الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الجامع الأزهر .. منارة للفكر والثقافة العربية والإسلامية
الجامع الأزهر .. منارة للفكر والثقافة العربية والإسلامية

الجامع الأزهر .. منارة للفكر والثقافة العربية والإسلامية

منزلته وشهرته الواسعة انعكست على شيوخه فنالوا مكانة عظيمة

القاهرة ـ العمانية:
قام الجامع الأزهر على مدار تاريخه الطويل بأدوار مهمة في الحقب الزمنية المتعاقبة، والمراحل الخطيرة في تاريخ الامة الاسلامية بصفة عامة ومصر بصفة خاصة.
وقد تراوح هذا الدور بين النشاط والخفوت تبعا للظروف التي مر بها الازهر في ظل تعاقب العديد من السلطات السياسية في مصر على مدار قرون عمره.
وقد صدرت أخيرا دراسة صدرت ضمن كتاب “شيخ الجامع الأزهر في العصر العثماني”، من تأليف الدكتور حسام محمد عبد المعطي؛ الأستاذ في جامعة بني سويف”وقالت مكتبة الاسكندرية التي أصدرت الدراسة ان إعدادها استغرق عامين من البحث؛ ويأتي في إطار سلسلة من الإصدارات الوثائقية الخاصة بإعادة تأريخ الأزهر الشريف؛ بدأت بإصدار كتاب “عمارة الجامع الأزهر” الذي صدر في مجلدين وأنجز عبر مشروع بحثي.
وقال الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية في تقديمه للكتاب إن منزلة الجامع الأزهر وشهرته الواسعة في ربوع العالم الإسلامي، انعكس صداها على شيوخه فنالوا مكانة عظيمة، وكانوا على امتداد تاريخه بمثابة الجند المرابطين للدفاع عن الإسلام وإظهاره على حقيقته دون إفراط أو تفريط، ما جعل المؤلفين والمؤرخين يتسابقون لنشر الدراسات والمؤلفات التي تبرز الجانب المضيء من تاريخ هذه المؤسسة الإسلامية العظيمة. وأكد أن أهمية الكتاب ترجع إلى إبراز المؤلف للمكانة العظيمة التي تبوأها الأزهر في العصر العثماني، مدللا على أن دوره لم ينحصر خلال فترة الحكم العثماني كما ذُكر في بعض كتب التاريخ.
وقال الدكتور حسام عبد المعطي إن الدراسة تسعى في الأساس إلى دراسة منصب شيخ الجامع الأزهر؛ فتعمل على التعرف على بداية نشأة هذا المنصب، والعوامل التي أدت إلى ظهوره، والدور الذي قام به شيخ الأزهر في التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع المصري خلال العصر العثماني.
واشار الى أن فهم ذلك يفسر لنا بروز الدور السياسي لشيخ الأزهر خلال القرن الثامن عشر، وهو الدور الذي جاء متوافقًا أيضًا مع بروز دور العلماء داخل المجتمع المصري خلال الفترة نفسها.
وأكد أن منصب شيخ الجامع الأزهر في العصر العثماني لم يحظ إلا بإشارات قليلة، استهدفت في الأساس الإشارة إلى كونه يشغل رئاسة المؤسسة الدينية الكبرى في مصر، دون الولوج إلى جوهر دوره الإداري والتعليمي والسياسي خلال هذه الحقبة. ولفت الى ان الكتاب يستند على تحليل ونقد المادة التاريخية، وتحليل ما ورد في المصادر المختلفة من آراء، ومقارنة بعضها بعضًا، وتعتمد على العديد من المصادر؛ منها سجلات المحاكم الشرعية وبخاصة سجلات محاكم القسمة العسكرية والقسمة العربية والباب العالي، بالإضافة إلى اعتمادها على العديد من المخطوطات والمصادر والحوليات العربية، من أجل كشف العديد من التطورات التي لحقت بالأزهر إبان هذه الحقبة التاريخية. ويشدد المؤلف على عدم صحة الأقوال التي ترى أن الأزهر شهد تدهورا في العصر العثماني ولم يكن له أي دور.
