الأربعاء 27 سبتمبر 2017 م - ٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اليقظة السياسية للمجتمع ودورها في تحقيق الأمن السياسي الوطني

اليقظة السياسية للمجتمع ودورها في تحقيق الأمن السياسي الوطني

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. ان وجود مجتمع واع ومثقف من الناحية السياسية نتيجة تراكم الخبرة التاريخية الناتجة عن توسع دائرة المشاركة السياسية كما وكيفا، وكذلك من خلال رفع مستوى التعليم الوطني في الجانبين السياسي والقانوني, تساعده على فهم المتغيرات السياسية وبالتالي القدرة على الاختيار والتمييز ما بين العديد من الاختيارات والخيارات التي لا شك انها ستواجه جل المجتمعات المعاصرة كحتمية طبيعية للمتغيرات السياسية العابرة للحدود الوطنية,”
ــــــــــــــــــــــــــــ

لا يمكن أن يتحقق الأمن السياسي في الدولة الوطنية, والذي يعد احد اهم امتدادات الأمن الوطني بشقيه الخارجي والداخلي, اذا افتقد الأفراد في المجتمع لما يطلق عليه باليقظة السياسية, والتي هي امتداد للوعي السياسي الكلي, وهذا الأخير هو شرط نفسي للإدراك والفهم المتعمق وتحقيق اليقظة السياسية لما يمر به الفرد من متغيرات, والمجتمع من متحولات, سواء كانت تلك المتغيرات ذات بعد داخلي أو عابرة للحدود الوطنية, والذي يعد, أي الوعي, العلامة الفارقة بين النوم واليقظة عند الانسان.
وعند برتراندراسل B.Russal في محاولته لتحليل العقل البشري, فإنه يمكن التمييز بين حالة الوعي واللا وعي عند الافراد من خلال طريق الإدراك الحسي او من خلال الذاكرة واسترجاعها للأحداث, او من خلال الافكار وذلك بوسائل التفكير والرؤية, واخيرا يتحقق الوعي من خلال الاعتقاد, عليه وانطلاقا من ذلك, يمكن التأكيد على ان الوعي حالة ذهنية ونفسية قابلة للتكييف والتشكيل والتهيئة والتوجيه والتدريب والبناء المنهجي من خلال وسائل تعليمية وتنموية وتثقيفية وتربوية سياسية.
فللأمن السياسي في الدولة أثران مباشران (الأول زوال ما يهدد كيان السلطة الحاكمة والثاني زوال ما يعيق قدرة الحكومة على الحكم بفعالية).
اضف إلى ذلك اثر الامن السياسي في مواجهة ما يطلق عليه بالحرب النفسية الموجهة للداخل الوطني, بالتالي التقليل من تأثير العوامل المحفزة للتهديدات الموجهة للأمن الوطني الناتجة عن قلة الوعي السياسي او ضعفه او تطرفه بين افراد المجتمع, سواء كانت تهديدات نابعة من الداخل الوطني, او الخارج الدولي, والتي طالما كانت السبب وراء العديد من المشاكل والتحديات والعقبات التي واجهتها العديد من دول العالم, خصوصا المشاكل والأزمات السياسية والتي يقع على رأسها حالات الفوضى السياسية والثورات والانقلابات والتمردات المضادة للسلطة والحكومة, وكذلك خيانة الكثير من الشخصيات ذات النفوذ السياسي والاقتصادي وانقلابهم على انظمتهم السياسية.
وباختصار فإن وجود مجتمع واع ومثقف من الناحية السياسية نتيجة تراكم الخبرة التاريخية الناتجة عن توسع دائرة المشاركة السياسية كما وكيفا, وكذلك من خلال رفع مستوى التعليم الوطني في الجانبين السياسي والقانوني, تساعده على فهم المتغيرات السياسية وبالتالي القدرة على الاختيار والتميز ما بين العديد من الاختيارات والخيارات التي لا شك انها ستواجه جل المجتمعات المعاصرة كحتمية طبيعية للمتغيرات السياسية العابرة للحدود الوطنية , وبالتالي تمكينه بقدر المستطاع من الاختيار السليم والقادر على التميز ما بين العديد من شرور تلك المتغيرات والتحولات السياسية التي ستواجهه بلا شك في مستقبل علاقته مع نظامه السياسي وحكومته التي تدير شؤون حياته.
كما انه ومن جهة اخرى سيقلل من مخاطر الصدام والشقاق والخلافات والتدافع السلبي مع النظام الحاكم والحكومة التي تدير شؤون الدولة والمجتمع, كنتيجة لا شك فيها حين يصل نضح وعي الافراد نتيجة ارتفاع سقف المشاركة السياسية وتقاسم الافراد حمل وعبء ومسؤولية العديد من تلك القرارات مع الحكومة التي تدير شؤون حياتهم , فتلك التشاركية لا شك من انها ستنتج شعوب قادرة على تقدير مسؤوليتها التاريخية وكذلك مقدرة للمسؤولية والتحديات والصعوبات التي يمكن ان تواجه مؤسسات الدولة والمسؤولين القائمين عليها , كما انها ومن جهة اخرى, ستراكم سنوات من الخبرة السياسية والقدرة على التعاطي مع الأحداث والمتغيرات في صناعة السياسات العامة لدى المسؤول نفسه, ما سينتج عنه مسؤولون قادرون على تقدير تلك المتغيرات الخارجية والداخلية لوطنهم وللمجتمع الذي يديرون شؤون معيشة افراده, وسيتمكنون مع تراكم الخبرة التاريخية من التعامل بحرفية مع الشأن العام, وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى رفع قدرة الحكومة ككل على الحكم بفعالية في زمن المتغيرات والمتناقضات والاضطرابات في مختلف المجالات والتوجهات، والأهم من كل ذلك, هو ارتفاع سقف الوعي السياسي الوقائي ضد العديد من المخاطر السياسية والأمنية .
