الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إيلان بابيه إن حكى!

إيلان بابيه إن حكى!

د. فايز رشيد

” تطرّق بابيه إلى ما قام به الرئيس الفلسطيني السابق المرحوم عرفات , قائلاً: إنّ ما فعله في حينه, بقصد أوْ بغير قصد أشبه بحيلة “حصان طروادة” الشهير, حيث كان عرفات يعتقد بأنّه يمكنه أنْ يفعل شيئًا “من الداخل” بعد عودته إلى الوطن، لكننّا نرى اليوم بأنّ ذلك كان وهمًا ولم يجدِ نفعًا، وأنّ إسرائيل ماضية في ممارساتها، والسلطة الفلسطينية ما هي إلّا شمّاعة تغطي ما تقوم به إسرائيل دون وازع أوْ رقيب.”

“يكتب ايلان بابيه سيرة عملية “للتطهير العرقي للفلسطينيين” بجرأة, ليصل الى مكان إقامته الجامعية”. ما سبق جزء من مقدمة العرض, الذي كتبته عن مؤلف بابيه”, الذي يحمل ذات العنوان. إيلان بابيه أحد أهم المؤرخين الإسرائيليين وأكثرهم تمسكاً بالمبادئ والعدالة, في كتابه, يكشف بابيه حقيقة ما تعرض له الفلسطينيون في عام 1948من مجازر ومذابح وعذابات كبيرة, على أيدي المنظمات الإرهابية الصهيونية, لإجبارهم على مغادرة وطنهم عنوةً, في حملة تطهير عرقي جماعية خططت لها ونفذتها تلك العصابات. ونتيجة لذلك، أُجبر نصف الشعب الفلسطيني (800000) آنذاك على مغادرة أراضيه ودياره.
في اجتماع جرى في البيت الأحمر (مقر قيادة الهاغاناه) في تل أبيب، حضره (11) شخصاً هم من قيادة المنظمات الصهيونية، ومن قادة إسرائيل وكبار عسكرييها في ما بعد, ومنهم: بن جوريون، اسحق رابين، يغئيل يادين، موشيه دايان، شمعون أفيدان وآخرون، اجتمعوا عصر يوم أربعاء في 10مارس1948، ووضعوا اللمسات الأخيرة على خطة لتطهير فلسطين عرقياً، وفي مساء اليوم نفسه أُرسلت الأوامر إلى الوحدات على الأرض بالاستعداد للقيام بطرد منهجي للفلسطينيين, من مناطق واسعة في فلسطين. وأُرفقت الأوامر بوصف مفصل للأساليب الممكن استخدامها لطرد الناس بالقوة: إثارة رعب واسع النطاق، محاصرة وقصف مراكز سكانية وقرى، حرق منازل وأملاك وبضائع، طرد، هدم بيوت ومنشآت، وزرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم. الخطة الصهيونية (دالِتْ) هي النسخة الرابعة والنهائية عن خطط أقل جذرية وتفصيلاً, عكست المصير الذي كان الصهاينة يعدونه لفلسطين ولسكانها الأصليين. في نهاية الخطة التي امتد تنفيذها ستة أشهر وإضافة إلى طرد نصف سكان فلسطين، دُمّرت (531) قرية ومُحيت من الخارطة، وأُخلي(11) حياً مدينياً من سكانه.
اختلفت مع بابيه قليلا في جزء من مقدمته للكتاب! فهو يرى أن الصهيونية أوْ “إسرائيل” كحالة استعمار استيطانيّ لا يُفضي، بالضرورة، إلى تهجير اليهود وعدم شرعية وجودهم هنا. هذا ما قاله في مقدمة كتابه وكرره في محاضرة, في أمسية خاصة بعنوان “الصّهيونيّة كاستعمار”, استضافها مقهى “دار راية” في حيفا, بحضور عشرات المهتمين العرب واليهود. يعتبر بابيه من أبرز المثقّفين التقدّميين اليهود, وأحد روّاد تيار “المؤرّخين الجديد” الذين يقاربون تاريخ المنطقة وفلسطين من منظار متحرّر من الأيديولوجية الصهيونية، ناقدًا لها وناقضًا إيّاها.
بيّن بابيه في مداخلته الفوارق العلميّة بين الاستعمار العادي, كما هي حال فرنسا في الجزائر مثلاً, والاستعمار الاستيطاني, كما في حالة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. كما أشار إلى أنّ الحركة الوطنية الفلسطينية نظرت إلى المشروع الصهيونيّ في فلسطين في الخمسينيات والستينيات, كمشروع استعماري عادي, وبالتالي كان مطلبها إجلاء المستوطنين. بينما في جنوب إفريقيا ناضل المؤتمر الوطني الإفريقي إلى إسقاط نظام الأبارتايد واستبداله بنظام ديمقراطي للسود والبيض على حدٍ سواء. وتابع: حلّ الدولتين لشعبين أصبح في عداد الماضي وغير قابل للتطبيق, فيما حلّ الدولة الواحدة هو الحلّ الوحيد الباقي الآن والقائم على الأرض.