ويفند المؤلف ذلك من خلال إبرازه مكانة الأزهر ودوره وتطوره آنذاك، وكيف كان منارة للفكر والثقافة العربية، وكيف استقبل الطلاب للدراسة وتلقي العلوم من العالم الإسلامي. وفند آراء من يعتقدون أن العصر المملوكي هو الذي شهد تطور الأزهر ليصبح أكبر مؤسسة تعليمية في مصر، وتقوم رؤيتهم في ذلك على أن العصر العثماني كان عصر تدهور وتخلف، خاصة وأن مصر تحولت خلاله إلى ولاية عثمانية تابعة لمركز السلطنة في إسطنبول، بعد أن كانت مركزًا لسلطنة كبرى كانت تشمل مصر والشام والحجاز واليمن. وقال إن أغلب الشواهد التاريخية تشير إلى أن التطور الأكبر للأزهر حدث في النصف الأول من القرن السادس عشر، مع دخول مصر تحت السيادة العثمانية، حيث كانت هناك العديد من العوامل التي أدت إلى تراجع أهمية المدارس المملوكية وتزايد أهمية الأزهر التعليمية؛ أهمها تراجع إيرادات هذه المدارس نتيجة لتدني قيمة العملة، وتراجع الصراع بين المذاهب الإسلامية، وتزايد إيرادات الأزهر وأوقافه خلال هذه الفترة.
ويشير الى ظهور منصب شيخ الأزهر، ذلك المنصب الذي استحدث في العصر العثماني؛ حيث كانت السلطة العثمانية ترى أن من حق جميع الفئات أن يكون لها رئيس ممثل لها أمام الدولة، خاصة وأن الأزهر لم يكن له عند إنشائه في العصر الفاطمي أو في العصرين الأيوبي والمملوكي، شيخ يتولى رئاسته، بل كان يتولاه ولاة الأمر، حيث كان هناك ناظر يدير الأوقاف المخصصة له، وكان غالبا ما يشرف على عمليات ترميم وتجديد ما تعرض للتلف من المباني، بيد أن إدارة شؤونه التعليمية كانت تخضع لمشايخ المذاهب الأربعة ولمشايخ الأروقة. ويضيف أن عددا كبيرا من كتاب ومؤرخي الأزهر اتفقوا على أن الشيخ عبد الله الخرشي ليس أول من تولى هذا المنصب، وأن خمسة عشر شيخًا قد سبقوه في تولي هذا المنصب، وأن قصة الشيخ أحمد بن سعد الدين العثماني العمري ـ في كتابه الشعري “ذخيرة الأحلام بتواريخ الخلفاء والعلماء وأمراء مصر الحكام وقضاة قضائها في الأحكام” ـ بأن أول شيخ للجامع الأزهر هو الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الحق السنباطي، صحيحة إلى حد كبير. وتابع بان الوثائق الرسمية في أرشيف القاهرة تشير إلى ظهور لقب جديد داخل الأزهر إبان هذه الحقبة؛ وهو “شيخ الشيوخ بالجامع الأزهر”، وكان الشيخ أحمد بن عبد الحق السنباطي هو أول من تلقب بهذا اللقب في هذه الوثائق الرسمية، في عصر السلطان العثماني سليمان القانوني. ويوضح ان الدلائل تشير إلى أن اختيار شيخ الأزهر لم يخضع بالضرورة لقدرات الرجل العلمية، فلم يكن شيخ الأزهر بالضرورة هو أكثر أهل الأزهر علما، ولم يكن أكبر العلماء سنّا، بيد أن هناك شروطًا كان يجب توافرها في الرجل الذي يتولى أكبر مؤسسة علمية وتعليمية في مصر، وهي أن يكون أحد كبار العلماء الذين اشتهروا بالفضل وسعة العلم، وأن يحظى بالقبول من قبل كبار