فمن وجهة نظري الشخصية ان المشكلة الرئيسية للعديد من المجتمعات لا تكمن في القدرة او تنحصر على الاختيار ما بين الخيارات المطروحة على الصعيد السياسي في الاوقات العادية كتلك التي تشارك فيها سياسيا, كالانتخابات البرلمانية أو البلدية أو حتى تلك التي يتم من خلالها اختيار رئيس الدولة أو غيرها من اشكال المشاركة السياسية للمجتمع, او في ضغط الرأي العام للتأثير او تغيير بعض القرارات الحكومية وما إلى ذلك , ولكن المشكلة الرئيسية تكمن في قدرة تلك المجتمعات على التميز وحسن الاختيار في اوقات الازمات والتحولات السياسية المفصلية وتصاعد وتيرة الفوضى السياسية التي يمكن ان تصيب تلك المجتمعات والدول وخصوصا في القدرة على التميز ما بين شرين من شرور السياسة ومتغيراتها وتحولاتها العابرة للقارات والحدود الوطنية, وكذلك في قدرتها على الاستجابة الإيجابية لحالات الطوارئ والازمات السياسية التي يمكن ان تواجه كل من السلطة الحاكمة والحكومة التي تدير شؤون حياتها , سواء كانت ذلك في وقت السلم او وقت الحرب.
فالمشاركة السياسية في هذا السياق تقع في طليعة العوامل المساهمة في رفع حالة اليقظة السياسية التي تساهم بشكل كبير في تحقيق الاستقرار السياسي والنظام في المجتمع (مما يؤدي إلى توسيع وتعميق الإحساس بشرعية النظام, كما ان المشاركة تجعل الجماهير اكثر ادراكا لحجم المشاكل المتعلقة بمجتمعهم وبالإمكانيات المتاحة لها, فتفتح بابا للتعاون البناء بين الجماهير والمؤسسات الحكومية, كما ان المشاركة السياسية تزيد من الوعي العام للجماهير وتعود المواطنين على الحرص على المال العام) وهي اسباب رئيسية لتحقيق مفهوم الامن السياسي, وبالتالي زوال ما يهدد كيان السلطة الحاكمة وما يعيق قدرة الحكومة على الحكم بفعالية.
في جانب آخر فإن لليقظة السياسية دورا آخر في تحقيق جانب الأمن السياسي في الدولة الوطنية لا يقل اهمية عن تلك التي يقع على رأسها تحقيق الاستقرار للنظام السياسي والحكومة الوطنية, وهي المحافظة على صلابة وتماسك المجتمع من كل ما يمكن ان يؤثر على الترابط الوطني والوحدة الوطنية في مواجهة ادوات الانكسار والانهزام الوطني فيما يطلق عليها بالحرب النفسية, في مختلف جوانبها, سواء الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية وما إلى ذلك, فالمتتبع على سبيل المثال لأساليب الحرب الإعلامية النفسية المؤثرة في جانب الأمن السياسي وبالتالي الأمن الوطني والقومي يجد أنها ترتكز بشكل رئيسي على الوعي الجماهيري, والذي غالبا ما تشابه في ذلك أسالي بومناهج الطب النفسي للتأثير على المريض, حيث (يُمارس مثل هذا التأثير على خلفية الضجة الإعلامية اوعند حلول فراغ إعلامي وتلجأ الحرب الإعلامية في عمليات هجومها الى أسلوب التنكر وعدم المباشرة وهذا ما يميزها عن الدعاية العادية, وتتخذ الحرب الإعلامية جميع وسائل الإعلام كأدوات لها, وينطوي التأثير الإعلامي على تشويه الحقائق او تأجيج المشاعر لتصب في صالح الطرف الذي يخوضها, وتعتمد الحرب الإعلامية أساساع لى وسيلة التضليل المعلوماتي، او نشر معطيات تخدم أهدافها، تتيح تغير وعي مجتمع الخصم لتقييمه للتطورات الجارية في بلاده، وترسيخ روح ومشاعر الهزيمة في وعيه).
باختصار فإنه لا بد من التنبيه على اهمية رفع مستوى اليقظة السياسية للمجتمع والتأكيد على دورها في تحقيق الامن الوطني والقومي, من خلال الوسائل التي تطرقنا اليها سلفا وغيرها بكل تأكيد مما تناولته بالطرح اقلام اهل الاختصاص في هذا الجانب, خصوصا ان البيئة السلبية وسقف مخاطر المتغيرات والتحولات الدولية العابرة للحدود الوطنية كالإرهاب والفوضى السياسية والتدخل في شؤون الدول تزداد وترتفع كما واتساعا كل يوم , وتقرع نواقيس الخطر منبهة الى مخاطر قادمة على صعيد العلاقة بين الشعوب وأنظمتها السياسية وحكوماتها من جهة, وكذلك حيال العديد من قضايا العلاقة ذات الصلة برابطة الولاء والانتماء والثقة الجماهيرية والتناغم بين المواطنين ومؤسسات الدولة والمسؤولين القائمين عليها من جهة اخرى.

محمد بن سعيد الفطيسي باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية azzammohd@hotmail.com تويتر – MSHD999@

إلى الأعلى