السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / أثر الثقافة في التخطيط العمراني (1 ـ 2)

أثر الثقافة في التخطيط العمراني (1 ـ 2)

إن الخصائص الهندسية لأشكال الإبداع تظهر جلية في العمران بل وتتمثل عمليا فيه فنرى المباني بأشكال واستخدامات مختلفة منها ما هو اقتصادي أو ثقافي أو إداري أو سكني، إلا أن هذه المباني ولا شك تعكس حالة ثقافية وترمز لهوية المجتمع ومدى تأقلمه وتعامله مع البيئة المحيطة.
ومن هذا المنطلق كان اهتمام المؤسسات المعنية لإبراز هذا الابداع بصورة تتناسب وهوية المجتمع الذي تتمثل فيه ليكون رمزا لها.
وسنناقش في هذه الورقة موضوع العمران والثقافة في سلطنة عمان وسيكون التركيز على المباني التي أنشئت بتمويل وإشراف من الدولة كالمدارس والمؤسسات والمباني الثقافية وما لحقه الترميم من قلاع وحصون لتكون صورة واضحة حول التداخل بين المجالين.

التراث العمراني
هو كل ما شيده الإنسان من مدن وقرى وأحياء ومبانٍ مع ما تتضمنه من فراغات ومنشآت لها قيمة عمرانية أو تاريخية أو علمية أو ثقافية أو وطنية، وامتد تاريخها لفترة متأخرة، وتشمل مباني التراث العمراني القصور والمباني التاريخية والقرى والأحياء التراثية، ومراكز المدن القديمة، ويدخل في ذلك القلاع والأبراج الدفاعية، والمساجد والمدارس، أو ما يشبهها من مبانٍ كان تأسيسها مرتبطا بأحداث تاريخية أو دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية أو سياسية أو ثقافية، أو كان إنشاؤها يعكس نمطاً أو أنماطاً فنية في العمارة أو الفنون الزخرفية المتصلة بها، بحيث تكون ذات دلالة على مدرسة فنية أو حضارة تاريخية لها جغرافية معينة أو فترة زمنية محددة.
كما يجب أن نفرق بين الآثار وبين التراث العمراني، فالآثار تمتد فعلاً لعمق التاريخ والكثير منها أزيل ويحتاج إلى تنقيب، والكثير من الدول تختلف في عملية الامتداد الزمني، فبعضها حددها بخمسين سنة وبعضها أكثر أو أقل.
على أن هندسة العمران في سلطنة عمان لا يقتصر فقط على المباني السكنية، وإنما هناك مبانٍ مختلفة الوظائف، والتراث العمراني، ومنها نظم الري ونظم الآبار، وأيضاً مبانٍ على شكل مدارس وفي بعض الأجزاء في السلطنة وجدت أنواع من المباني على شكل مستشفيات، كذلك المساجد بأنواعها والأسوار التي تحيط بالمدن وغيرها من التحصينات، وكل هذه تدخل ضمن إطار المباني التي تعد تراثاً عمرانياً، وأيضاً هناك نوع من التراث العمراني وهو ربما بسيط لكنه يتعلق باستخدام سعف النخيل، وهو تراث له جذور وعميق جداً وقد يمتد إلى خمسة آلاف سنة في السلطنة وبقي في بعض مناطق السلطنة خصوصاً في الواحات الزراعية.

تعريف العمران

علم العمران أول من تكلم عنه ابن خلدون (قاضي، معلم، مؤرخ وديبلوماسي وأحد أهم مفكري العرب والمسلمين في القرن الرابع عشر الميلادى) في مقدمته الذائعة الصيت حيث يظهر من تقسيم ابن خلدون للمقدمة ففي البداية عالج طبيعة العمران وأنواعه المتعددة بصفة عامة وفي الباب الثاني يتكلم عن العمران البشري كنمط مبكر من أنماط العمران ” وفيه فصول وتمهيدات” وفي الباب الثالث عرض لدورات الحضارات والنظم السياسية ” وفيه قواعد ومتممات” وفي الباب الرابع يعرض خصائص العمران الحضري “وفيه سوابق ولواحق” مؤكداً في تناوله لهذه الأبواب على خضوع العمران لسنن حضارية تحكم حركته صعودا و وهبوطاً.
لفظ “عمران” مشتق من الجذر ع.م.ر وله عدة معانٍ: الأوّل “سكن، بقي، أقام، استوطن”، وجملة ثانية من المعاني: “تعمير، كثافة، به ناس كثر، استصلح، هذّب جيدا، وعكسها قفر، صحراء، فظاظة”، وأخيرا يمكن لمفردة عمران أن تعني أيضاً “بناء منزل، والسكن فيه، جعله مرفها” هذه المجموعات الثلاث من المعاني تعود كلها إلى معنيين أساسيين: من جهة إلى النشاط البشري، ومن جهة أخرى، إلى العنصر الجغرافي، أي المكان الذي فيه النشاط الإنساني وتطوره. – {..هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا..}[هود:61]