العلماء، وأقدمية التدريس في الأزهر، إلى جانب ذلك كانت كثرة تلاميذ الرجل وعلاقاته الجيدة بالمجاورين وبخاصة الوافدين من الريف المصري مهمة في اختياره، كما أن ترشيح شيخ الأزهر لمن يخلفه أو يكون نائبا له كان يضع هذا العالم في مرتبة متقدمة، بالإضافة إلى ذلك كانت علاقة الشيخ بالسلطة مهمة أيضا من أجل إقرار تعيينه، وغيرها من العوامل المؤثرة في اختيار شيخ الأزهر. ويشير الى حدوث مرحلة جديدة من الصراع فيما بعد بين العلماء جميعهم وبين السلطة المتمثلة في محمد علي باشا الذي كان قد أحكم سيطرته على أغلب مؤسسات الدولة المصرية، ومنها الأزهر الذي أراد الأخير ألا يكون له أي دور خارج إطاره التعليمي والديني. ويتحدث الكتاب عن المخصصات المالية وطرق الإنفاق والرواتب لمشايخ وعلماء الأزهر وطلابه أيضًا، وكذلك دور ناظر الأزهر وعلاقته بإدارة هذه المخصصات والموارد المالية، حيث كان شيخ الأزهر هو مصدر كل القرارات التي تتعلق بالعملية التعليمية داخل الأزهر، فهو الذي يشرف على جميع شؤون الجامع الأزهر العلمية، وهو الذي يضبط مرتبات العلماء، ويحدد طريقة توزيع المرتبات التي توفي أصحابها، كما كان يقوم بالفصل في القضايا التي تحدث بين أفراد كل فئة من الطلبة، والمدرسين، كما كان عليه معاقبة كل من يثير الشغب أو يقصر في القيام بمهام عمله داخل المنظومة التعليمية في الأزهر. ويقول ان العديد من المؤرخين الذين كتبوا عن تاريخ الجامع الأزهر لديهم قناعة غير معللة بأن الأزهر اعتمد في موارده المالية دائما على الأوقاف فحسب، وأنه لم ينل من الدولة أي رواتب، من أجل تبرير مواقف سياسية قوية اتخذها علماء الأزهر في مواجهة السلطة السياسية، غير أن ذلك يبدو مخالفًا للواقع إلى حدّ كبير؛ فقد كانت إيرادات الأزهر تنقسم خلال العصر العثماني إلى ثلاثة أنواع أساسية كان كلّ منها يلعب دورا في استمرار دور الأزهر؛ وهي إيرادات أميرية، وحكومية، وإيرادات الأوقاف، وإيرادات من الهبات والتبرعات. واكد المؤلف أن أهمية شيخ الأزهر السياسية كانت أكبر كثيرا من أهميته الدينية، وأن دور شيخ الأزهر الأكبر منذ نشأة المنصب تبلورت في علاقته بالسلطة من جانب والأهالي في مصر من جانب آخر، ففي البداية كان شيخ الأزهر هو صوت العلماء في أروقة السلطة، يدافع عن حقوقهم ويسعى في قضاء احتياجاتهم، ومع تعاظم دوره أصبح صوت المصريين جميعًا لدى السلطة، ومع بروز الدور المملوكي في مصر خلال القرن الثامن عشر وعدم وجود شرعية تبرر وجودهم في السلطة، كان شيخ الأزهر وعلماؤه هم أداة هذه الشرعية، لذلك فقد تعاظم دورهم في أروقة السلطة، ومع تزايد الابتزازات المملوكية للأهالي كان على شيخ الأزهر أن يتصدى لجموح هؤلاء المماليك سواء بسبب ابتزازهم للأهالي، أو لتوقفهم عن دفع مستحقات علماء الأزهر، وهو ما جعله أهم شخصية سياسية في مصر عند قدوم الحملة الفرنسية لمصر.

إلى الأعلى