إلى آخر.

لم يمض من الوقت كثير حتى عبق الهواء برائحة البن المخاوي‹2›، الذي كان والدي يحمصه على صاج فولاذ خاص، ثم ارتفع صليل الهَاوُنِ النحاسي الذي تدق فيه حُبُوبُ البن المحمص، وسرعان ما انتشرت في المكان رائحة القهوة الطازجة المصنوعة في دلة فخار لها غطاء من ألياف النخيل.
بعـد أن فرغنا من تناول الغداء قيَّلنا، ولما بلغ ظل الغافة مثل طولها أعدنا ما أنزلناه من أمتعة إلى ظهور الجمال، وقادتنا ذلول أبي باتجاه نهاية سلسلة جبال الحجر الشرقي.
***
قبل أن ندخل شواهق “فلقة موسى”‹3›، هبت ريح من الشمال مبللة بندى البحر، وظهرت في الأفق سحب متفرقة لا تشي بمطر بقدر ما تشير إلى طبيعة المكان.
بلغنا فتحة الفلقة قُبيل غروب الشمس، واستدعى السير في هذا الجزء من الطريق الحرص والحذر بسبب صخورها الملساء التي يصعب على الجمال السير عليها بأخفها المطاطية المناسبة للسير على الرمال، ففصلت الجمال عن بعضها البعض، حيث نزل أبي عن مطيته وقاد ناقة أمي، وقاد المكاري الناقة التي اعتلت ظهرها أختاي، وخلفهما سار صبي القافلة يقود بعيريّ العفش، وفي مؤخرة القافلة سرت أنا وغديَّر والحاشي الأشقر الذي خفت حركته وغدا أكثر هدوءا عمّا كان عليه صباح ذلك اليوم.
دون أن يطلب مني أحد، أخذت الحيطة والحذر كما فعلوا مع جمالهم: هبطتُ عن ظهر غديَّر وقدته من خطابه، وإن كان الأمر في حالة مطيتي لا يستدعي، فالحمير شديدة الحذر أثناء سيرها، فإن رأت ما يعترض طريقها ويصعب تجاوزه “تعتش”.. أي تقف في مكانها وترفض التحرك حتى يُزال ما يعيق سيرها.
حين التفت المكاري إلى الخلف ورآني أقود الحمار ضحك ثم علق بكلام لم أفهمه كله، فأثار تعليقه ضحك صبي القافلة! لم يرقْ لي تعليق المكاري (صاحب القافلة)، ولا ضحكة صبيه، فشـتمـتهما الأول بصوت خفيض، ولعنت الثاني بنبرة عالية عندما التفت إليّ وعلى وجهه بقايا ضحكته.
وسرعان ما أعلن البحر عن نفسه، فقد تغير اتجاه الهواء وجاءت ريح الشمال مبللة برطوبة البحر ورائحة أبخرته، وظهرت في الأفق سحب متفرقة لا تشي بمطر بقدر ما تشير إلى طبيعة المكان.
بعد سـير بطيء.. مثقل بالترقب والحذر وقد مضى من الليل ربعه أو أكثر، قطعنا نصف امتداد الجبل إلى البحر تقريبا حسب رد المكاري على سؤالي، وعند أرض منخفضة وسط الفلقة.. تغطيها طبقة “مسيلة”‹4› ناعمة الملمس، وجدنا في جانب منها بحيصة‹5› مليئة بالماء العذب؛ ففي هذا المكان لا ينضب الماء أبدا حتى في أشد أيام الصحراء جدبا.. يكفي أن تحفر بعمق ذراع ليندفع الماء ويفيض من غير جهد يذكر! ويقال إن جبل موسى يضم بحيرة كبيرة داخل كهف واسع لا أحد يجرؤ على الاقتراب من مدخله، ويقال أيضا “إن من يدخله لا يخرج منه!”.
أورد الرجال الجمال الماء فشـربتْ حتى ارتوت، ثم تركوا البحيصة للنساء بعد أن شربوا وتوضؤوا. وأوردتُ الحمار الماء بعد أن استوفى الجميع حاجتهم منه: شربتُ وسقيتُ غديّر وسكبت بعض الماء على جسدي وشيئا منه على رأس غديَّر ثم التحقت بهم لأداء الصلاة.
سـرنا وسارت بنا البعران باتجاه البحر ودلالته الغامضة بحذر شديد متوجسين من وعورة الطريق وظلمة الليل وأساطير فلقة موسى.. يصعد بنا الطريق ويهبط، ويختلط دعاء أمي بثرثرة المكاري وصبيه.
***
اجتزنا ممر فلقة موسى الموحشة بسلام. لم تكن وحشة الدرب تعزى إلى مخاطر الدرب وحسب، وإنما إلى الحكايات التي كانت تتناقلها الألسن من جيل إلى آخر عن الجن والسحرة والمُغيَّبين‹6›!
