الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل تلهب حرائق “الموصل” الإقليم بأسره

هل تلهب حرائق “الموصل” الإقليم بأسره

د. محمد الدعمي

”.. ان المنظور الثاني للاحتمالات السوداوية التالية لـ “تحرير” الموصل يكون هو الأكثر خطورة وتوعداً باشعال الإقليم الملتهب بأسره. ويتلخص هذا الاحتمال الخطير في محاولة الزج بقوات “البيشمركة” الكردية على سبيل تحرير المدينة، ثم المطالبة بضمها الى إقليم كردستان العراق الذي يرنو للاستقلال كدولة منفصلة في وقت قريب.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للمرء أن يتكهن بأن مشكلة كبيرة ستحدث في العراق، إن عاجلاً أو آجلاً، فإذا ما بوشرت عملية “تحرير الموصل” من هيمنة ما تسمى بـ”الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام” (داعش)، فإن هناك من علامات الصراعات التالية ما يقض المضاجع من الآن، أي من لحظات الاستعداد لاقتحام المدينة (الثالثة حجماً وأهمية في العراق، بعد بغداد والبصرة).
ليست هناك ثمة مبالغة في تحذيري من ثمة صراعات، قد تكون دامية من أجل موصل/ ما بعد داعش. وعلامات الاحتكاك والارتطام لم تزل تطفو على سطح الأوضاع والأنباء من الآن بسبب هذه العقدة الإقليمية الخطيرة، والسريعة الانفجار.
من منظور أول، جهزت الحكومة العراقية الجيش النظامي، متجحفلاً مع قوات “الحشد الشعبي” على سبيل المباشرة بعملية الاقتحام. وإذا ما كانت هناك من الأنباء ما يشير إلى هروب جماعي لعناصر داعش من الموصل، فإن هذه الأنباء لا تعني قط أن قوات الأخيرة ستسلم الموصل ببساطة متناهية، كما تسلمت هي زمام السيطرة على هذه المدينة في غضون ساعات قبل بضع سنوات. والحق، تبقى أسرار سيطرة داعش الخاطفة على الموصل من الغوامض التي لم يتمكن أحد من فك طلاسمها على نحو دقيق.
لذا، فإن المنظور الثاني للاحتمالات السوداوية التالية لـ “تحرير” الموصل يكون هو الأكثر خطورة وتوعداً باشعال الإقليم الملتهب بأسره. ويتلخص هذا الاحتمال الخطير في محاولة الزج بقوات “البيشمركة” الكردية على سبيل تحرير المدينة، ثم المطالبة بضمها الى إقليم كردستان العراق الذي يرنو للاستقلال كدولة منفصلة في وقت قريب.
هنا ستكون الطامة الكبرى، وهي تتلخص، ليس في رفض الحكومة العراقية أي ضم أو وصاية على هذه المدينة التاريخية أو إقليمها الغني من قبل حكومة إقليم كردستان المتواصلة في عمليات التمدد عبر الفضاءات المترامية المتنازع عليها مع الحكومة العراقية ببغداد، وإنما في احتمال دخول عنصر منافس ثالث أو رابع في حال تدهور الأوضاع هناك، وهو الجيش التركي، ذلك الجيش الذي يتأهب من اللحظة من سواتر مجهزة تتموقع حوالي مدينة الموصل للانقضاض على المدينة (التي قد تكون تكلفتها من الأرواح كتكلفة معركة “ستالين غراد”).
من هذا المنظور، ستدعي تركيا بأنها لا يمكن أن تسمح بتمدد السيطرة الكردية على حدودها، بمعنى أن الموصل ستكون من “المحرمات” على القوات الكردية. وبكلمات أخرى، فإن غاية ما تخشاه تركيا هو بسط الهيمنة الكردية على الموصل وإقليمها، ليس فقط لأن تركيا لم تتخل عن حلم ضم الموصل إلى أراضيها، ذلك الحلم الذي يعود إلى حقبة مابعد الحرب العالمية الأولى، وإنما لأن أنقرة تخشى تمدد الإقليم الكردي (ذا الحكم الذاتي) شمال العراق نحو كل من إقليمي شرقي تركيا (ذي الأغلبية الكردية)، وشمال شرق سوريا (ذي الأقلية الكردية كذلك). وبكلمات أخرى تخشى تركيا من إمكانية التئام الأقاليم التي يسيطر عليها الكرد على سبيل الخدمة نواة لدولة كردية مستقبلية. هذا ما لا تسمح به كل من تركيا وإيران وسوريا والعراق، إلا ان ما هو مربك في هذه المعادلة غير القابلة للحل يتلخص في أن القوات الكردية تحظى بتدريب ودعم لوجستي وعسكري مباشر من اقوى فاعل في الإقليم، أي من الولايات المتحدة الأميركية. لذا يبقى السؤال الذي يقبض الأنفاس هو: إلى أي مدى يمكن أن تحافظ واشنطن على إدامة تحالفها مع القوات الكردية، وهل سيكلفها ذلك تحالفها الأهم مع تركيا والعراق فيما بعد؟ إنه سؤال مؤرق بحق.

إلى الأعلى