الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قراءات متعددة في المشهد الوطني 9/13

قراءات متعددة في المشهد الوطني 9/13

سعود بن علي الحارثي

” .. من المؤسف والمؤلم حقا أن يرى الملاحظ والمراقب في مشاهد وصور مختلفة ومتعددة ثقافة التزلف والتملق والارتباط بالمسئول والمساهمة في تحقيق مصالحه قد أصبحت ثقافة موجودة في الكثير من المؤسسات وبيئات العمل، وعندما يجهر موظف برأيه الذي يتعارض مع ثقافة ورؤية ومصالح المسئول يتم استهدافه وإبعاده وإقصاؤه وتهميشه وحرمانه من كثير من الامتيازات،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عاشرا : تراجع الأداء في مؤسساتنا .. الأسباب والعلاج: تقدم مؤسسات التعليم بمختلف مجالاتها وتخصصاتها ومراحلها أعدادا كبيرة من المخرجات التي تسعى إلى الالتحاق بسوق العمل في مؤسسات القطاعين العام والخاص، ومما لا شك فيه بأن المتخرج من هذه المؤسسات يجتهد ويسعى للحصول على وظيفة تتناسب مع تخصصه وميوله، وتحقق طموحه وشغفه وتسهم أي – الوظيفة – في تطوره العلمي والمعرفي والثقافي والمهني والوظيفي من خلال الاستفادة المباشرة من المشرفين والمسئولين عنه والذين يفترض أن يكونوا أعمق منه وأوسع خبرة واطلاعا ومعرفة باختصاص وظيفته ومهامها وبالأسس الإدارية الصحيحة في التعامل مع الموظفين، والحرص على إلحاق الموظف في برامج تدريب على رأس العمل، وتوفير الوسائل والأدوات الضرورية التي تتطلبها وظيفته، وتذليل العقبات لإكمال دراساته العليا وفق ضوابط تتسم بالشفافية وتكافؤ الفرص، والمشاركة في الفعاليات والبرامج والأنشطة التدريبية وغيرها ذات الصلة بمجال عمله وتخصصه، ويسعى إلى تحقيق ذلك الطموح المشروع وتلك الرغبة بمختلف السبل والوسائل المتوفرة منها: البحث عن الوظيفة المناسبة في ظل إدارة مؤمنة بالتشجيع قادرة على تطوير أداء موظفيها والإضافة عليهم خبرات ومهارات ومعارف كما تمت الإشارة إليه، ضمان تحقيق الجودة والأداء المرضي في العمل، تقديم وطرح وتقبل الأفكار التي من شأنها تطوير الأداء وزيادة وتيرة المنجز .. ويقود الحظ بعض هؤلاء إلى النجاح في مسعاهم والفوز بوظيفة تتناسب مع طموحاتهم وتطلعاتهم وتعلي من مكانتهم ومن تطورهم الوظيفي في بيئة عمل تركز في أدائها وفي تقييمها وفي تنفيذ برامجها وفي علاقتها مع العاملين على التشجيع والتدريب الفاعل والاستثمار المدروس في العنصر البشري وربط المكافآت بأنواعها بكفاءة الموظف وإخلاصه، ومحاربة المحسوبية التي تدمر بيئة العمل وتؤدي إلى تراجع الأداء. ومن هذه المخرجات الكثيرة من يقوده حظه العاثر إلى بيئة عمل ترفع مؤشر ضغط من تربى وتعلم على الأمانة والإخلاص وقيم المسئولية والانتماء إلى أعلى درجاته في أجواء عمل تنتقل فيها حالة الطقس من حرارة خانقة تعيق العمل إلى صقيع يعطل الحياة العملية ويوقف الإنتاج، بيئة عمل سمتها الفوضى والإهمال ومسئولين لا تهمهم إلا مصالحهم الشخصية وتثبيت مكانتهم في الإدارة وتعظيم المكاسب وتوظيف الفرص والمقدرات وتعزيز بقاء مدتهم على كرسي المسئولية وتوسيع قاعدة المؤيدين، وفي هكذا وضع يكون التركيز وينحصر الاهتمام على من يتقن فن التزلف للمسئول ويتغنى بعبارات المديح لشخصه الكريم ويتشدق بإنجازاته ويسوق لأعماله وجهوده ويتعاون معه في تحقيق مآربه، أما الكفاءة والإنتاج وجودة العمل فلا محل لها من الإعراب أو أنها تأتي ثانيا في سلم الأولويات، وفي بيئة كهذه البيئة تصبح السلوكيات والقيم والثقافة موجهة لتمجيد المسئول، والتطور الوظيفي والامتيازات ترتبط برضاه عن ذلك الموظف ومدى طاعته وتملقه والرضوخ لإرادته ومساعدته على تحقيق غاياته، ومما لا شك فيه بأن الموظف الكفؤ الغيور على وطنه ومجتمعه المتعلم تعليما يميزه عن غيره ويضعه أمام مسئولياته معليا ومقدما في عمله وتفكيره وثقافته وممارساته من شأن القضايا الوطنية على ما عداها وترتبط ثقافته بقيم المواطنة الصالحة لن يتأقلم مع هذه البيئة