المباني العمرانية في السلطنة وإرتباطها بالتراث الثقافي:

القلاع والحصون
إن عملية البناء والتشييد ومنها القلاع والحصون في سلطنة عمان يدعمها إرث حضاري ضخم تمتد جذوره الأولى إلى ما قبل التاريخ الميلادي، وما زال هذا الموروث يتفاعل مع تطور حركة العمران بحسب الظروف والأحوال التي تكتنف الواقع العماني، وقد تباينت العمارة في عمان من مبان ضخمة تستخدم للدفاع والحماية إلى مبان بسيطة كالمنازل وغيرها.
ولا تكاد بقعة من أرض عمان تخلو من قلعة أو حصن ولكل منها حكاية تروي ما خلفه هذا البلد من حضاررة وتراث عربي إسلامي أصيل. ففي عمان ما يزيد على خمسمائة برج وحصن دفاعي تعود إلى العصر الإسلامي، عدا قلعتي بهلا والرستاق اللتين شيدتا قبل الاسلام، وهناك ثلاث فقط بناها البريتغاليون أما البقية فهي من بناء العمانيين أنفسهم.
ونأخذ مثلا على ذلك حصن جبرين الذي بناه بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربي (1688-1711م) وهو من أجمل القلاع والحصون العمانية، ويتميز بأن الفناء الداخلي تطل عليه وحدات البناء المحيطة به فهو المتنفس الرئيس لهذه الوحدات وهو مصدر الضوء والإنارة كما جسد أيضا في قلعة بركة الموز وفي كثير من مساجد نزوى.
ولم تكن القلاع في عمان مركزا للحكم والإدارة ومسكنا للحاكم وعائلته فحسب، بل كانت بمثابة معهد علمي تعقد فيه الدروس ويؤمه العلماء والطلبة، وكانت مجالس الحكام يغشاها العلماء والأدباء والمثقفون.

المساجد
أشار ابن بطوطة إلى أن المساجد العمانية يغلب عليها طابع البساطة في تخطيطها وفي عناصرها المعمارية والزخرفة، فهي على العموم ذات صحن مكشوف، تحيطه أروقة كغيره من المساجد، وعناصره المعمارية بسيطة لا تخرجه عن هذا الطابع إلا في النادر، وأشار إلى مسجد قلهات بأن حيطانه من القاشاني.
ومن الظواهر المعمارية البارزة في مساجد عمان مآذنها فهي ذات طراز معماري متميز عن غيرها من المآذن القائمة في الأقطار الإسلامية الأخرى فهي في عمان وبخاصة السواحل ذات شكل يتميز ببساطته ولا يتعدى أن يكون بناء صغيرا مربع الشكل أو مستديرا قليل الارتفاع، وجدرانه مفتوحة بنوافذ بطابقين على الأكثر، ويقف المؤذن لينادي بالأذان داخله، وسقف المئذنة قبة بيضاوية الشكل مدببة. ومن ابرز المساجد العمانية مسجد الخور في مسقط وجامع البياضة بالرستاق.
ومع ذلك كان للمساجد في عمان دورها الريادي في العملية التعليمية منذ القرون الهجرية الأولى، بداية بأول وأقدم هذه المساجد وهو مسجد (المضمار) في سمائل الذي بناه الصحابي الجليل مازن بن غضوبة رضي الله عنه في عام 26هـ/627 ( السنة السادسة للهجرة) وكان ولا زال المسجد يجسد حالة من التلاقي والتفاعل الثقافي، فالمسجد يعتبر مدرسة للتثقيف الفكري فقد أخرج فطاحل من العلماء والأدباء والمفكرين والمثقفين.
والمسجد ليس مبنى يأتي الإنسان يصلي فيه ويخرج فقط بل يجب أن يكون مدرسة يتعلم من خلالها الإنسان أحكام الإسلام وتاريخه وثقافته، فالمسجد إذاً مركز للتثقيف والتعليم في الإسلام
وكان موضعا يجتمع في أفنيته أهل الحي لتبادل الأخبار والأحاديث، وحل المشاكل والمشاركة في إدارة أمور القرية.

