الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ

رحاب

أحمد المعشني

الذين يحاكمون أخلاق الآخرين
**
تجمعني الورش التدريبية والمحاضرات العلمية بشرائح مختلفة من المجتمع، وتضطرني الموضوعات الإجتماعية والتربوية والإقتصادية أن أفتح المجال للأسئلة والمناقشات وإبداء الرأي، وفي أغلب الأوقات ينطلق الناس الذين تجمني ظروفي بهم من الحكم المسبق بصعوبة الظروف، وأن الثروة متركزة في يد فئة قليلة من أبناء المجتمع، وأن الواسطة داء عضال وما إلى ذلك من أحكام وتصنيفات تلغي دور الفرد وتبرر له تخلفه وعدم نزوعه للقيام بواجباته كمواطن وكإنسان يتمتع بجميع مقومات القرار والمسؤولية الكاملة. إن الفرد الذي يفسر ويحكم ويصنف الناس إلى ابرياء ومتهمين، إلى شرفاء ولصوص هو إنسان غير سوي، لأن الإنسان الأخلاقي لا يحاكم أخلاق الآخرين. كما أن الإنسان الحكيم يبذل قصارى جهده للنهوض بنفسه وأسرته وعمله قبل أن يتصدى للحكم على الشؤون العامة وظروف المجتمع. هناك مؤسسات مجتمع مدني تقوم بهذا الدور متمثلة في مجلس الشورى والمجالس البلدية والجمعيات والمؤسسات، واذا طلع هناك من يتهم هذه المؤسسات بالقصور، فهي انعكاس لحالة ومستوى وظروف المجتمع من قبيل قاعدة “كما تكونوا يولى عليكم” إن المجتمعات التي يكثر فيها الجدل البيزنطي لا يمكن أن تتقدم، فالإنسان المشغول بالنقد مسكون بهواجس سلبية تصرفه عن عمله وعن الابداع والمساهمة بشيء مفيد. بالأمس قابلت شابا يدعي أنه ناشط سياسي، تقوده قناعاته السلبية فلا يرى في الحياة إلا وجها مظلما، ينظر إلى الأمور من زاوية ضيقة جدا؛ متناسيا أن الحياة قائمة على تمازج ثنائية الخير والشر والإيجابية والسلبية، وأن دورنا نحن البشر أن نناضل من أجل زيادة مساحة الخير فيها، دون أن نستطيع تحويل العالم إلى عالم أفلاطوني صرف، وبهذه الثنائية تتمايز المواقف وتتمايز عن بعضها الأضداد. عليك أن تتفقد اتجاهاتك ومواقفك، فهي الخريطة التي تسير عليها حياتك، تحركها قناعاتك، فكما ترى العالم من حولك سوف يكون موقعك منه، وسوف يكون تعاملك مع ذاتك والآخرين وفقا لتلك الرؤية. أعرف رجلا أميا لايقرأ ولا يكتب لكنه ناجح جدا، في الماضي كنت أعتقد أنه ولد محظوظا، لكنني عندما درست تأثير معتقدات الناس وتأثيرها في مفهومهم الذاتي وفي صناعة أقدارهم في الحياة أدركت أن منظومة معتقدات ذلك الرجل هي سر نجاحه في التجارة ونجاحه في التواصل مع ذاته ومع الآخرين، فهو يتحرك بلا عقد وبلا عاهات نفسية، فهم متحرر، طليق، حر تماما مما يقيد الناس ويعيق حركتهم ونشاطهم. استطاع ذلك الرجل الأمي أن ينشيء مجموعة شركات، يعمل فيها عدد من حملة الشهادات العلمية العليا، في الهندسة والتجارة وفي مختلف المجالات، وعندما أستمع اليه وهو يتحدث لا أكاد أخرج بجملة مفيدة، لكنه يعتقد في ذاته الكفاءة ويتصرف وفقا لهذا الاعتقاد، يتحدث الإنجليزية، وفي حقيقة الأمر لو استمع إليه أي متحدث بهذه اللغة سيدرك فورا أن الرجل يتحدث بلغة أخرى من صناعته، وبما أن اللغة نشاط اجتماعي فقد صارت لغته وبدون قصد منه لغة خاصة بشركاته يفهما من يتعاملون معه، فالرجل مسكون بمعتقدات النجاح ولا شيء سوى النجاح؛ ضاربا عرض الحائط بكل الذين يبحثون عن عيوب الآخرين، ويجمعون ملصقات الأخطاء كالكلمات المتقاطعة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن شغلته عيوب نفسه عن عيوب غيره. وصدق عمر رضي الله عنه القائل ذكر الله شفاء وذكر عيوب الناس داء. فالحكيم من ركز تفكيره وعقله وجهده في العمل المفيد وأعرض عن التشهير بالناس والمؤسسات وتتبع عوراته. فالأمة التي تتبادل الاتهامات لا يمكن أن تنهض، بينما الأمة التي تبحث عما لديها من قدرات وطاقات وموارد وابداع هي التي تنهض.

إلى الأعلى