الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أحلام اللاجئين في قارة المن والسلوى

أحلام اللاجئين في قارة المن والسلوى

كاظم الموسوي

” .. تناقلت وكالات الأنباء خبرا
( في الشهر الاول من هذا العام 2016) لم يدرس جيدا او لم يراع بتفاصيله ويتابع لخطورته وأهميته. هذا الخبر يقول: اكثر من عشرة آلاف طفل لاجئ او من اطفال اللاجئين، مفقود في اوروبا. هل هذا الرقم بسيط، وأين ذهب هؤلاء، ولماذا لم تجر التحريات بشأنهم ومعرفة مصيرهم، ومن المسؤول عنهم؟!.. وأسئلة كثيرة قد لا تغطيها صفحات..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اغلب اللاجئين اضطروا لترك بلادهم ومرابعهم وديارهم، والأسباب كثيرة ولم تعد بحاجة الى تفسير او تبرير. ولكن هناك منهم وبينهم ومعهم من وقع في احلام الهجرة الى جنة المن والسلوى. لاسيما من له معارف وأقارب سبقوه اليها. وعادوا منها في زيارات اعتيادية. واغلب هؤلاء يبالغون فيما رأوه وعاشوه. ويصورون الأمور بما يخالفها واقعا وحقيقة، ويصنعون من الحبة كبة، كما يقال في الامثال، انعكاسا لحالات نفسية، ربما اكثرها مرضية، وحالات خاصة عند اغلبية مهاجرة من منطقتنا خصوصا. لم تعط صورة واقعية وصادقة عن بلاد المهجر، وأوروبا مثلا، وهل هي جنة المن والسلوى فعلا؟!. وهذا ما جعل الهجرة، اضطرارا او اختيارا، مسارا آخر او فرصة للدول والحكومات التي تتحكم هي بما حصل ويحصل، سواء في بلدان المهاجرين او في بلدان المهجر.
بلا شك وبدون تردد البلدان الاوروبية متقدمة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا عن بلداننا. وقد تطورت فيها اساليب الحكم والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وانتظمت فيها الحياة اليومية للمواطن وحقوق الإنسان والعدالة والرفاه الاجتماعي، عبر نضال وطني وكفاح شعبي سجلته صفحات تاريخ كل بلد من بلدان القارة. (بالرغم من الصفحات السوداء في سجلها!) وقد تكون هي السبب المخفي وراء المبالغات التي يحملها المهاجرون الجدد عنها، لجهل او عدم معرفة او نقص في المعلومات وقراءة تاريخ البلدان والشعوب وحركتها خلال العصور والحقب الزمنية. وتراكمت عندها خبر ودروس تاريخية وتطورت احوالها على مختلف الصعد بناءً على تلك المراحل والتغيرات. فضلا عن التناقضات بين البيئات التي انتقل المهاجر منها وما واجهه في تلك القارة الجديدة عنده. الامر اذي يجعل المقارنة مجحفة أو غير عادلة بأحسن الظروف والمجالات. ولكن ليس كل الامور كما ترى مباشرة او كما هي بصورتها المكشوفة او بواجهتها المعلنة.
تناقلت وكالات الانباء خبرا ( في الشهر الاول من هذا العام 2016) لم يدرس جيدا او لم يراع بتفاصيله ويتابع لخطورته وأهميته. هذا الخبر يقول: اكثر من عشرة آلاف طفل لاجئ او من اطفال اللاجئين، مفقود في اوروبا. هل هذا الرقم بسيط، وأين ذهب هؤلاء، ولماذا لم تجر التحريات بشأنهم ومعرفة مصيرهم، ومن المسؤول عنهم؟!.. وأسئلة كثيرة قد لا تغطيها صفحات.. وأفادت الاخبار ايضا كما نشرت حينها واختفت بعدها، ان ملفات قضية أطفال اللاجئين من أبرز الملفات المطروحة في المحافل الدولية خصوصا لما يعانيه هؤلاء من أزمات نفسية جراء رحلة اللجوء المحفوفة بالمخاطر والاستغلال، للوصول إلى قارة أوروبا، ولكن كيف انتهت وماذا توصلت هذه الملفات والقضية والدول التي فقد فيها الأطفال؟.