الحارات
الحارات القديمة تمثل إحدى مفردات التراث العمراني العماني، والحارات أقرب الآثار إلى النشاط الإنساني العماني الذي يعانق ويشكل المكون الأساسي للمجال البصري لتضاريس عمان على امتداد أراضيها وتنوعها، تلك الحارات بتنوع مكونتها تعكس أهم ملامح الحياة اليومية للإنسان في عمان وتفاعله مع محيطه البيئي.
ومنذ سنوات عملت وزارة التراث والثقافة مبكرا من خلال البرامج والتشريعات المناسبة والكفيلة بحماية هذا الإرث الحضاري كقانون حماية التراث القومي الصادر عام 1980م، او من خلال مشروع توثيق تجمعات المباني التاريخية الذي تنفذه وزارة التراث والثقافة ممثلة في لجنة وطنية لتسجيل وحماية تجمعات المباني التاريخية التي يترأسها سعادة وكيل الوزارة لشؤون التراث وعضوية عدد من الوزارات المعنية.
ومنذ الانتهاء من تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع والمتمثلة في توفير قاعدة للبيانات المتعلقة بعدد الحارات وتوزيعها الجغرافي بالسلطنة، عوضا عن حالتها الإنشائية ومكونتها المعمارية والمقومات الأخرى التي تمتلكها، قامت اللجنة بالتعاون مع بيوت خبرة عالمية ومؤسسات أكاديمية محلية ودولية في تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع والمتمثلة في توثيق حارتي السيباني في بركة الموز واليمن في ولاية ازكي بالمسح الهندسي والرفع الهندسي وتحديد المهددات وآلية الترميم المستقبلية والمنشآت الخدمية من خلال خطط إدارة لكل حارة من الحارات التي سيقع اختيارها للتوظيف.
وفيما يتعلق بأعمال التوثيق والمسح فقد تم مؤخرا الانتهاء من المراحل النهائية منها بالتعاون مع فريق معماري متخصص من جامعة نوتنجهام حيث أمكن التعرف على التصنيف العام لمكونات حارتي السيباني واليمن والحالة الإنشائية لوحداتها ومرافقها ووضع خطة إدارة تتضمن المنشآت الخدمية وأعمال الترميم اللازمة للحارة والتوظيف المستقبلي للحارتين بعد أعمال الترميم. وتأمل الوزارة مواصلة برنامج التوثيق وفق الخطة المعتمدة لتشمل جميع الحارات المسجلة تباعا ووفق الأولويات.
كما تقام في الساحات الأمامية أو الجانبية لها مختلف الفنون والأهازيج الشعبية، حيث إن الفنون التقليدية هي نتاج التفاعل بين الأفراد والجماعات والبيئة المحيطة خلال الأزمان والأحقاب الماضية وللحفاظ على هذه الفنون التي توارثتها الأجيال العمانية جيلاً بعد جيل، وأصبحت تقام بجنب المجالس ليجتمع أبناء الأحياء من أجل أن تستمر.

ونلاحظ في الحارات العمانية المكونات الأساسية التالية وهي “المنشآت الدفاعية” ، و”الماء ونظام الري” ، و”المساكن” ، و”السوق” ، و”المسجد” ، و”السبل وأماكن التجمع” ، و”الاسطبلاط” وهو أمر يعكس كذلك الحالة الثقافية للمجتمع من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية.

المكتبات
عرفت عمان المكتبة منذ القدم فكانت أكثرها انتشاراً ما يسمى بالمكتبات الاهلية وهي تنقسم إلى قسمين، القسم الأول هو المكتبات التي كانت موجودة في منازل العلماء والفقهاء والأدباء، ومن هذه المكتبات مكتبة الشيخ راشد بن عزيز الخصيبي، ومكتبة الشيخ نور الدين السالمي، ومكتبة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، ومكتبة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي وغيرها من المكتبات أما النوع الآخر من المكتبات الأهلية فقد تم تصنيفه تحت اسم العائلة أو القبيلة، وكانت قليلة جداً مقارنة بالنوع الأول ومن هذه المكتبات: مكتبة السيفين، مكتبة السليمانيين، مكتبة آل مفرج.
كانت هذه المكتبات تضم مؤلفات العلماء الذين ألفوا كتبا وجمعوا ما قدروا عليه من عمان وخارجها، وكانوا يولون مكتباتهم عناية فائقة، ويوقفون لصيانتها أموالا طائلة، ويقررون في وصاياهم بذل الأموال للاعتناء بها حتى بعد مماتهم، إلا أن الأوضاع المضطربة في بعض الأحيان كانت سببا في إتلاف بعض المكتبات، وفقدان الفكر الإنساني لبعض كنوزه، مثل مكتبة السليمانيين في نزوى، فهذه المكتبة قد تفرقت محتوياتها من الكتب والمؤلفات واكلتها دأبة الأرض “الرمة” وبقايا كتب هذه المكتبة ضُمت إلى مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، ومكتبة السيفيين بنزوى، وذلك لعدم وجود من يحافظ عليها.

* ورقة ألقيت في ندوة “هندسة العمارة في عمان” بالنادي الثقافي 23 أغسطس الماضي

فهد بن محمود الرحبي

إلى الأعلى