الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عنف الإنسان وحقوق الأرض

عنف الإنسان وحقوق الأرض

عادل سعد

بين الخراب الذي ما زال يضرب الطبيعة منذ نصف قرن وما تسعى إليه مؤسسات دولية لوقفه أو الحد الأدنى تحجيمه، تظل إقامة يوم سنوي للأرض واحدة من الإجراءات الهزيلة التي اتخذتها الأمم المتحدة قياسًا بما تحتاجه الطبيعة الآن من أجل مراجعة كل الإجراءات التي رصدت بهدف تمكين الطبيعة من إعادة إنتاج نفسها بما في ذلك تقليل انبعاث الغازات الدفيئة والحد من التلوث البيئي.
وفي هذا السياق لا أفهم كيف يكون للمنظمة الدولية رأي باعتماد يوم في السنة للتفكير بالانتصار للإصحاح البيئي والحد من التدهور الأيكولوجي، وكأن الأرض صاحبة كل هذا العطاء الفذ للإنسان لا تستحق إلا يومًا واحدًا في السنة، بينما الامتنان والأصول وحجم الكارثة يقتضي أن تعتمد الأمم المتحدة برنامجًا للتذكير باستحقاق ما تتطلبه المعالجة على امتداد الأشهر والأيام بل والساعات، وليس يومًا واحدًا هو العشرين من نيسان (أبريل).
إن الضرورة الأخلاقية والاقتصادية والمعيارية تقتضي في كل الأحوال أن نفحص حقوق الأرض يوميًّا ما دامت العلة مستمرة، ونشخص الخلل الذي أصابها ونسعى لوضع العلاجات الشافية بكل صدق ومثابرة، وأذكر أنني قلت في مداخلة خلال إحدى الندوات (لا يستحق الإنسان أن يطالب بحقوقه إذا لم ينفذ مقدمًا حقوق الأرض عليه).
لقد خسرت الكرة الأرضية (4000) نوع من الكائنات الحية وارتفعت نسبة التلوث في البحار والمحيطات والمسطحات المائية الأخرى إلى معدلات غير مسبوقة، وباتت جزر النفط والشحوم النفطية ومخلفات البواخر والسفن العملاقة، بل وحتى الزوارق البخارية الصغيرة مشاهد متكررة على سطح الماء، وصار الزحف الصحراوي وحشًا مخيفًا يقضم سنويًّا بحدود 4 كم مربع، وما زال هذا الوحش يسود بشكل بشع (رمزًا) للجدب والخواء في المنطقة العربية، وتحول هدر المياه في المنازل محطات يومية تستأنس بها ربات البيوت بالضد من التحذير الذي يقول (لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جار)، ويكفينا بالدلالة أن الهدر في مياه المنازل عراقيًّا يصل إلى 59% بدون أن نحسب هدر المياه التي تسكب لتنظيف السيارات!!
هناك صور كثيرة لتدمير البيئة ليس أقلها (المواظبة) على قلع الأشجار والإرساء للبنى الخضراء ونشر فضلات المصانع على مساحات واسعة من الأرض و”ضخ” مياه الصرف الصحي إلى الأنهار والجداول والغدران والبحيرات وكأنها مناطق لطمر النفايات، واستخدام وسائل غير أخلاقية في صيد الأسماك كإلقاء السموم، وكذلك الصيد الجائر في البراري دون أن تأخذ الصيادين الرحمة بمواعيد (حمل) بعض الحيوانات وتوالدها، حيث يسري ذلك بإمعان على الحيوانات البرية، وكيف أننا في المناطق الريفية نعمل بدون معرفة في استخدام الأرض بمحاصيل زراعية تتعبها وتؤدي إلى فقدانها القدرة على ضخ الغذاء، وبالتالي تتحول مع مرور الزمن إلى أراض بور.
إن الأمم المتحدة وهي تحتفل هذا الأسبوع بيوم الأرض، عليها أن تعترف أنها بحاجة ماسة فعلًا إلى سن قوانين ملزمة لجميع دول العالم لحماية الأرض من عنف الإنسان الذي ما زال سادرًا في اغتصاب حقوقها، ولا يتم ذلك إلا إذا كانت هناك عقوبات صارمة تحد من هذا العنف، وتعيد تكوين قناعات البشرية على حقيقة أن إفلاس الطبيعة أمر وارد خلال الخمسين سنة المقبلة إذا لم يتم تدارك ما حل بها، وشتان ما بين همةٍ لتعويم أحد البنوك التي أعلنت إفلاسها وبين الهمة المطلوبة لتعويم الطبيعة!! ألسنا نعطي الأسبقية لبضائع “الجيوب” في حين أن الوضع يحتاج منا أن نعيد الأسبقية إلى ما يصون حياتنا!!

إلى الأعلى