أصل الخبر نقلا عن تصريح لقائد جهاز الشرطة في الاتحاد الأوروبي (اليوروبول)، بريان دونالد: أن آلاف القصر اختفوا ولم يعثر عليهم بعد تسجيل معلوماتهم لدى سلطات الدولة. وكشف المسؤول الأمني أن 5000 طفل فقدوا في إيطاليا، و1000 قاصر اختفوا مؤخرا في السويد، مؤكدا أنهم لا يعلمون بالفعل أين هم الآن وماذا يفعلون ومن يرافقهم. وتحدث دونالد عن 270.000 طفل لاجئ، وجميعهم لا يرافقهم أهلهم، مشيرا إلى أن 10 آلاف طفل مفقود هو عدد تقديري لهم وتبقى التقديرات نسبية لغياب إحصاءات رسمية.
والأفظع في الأمر ان المسؤول في جهاز الشرطة في الاتحاد الأوروبي اكد في تصريحه المنشور في الإعلام أنهم عثروا على أدلة تشير إلى تعرض بعض الأطفال اللاجئين الذين لا ترافقهم عائلاتهم للاستغلال الجنسي، لافتا إلى اعتقال أعداد كبيرة من المتورطين في استغلال اللاجئين خاصة مع تطور المنظومة الإجرامية المرتبطة بملف الهجرة إلى أوروبا خلال الأشهر الـ 18 الماضية. كما وثقت وكالة الشرطة تشابكا مثيرا للقلق بين عصابات منظمة لتهريب اللاجئين إلى أوروبا وعصابات للاتجار بالبشر الذين يستغلونهم جنسيا ويستعبدونهم. ولكن السؤال القائم: ما هو مصير الاطفال بعد ذلك؟ وأين اصبحوا؟ ولماذا يفقدون في دول محكومة بأنظمة وقوانين وأجهزة استخبارية وغيرها؟، فضلا عن ان الرقم المذكور ليس قليلا ولا يمكن ان يتبخر او يختفي بهذه السهولة والإهمال والتقصير والتهاون.. وهؤلاء الضحايا لم يخسروا حياتهم فقط او احلامهم بل وأحلام وخيالات اهاليهم وعوائلهم التي تضرب بالرقم عشرات اخرى. اي ان المأساة اكثر من مضاعفة واكبر من محنة او كارثة انسانية في قارة المن والسلوى.
رغم كل الصعوبات التي تعترض الاحلام في الوصول الى القارة فقد سعى عديدون ووصلوا الى القارة، ولكن واجهوا صعوبات اشد وأمض حسب تقرير لمنظمة الهجرة الدولية في العراق بناء على دراسة نوعية، وفق 14 مناقشة جماعية تم عقدها مع 86 عراقيا هاجروا إلى أوروبا في عام 2015 وعادوا لاحقا إلى بلادهم، وتم عقد المناقشات الجماعية في بغداد وإقليم كردستان العراق خلال الفترة ما بين شهري اذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2016 من خلال برنامج المنظمة الدولية للهجرة للعودة الطوعية وإعادة الإدماج. وأضاف التقرير “معظم المهاجرين يعتقدون أن الحياة في أوروبا بطريقة ما قد تبدو حياة مثالية، ولكن الواقع أكثر صعوبة مما كانوا قد توقعوا. وكانت الأسباب الرئيسية للشعور بخيبة الأمل والإحباط هي الانتظار الطويل وعدم القدرة على التنبؤ فيما يخص عملية طلب اللجوء، تليها الظروف المعيشية، والتي كانت تعتمد على نظام الاستقبال في بلد المقصد”. وبيّن التقرير ان الأسباب الرئيسية الثلاثة الخاصة بالعودة إلى العراق، بالإضافة إلى طول الوقت في انتظار الاستجابة لطلب اللجوء، قد تكون: النتيجة غير مضمونة من جهة، ومن جهة أخرى عدم قدرة المهاجرين على دعم أنفسهم في الخارج أو أسرهم في الوطن، وكذلك الشعور بخيبة الأمل مع مجمل التجربة في أوروبا، والعودة غير المتوقعة إلى العراق بسبب الظروف العائلية المأساوية أو الاستثنائية.
لاشك ان هذا التقرير وغيره دراسات مهمة ولكنها ليست التعبير الحقيقي عن مشاعر المهاجرين وأحلامهم والوعود التي بنوا عليها او دفعتهم الى الهجرة، اضافة الى الاسباب والدوافع القسرية الأخرى.
هل هي مجرد احلام فعلا؟ ولماذا لا نحققها في اوطاننا وفيها من الخيرات والطاقات البشرية والطبيعية ما يفوق ما لدى القارة في ازمان من تاريخها؟، ومتى نبني اوطاننا ونتنافس مع الآخرين ولو حتى في الأحلام؟!.

إلى الأعلى