طوال مئات السنين نسج الناس قصصا كثيرة وحكايات عن فلقة “موسى” تقول إحداها: “إن شيخا من شيوخ عرب الجنوب الذين كانوا يقطنون الوديان الحدرية، هرب بأفراد قبيلته لإبعاد بناته عن ملك أجنبي غزا الصحراء واستباح أرضها وناسها وما يملكون!
يروى أن الملك الغازي كان يطلب كل ليلة خميس عذراء من بنات سكان الرمال.. يبقيها معه أسبوعا واحدا فقط، ثم يتركها ويدخل على واحدة غيرها ليلة الخميس التالية.. هذا غير حريمه وعشيقاته وسباياه!
وحين سمع الشيخ أن الملك ينوي طلب ابنته الصغرى، لم يجد حيلة غير الفرار في جنح الظلام مع أفراد أسرته والقريبين منه إلى مكان آمن بعيدا عن متناول يد الغازي حفاظا على شرف بناته وكرامة قبيلته.. الأمر الذي أغضب الملك غضبا شديدا، وأقسم أنه سيحول أفراد هذه الأسرة ومن معهم إلى عبيد: يخدم الرجال منهم أنفار جيشه، وسيبيح أجساد النساء لكل من يريد من أعوانه وجنده. وأرسل فرقة من خيرة فرسانه لتعقب الشيخ وأسرته، وطلب من قائد فرقة الفرسان إحضارهم أحياء أذلاء كي يركعوا تحت قدميه!
خرج الفرسان في أثر الشيخ وقومه، وأدركوهم فوق هضبة ذلك الجبل في مكان قريب من جرف مطل على البحر وحاصروهم، ولم يكن أمام الشيخ سوى خيارين إما القفز إلى البحر من فوق ذلك الجرف أو الاستسلام للفرسان ليفعل الملك بهم ما يشاء. توقف الشيخ واستدار إلى الخلف؛ حيث توقف الفرسان عن مطاردته ووقفوا في صف واحد بعد أن تأكد لهم أنه أصبح في قبضتهم؛ ورفع يديه ـ وفعل مثله قومه ـ لا مستسلمين وإنما متضـرعين لله سبحانه وتعالى أن يصون عرضهم ويحفظ نسلهم.
لا أحد يدري ماذا حل بالشيخ وأهله، لكن الفرسان عادوا بدونهم إلى مضارب ملكهم وقد أصاب بعضهم الجنون واختل صوابهم من هول ما رأوه. أما من عاد منهم سليم العقل فإن روايتهم لما حصل أذهلت الناس!
لما تناهى الخبر إلى علم الملك، أزبد وأرعد غضبا، ونادى قائد فرقة الفرسان التي تعقبت الشيخ وقبيلته بصوت هادر يطلب تفسيرا لما حدث. لم يكن بوسع ذلك القائد غير نقل ما رأى وحدث أمام عينيه. قال:”حالما رفع الشيخ يديه مادَ الجبل واهتزت الأرض ثم انفلقت الهضبة على طولها وحالت دون تقدم الفرسان، الذين أصابتهم الدهشة وأخذهم الخوف؛ فلم يحركوا ساكنا على الرغم من أن الشيخ وأهله كانوا في مرمى نبالهم وحرابهم، وأضاف: إن الشيخ ـ بعد أن اطمأن إلى أن أهله أصبحوا في مأمن ـ رفع صوته بالأذان وأقام الصلاة ركعتين شكرا لله سبحانه وتعالى ثم اختفى ومن عنده عن الأنظار!
تقول الرواية أيضا إن القوم نزلوا إلى بطن الفلقة وسكنوا كهوفا على أحد جوانبها، وستروا مداخلها بجدران من الحجارة، ثم اعتزلوا العالم حتى أتى وباء عليهم كافة ولم يسلم أحد منهم. وهذا يفسر وجود أحجار مستطيلة غُرستْ في الأرض على مسافات منتظمة على مصطبة مرتفعة يعتقد أنها شواهد قبور أولئك القوم.
وتذكر رواية أخرى إنهم، بعد أن عاشوا في عزلة وفقدوا صلتهم بالبشـر، أصبحوا يخشون الناس؛ فلا يخرجون من مغاراتهم نهارا. ويذكر بعض الحداة أنهم يشاهدون، أحيانا، نارا ودخانا يتصاعد أمام تلك الكهوف أو ينبعث من داخلها خلال مرورهم ليلا في “فلقة موسى”، وكانوا يسمعون أصواتا تتحدث بلغة غير مفهومة، ولكن لم يذكر أحد، ممن تحدثوا عن تلك المصادفات أو غيرها، أنه أصيب بشـر أو ضر!