وشدّدّ بابيه في مستهل حديثه على أنّه جاء ليستعرض أمام الحضور, لغة سياسية جديدة ليست هي الدارجة في الخطاب الإسرائيلي، وأشار في الوقت عينه إلى أهمية تسمية المصطلحات باسمها، وأضاف قائلاً: سأتناول في هذه الندوة ثلاثة مصطلحات رئيسية يتم تغييبها عمدًا عن الخطاب العام في إسرائيل برغم أنها تجسّد واقعنا السائد في هذه البلاد. أولّها الاستعمار الاستيطانيّ وهي الحالة السائدة في فلسطين منذ نشأة دولة “إسرائيل” وما قبلها وما بعدها، وثانيهما التطهير العرقي للسكان المحليين وهي السياسة المتبعة من قبل المؤسسة الصهيونية تجاه الفلسطينيين ولا تزال هي السياسة السائدة وان كانت بدرجات متفاوتة وغير معلنة، وثالثهما هو نظام الفصل العنصري (أبارتايد) الذي تنتهجه الدولة العبريّة تجاه الفلسطينيين.
وأضاف بابيه، الملاحق أكاديميّا بسبب آرائه السياسيّة، إنّ مصطلح التطهير العرقي ليس فقط,أنّه المصطلح الدقيق الذي يصف واقع الحال في إسرائيل، بل هو أيضًا مصطلح قانوني وسياسي وشرعي، ومن هنا أيضًا وجوب وشرعية تداوله وتسمية الأمور باسمها الصحيح، خصوصًا في المحافل الدولية. ولفت البروفيسور بابيه إلى, أنّه في الوقت الذي يُضفي مصطلح النكبة نوعًا من الضبابية ويوجّه التهمة عن الكارثة (النكبة) نحو طرفٍ مجهولٍ، فإنّ مصطلح التطهير العرقي هو مصطلح واضح المعالم ويعني أنّ هناك طرفًا مسؤولاً يجب أنْ يتحمل مسؤوليته بشكلٍ مباشرٍ، حيث إنّ التطهير العرقي هو جريمة بحد ذاتها يجب أنْ نسميها باسمها, وأنْ نُوجّه المسؤولية المباشرة لمن اقترفها وهو الطرف الإسرائيلي.
وحمّل بابيه السلطة الفلسطينية مسؤولية المشاركة بما يحصل للشعب الفلسطينيّ من تطهير عرقي جهارًا نهارًا، من خلال مشاركتها في اتفاقية أوسلو, التي تشرعن عمليًا للممارسات الإسرائيليّة على الأرض, قائلاً: عندما يقول الطرف الفلسطيني إنّه موافق على حل الدولتين, فكأنما يقول بأنّه موافق بأنْ تتوقف الممارسات التعسفية على جزء من فلسطين لا يتجاوز الـ 20% من فلسطين الانتدابيّة (التاريخية)، وهو بذلك يشرعن لاستمرار الممارسات الاستيطانية وسياسة الفصل العنصري والتطهير العرقي على باقي أجزاء فلسطين، وهذا حل ليس فقط أنّه غير منصف وغير أخلاقي، بل هو يعفي “إسرائيل” من مسؤوليتها تجاه أفعالها بحق الشعب الفلسطيني .من هنا، شدّد بابيه، على أنّ الحل الأوحد المتاح الآن هو حل الدولة الواحدة التي تتأسس على المواطنة الكاملة والعدل والمساواة وتقاسم الموارد والأرض والثروة وليس حبس الفلسطينيين في جزء من فلسطين ومنع امتدادهم وتطورهم الطبيعيّ.
وتطرّق بابيه إلى ما قام به الرئيس الفلسطيني السابق المرحوم عرفات , قائلاً: إنّ ما فعله في حينه, بقصد أوْ بغير قصد أشبه بحيلة “حصان طروادة” الشهير, حيث كان عرفات يعتقد بأنّه يمكنه أنْ يفعل شيئًا “من الداخل” بعد عودته إلى الوطن، لكننّا نرى اليوم بأنّ ذلك كان وهمًا ولم يجدِ نفعًا، وأنّ إسرائيل ماضية في ممارساتها، والسلطة الفلسطينية ما هي إلّا شمّاعة تغطي ما تقوم به إسرائيل دون وازع أوْ رقيب. وساق قائلاً إنّ حل أوسلو الذي يتأسس على دولتين أصبح في عداد الأموات ويخالف الواقع على الأرض.وخلُص البروفيسور بابيه إلى القول: علينا أنْ نعي هذه الحقيقة، وأنْ نكثّف جهودنا باتجاه حلّ الدولة الواحدة التي تصون كرامة الجميع وتضمن حقوق المواطنة الكاملة لشعب على أرضه دون انتقاص أو تجزئة، ولكي يتأتى ذلك لا بد أنْ نغيّر أدبياتنا وخطابنا وأنْ نسمّي الأشياء بأسمائها الصحيحة. أما عن حل الدولة الديموقراطية الواحدة, الذي يطرحه بابيه, فسيكون عنوان مقالة قادمة لي, وبخاصة من حيث العقبات والتعقيدات الصهيونية ,التي تجعل من تحقيقه مسألة مستحيلة.

إلى الأعلى