الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : المفاوضات من أجل المفاوضات !

باختصار : المفاوضات من أجل المفاوضات !

زهير ماجد

ثمة نظرية عشناها تقول بالفن من أجل الفن أو الأدب من أجل الأدب، فيما هنالك نظرية معاكسة تقول بالأدب الملتزم والفن الذي هو في خدمة قضية ومستوحى منها .. أما إن تقول التفاوض من أجل التفاوض فتلك أيضا نظرية لا تؤدي الى نتيجة، بل رهان على الوقت وانعاش الحالة القائمة، فاذا كانت صراعا سياسيا فمن أجل الاستمرار فيه، واذا كانت معارك عسكرية فمن اجل استمرارها ايضا.
اذا احصينا مثلا عدد المرات التي التقى فيها الوزيران الروسي لافروف والأميركي جون كيري فقد نصل الى رقم كبير قد لا نصدق انه حصل، فمنذ سنوات الحرب على سوريا، واللقاء اثر اللقاء، والتفاوض يجر الى تفاوض، والكلام ذاته ولو بطريقة مختلفة يمهد لمرحلة أخرى. إضافة إلى أن الطرفين يشعران بعمق الفعل المرتكب، وبالفراغ الذي تحاك حوله المفاوضات، وبالنتائج، ومع ذلك يخرجان الى عالم الاعلام ليتحدثا عن انجاز، او في احسن الاحوال عن كلمة سحرية تتردد دائما وهي نجاح المباحثات، او انهما التقيا وكان كل شيء ممتازا .
لايعرف من هو المعطل لنجاح المفاوضات عادة سوى المتضرر او الذي يريد مكاسب أكثر .. ليس مهما في حالة كسوريا ان يموت الناس ويتعذبون، ويجن الأطفال من كابوس أصوات الرصاص والمدافع واحساسهم بقلق أهاليهم وغيره من الصور المؤلمة، وكذلك حال العراق وليبيا واليمن، لأن المهم ان يحقق طرف ما مكسبا في الميدان كي يوظفه في السياسة، واذا لم يحقق مبتغاه فسيظل يحارب إلى مالانهاية. والمشكلة أو الأزمة الخانقة، ان دخول الحرب سوف لا تعني تحقيق نجاحات فورية، بل على العكس، فأحيانا تتداخل عناصر لصالح الطرف الآخر تجعله في موقع أقوى ، وبالتالي القادر على فرض شروطه.
نشعر بالأسى ونحن نرى النزيف الدموي والعذاب الذي يعانيه الناس والخراب الذي يأكل البيوت والممتلكات، وعيون الاطفال المسمرة من الخوف، وتوقف الحياة الطبيعية بانتقالها الى جحيم متكرر بشكل يومي، لكن من يقود الحروب عادة لاتهمه تلك الامور، هو لا يريد غير النتائج، دخلها لهذا السبب، واذا لم يتحقق له ما يريد فلن يتراجع، وليكن ما يكون، لا أحد يريد الخسارة مهما كان نوعها، ولا أحد يريد رهن مستقبله على قاعدة القبول بنتائج تمس مستقبله. من هنا تطول الحروب وتتعاظم، تبدأ فصلا بسيطا ثم تتحول الى كارثة غير محتملة، احيانا تبدأ بالكلام، ثم تتطور لتصير نمط حياة، كلما طال أمدها، صارلها معنى سياسي، لكن جوهرها الحقيقي ان طرفي النزاع لايريدون التنازل، ولتأخذ المفاوضات العبثية كل الزمن الطويل او القصير، لاهم، وليمت الآلاف وربما الملايين، مثلما كانت حرب فيتنام او حرب تحرير الجزائر او حرب لبنان، او حرب سوريا الان وكذلك العراق وليبيا ,,
ستظل المفاوضات تجتر المفاوضات الى ان يحين قطاف نتيجة ما او تنازل الأفرقاء كل عن نقطة او نقاط .. اما اذا لم يحصل ذلك، فهنالك نوع من الحروب التي تفقد أهدافها لكنها تظل مشتعلة، ولدينا دليل في ما نراه في أكثر من مكان، طالما أن الطرف الرئيسي فيها يريد حسما لصالحه، وقد بات يعرف استحالة حصوله على ما يريد بهذه الطريقة التي تجعل احيانا الطرف المقابل اقوى في مواقفه رغم خسائره المادية والبشرية.

إلى الأعلى