وثمة نهاية مختلفة لتلك الحكاية تقول إن الشيخ وقومه اختفوا عن الأنظار بعد أن أقاموا الصلاة، أمام ذهول ودهشة الفرسان، ولا أحد يعرف ماذا آل إليه حالهم. أما ما يذكره السيّارة عن النيران والدخان والأصوات الغريبة، فتلك قصة أخرى لا تمت للأولى بصلة. فهؤلاء من سلالة مُغَيَّبين جلبهم السحرة إلى هذه المنطقة قبل عشـرات السنين، فتزاوجوا وتكاثروا وشـكلوا مجتمعا خاصا بهم، بعد أن نسيهم السحرة في هذا المكان النائي، وبمرور الزمن فقدوا صلتهم بالعالم خارج محيطهم!
***
كان القمر يغمر الفلقة بضيائه والطريق الممتد أمامنا، وكان الهواء القادم من الشمال رطبا وباردا، فأخذت الإبل في مشيتها تراقص الأرض على صوت وطيء أَخفافها على الحصباء. وقبل أن نخرج من الفلقة سمعنا صوتا حادا يتهادى من بعيد.. تَبيَّن فيما بعد أنه سائق قافلة قادمة من الجهة المعاكسة. بدا غناؤه خافتا، وما لبث أن ارتفع حين تجاوزنا ثَنِيَّة الجبل وانفتح أمامنا مصب وادي شياع على سعته:
طلبت ربي عـدّ ما ثـور
وعداد فرضي اللي بصليه
وعداد ما يبتسم النـور
وعداد كوس هب ذاريـه
يا الله بسحب من السماء يدور
على نفل تروي مغانيه
لين ينعم سيد الحور
يرتاح به اللي سكن فيه
دمعي مـن الأعيان منثور
كلما مسحتـه زاد جاريه

كان صوت الحادي شجيا.. أخاذا، وعلى إيقاع لحن غنائه المشحون بالحزن والحنين الكثيف والشوق للحبيبة، رددت الجبال صدى صوته، وتبعته في غنائه. وظل غديَّر يُشَـرِّع أذنيه نحو مصدر الصوت.. رافعا رأسه أكثر عن المعتاد. كانت الفلقة كلها تصغي إليه.. بأناسها، وجنها، ومغيبيها وبحيواناتها أيضا!
***
بعد رحلة امتدت طوال النهار، وقد قارب النصف الأول من الليل على الانسلاخ، قرر والدي التوقف للمبيت في شاطئ شياع الذي يتميز بنعومة رماله وبياضها ونظافتها الشديدة.

رغم قصـر المسافة إلى المدينة التي لا يتعدى طولها عشـرة كيلومترات، إلا أن الطريق الساحلي المؤدي إليها يَصُعبُ تجاوزها ليلاً لاسيما بعد هطول الأمطار حيث تطمر السيول طريق القوافل بالصخور والطمى، ويتطلب عبور الشعاب مهارة قد لا يمتلكها كل مكار أو صاحب قافلة، ويشكل قطعها ليلا مجازفة محفوفة بالخطر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. خروج: ومفردها خرج، وهو كيس يحاك من وبر الجمال أو الماعز له جيوب لحفظ المقتنيات.
2. المخـاوي: نسبة إلى منطقة مخا في اليمن التي تشتهر بإنتاج أجود أصناف البن.
3. فلقة موسى: شق جبلي حاد الجوانب كفلقة فأس في جذع شجرة.
4. مسيلة: حجارة صغيرة الحجم وناعمة الملمس.
5. بحيصـة: بئر ماء لا يتجاوز عمقها مترا.
6. المُغيَّبين: المسحورين.
محمد عيد العريمي

إلى الأعلى