ولن يرضى بالاستمرار عضوا فيها ولن يتمكن من مواصلة الصمت وإسكات صوت الحق وعدم الجهر به، لأنها بيئة منفرة ومعادية لسلوكه وأهدافه وثقافته. ومن المؤسف والمؤلم حقا أن يرى الملاحظ والمراقب في مشاهد وصور مختلفة ومتعددة ثقافة التزلف والتملق والارتباط بالمسئول والمساهمة في تحقيق مصالحه قد أصبحت ثقافة موجودة في الكثير من المؤسسات وبيئات العمل، وعندما يجهر موظف برأيه الذي يتعارض مع ثقافة ورؤية ومصالح المسئول يتم استهدافه وإبعاده وإقصاؤه وتهميشه وحرمانه من كثير من الامتيازات، فلا يصبح أمام الموظف إلا خيارات ثلاث إما الاستسلام لثقافة التزلف والإشادة والتسويق للمسئول وربط تطوره الوظيفي برضاه والإسهام والمشاركة في الكثير من أوجه الفساد التي تخدمه والمقربين منه، حتى وإن أدى ذلك إلى تراجع ثقافته ومهاراته وحصيلته العلمية والمهنية وتنازله عن قيمه ومبادئه، أو البحث عن فرصة وظيفية في موقع آخر وبيئة عمل تقدر طموحاته وكفاءته وتميزه في الأداء وجودة وغزارة إنتاجه، أو الصمت والرضا بالتهميش والإقصاء والتجميد إلى أن يأتي الفرج بإقصاء أو نقل المسئول فتضعف بطانته أو يأتي من هو أسوأ منه فيسوء الوضع وتتعقد المشاكل وتصبح البيئة أكثر تلوثا … وفي جلسات مقابلات قبل عامين امتدت لعدة أيام بغرض استكمال إجراءات توظيف كفاءات في تخصصات مختلفة، أوضح عدد ممن تمت مقابلتهم بأن سوء الإشراف وجهل عدد من المسئولين وقناعتهم أي – هؤلاء الموظفين – بأن البيئة التي يعملون فيها غير قادرة على الإسهام في تطوير مهاراتهم وتخصصاتهم العلمية ولا في تحقيق طموحاتهم، ومن يشرفون عليهم لا يفقهون شيئا في طبيعة تخصصهم، وهم في المقابل لم يعودوا قادرين على فهم طبيعة واختصاصات وظائفهم، والترقيات والامتيازات في المؤسسة ليست مبنية على أسس ومعايير واضحة، والعديد من القرارات يعتريها اللبس وسوء الفهم وبعضها مخالف للوائح والأنظمة وصور الفساد الإداري والمالي متعددة الأوجه، كانت عاملا أساسيا في البحث عن فرص أفضل في بيئة عمل أكثر استقرارا وأوفر حظا وتحقق الرضا الوظيفي وطموح الموظف، ولا شك بأن الحركة النشطة والتنقلات المستمرة من مؤسسة إلى أخرى ومن قطاع إلى آخر مرده غياب التشجيع، والإشراف السيئ وغياب المعايير الواضحة والأسس الإدارية السليمة في تقييم أداء الموظف وفي التعامل معه في مسألتي الثواب والعقاب وانشغال المسئولين بقضايا ومسائل ترتبط بمصالحهم أو مهامهم المتعددة … وعندما تعمل الإدارة العليا لأي مؤسسة بوضع وإعداد الخطط والبرامج التي من شأنها تأهيل وتدريب وإشراك الموظف في الفعاليات والأنشطة والدورات التدريبية التي تتناسب مع تخصصه ومهامه الوظيفية في الداخل والخارج ورصد جهود وإنجازات وأداء الكفاءات والعمل على تطويرها وظيفيا ومعنويا ودعمها بكل الطرق وتعزيز قيم الشفافية وتشجيع العاملين على طرح آرائهم وملاحظاتهم بكل حرية، فسوف توفر بيئة جاذبة للكفاءات وتهيء لكادرها الاستقرار الوظيفي وتعمق وتعزز العلاقة بين الأطراف المختلفة داخل المؤسسة وتسهم في تحقيق الرضا الوظيفي ومن ثم في جودة وغزارة الانتاج، وهي أسس مهمة وأساسية لبيئة عمل صالحة يتوق إليها الموظف الغيور على وطنه المتطلع إلى خدمته وإلى تطوير قدراته المختلفة وإلى النجاح والعمل المميز، وتعمل في المقابل على توظيف واستغلال وإعلاء شأن الكفاءات البشرية كثروة وطنية ينبغي تقدير قيمتها في الإسهام في العمل وتحمل المسئولية وتحقيق غايات التطوير ومضاعفة الإنتاج بدلا من تهميشها أو توظيفها في خدمة أفراد بعينهم أو دفعهم إلى الفساد الإداري أو تشتيت وقتهم وجهدهم في الانتقال من مؤسسة إلى أخرى ومن وظيفة إلى وظيفة … إن تراجع الأداء في العديد من مؤسساتنا يعود سببه الرئيسي من وجهة نظري المتواضعة إلى ما تضمنه هذا المقال، ولن تتمكن العديد من المؤسسات من تحقيق الجودة والفاعلية والتطور في العمل والأداء والانجاز إلا بإصلاح إداري شامل .

إلى الأعلى