الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : رقم مخيف

باختصار : رقم مخيف

زهير ماجد

كانت الطفولة حلما رومانسيا نتغنى بجماله وتركيبته التي ينفرد بها كعمر وردي له احلامه وتفاعلاته واهتماماته وصدقه المميز. كان خوفنا على اطفالنا مبررا دائما لأنهم عجينة لينة تعطي البيت نكهة لا مثيل لها، اضافة إلى كونهم الوريث الشرعي لنا ضمن لعبة الاجيال.
اليوم نكتشف امر تلك الطفولة والعذاب الذي تعيشه والحصار الذي وقعت فيه ولم تخرج منه بسهولة. انها الحروب التي دفعت اكثر من خمسين مليون طفل الى ” الاقتلاع من جذورهم ” كما تقول مؤسسة اليونسيف بسبب تلك اللعنة الدائرة. لا شك ان مشهد الاطفال وهم يساقون خارج بلادهم ومحيطهم، يشعرنا بالقلق على مستقبل البشرية جمعاء. طفولة لا تفقه من علم اللحظة سوى انها استجابة للاهل ولإرادتهم وخيارهم .. فإذا ببعضهم مرميون على الشواطئ جثة هامدة كما آالمتنا صورة ايلان الذي لفظه البحر.
حدث مثل هذا في كل زمن الحروب التي تنزل لعنة على الطفولة .. عرفناه اثناء الحرب العالمية الثانية مشاهد مؤثرة في ” بلد بوشكين وتولستوي ” كما سماه ستالين .. ورأيناه في الحرب الاميركية على فيتنام، فاندفع القائد العظيم هوشي منه في وصيته ان تكون فقط “الى اطفال بلادي ” فيتنام. وكم حدثت في الجزائر ابان حرب تحريرها، وتحدث اليوم في سوريا والعراق .. وستحدث غدا في اي مكان. يلعبها الكبار ويجنيها الصغار، شراسة الكبار يحصدها الصغار، كذب الكبار يتحمله براءة الاطفال.
نكتب كلماتنا عتبا على العالم الذي يرى فيغلق عينيه، ويسمع آهات الطفولة فيسد اذنيه، وفي لحظة التكاذب على حقوق الإنسان والطفولة اساسه، نرى دموع تماسيح، ووجوها تبدي تأثرا لم تصل معالمه خارج الجلود التي فرغت من اي احساس. انه العالم الذي يعلمنا مبادئ انسانية لا نراها ابدا، يقص علينا بكلمات مغناة، فإذا بها كلمات جوفاء تم تردادها بعقل بارد.
مسكين طفلنا العربي الذي ترمى فوق رأسه كل انواع ادوات القتل لتفتك بجسده الطري ولتأخذ منه زهوة عمر لم يبدأ. فهذا اليمني، وذاك السوري والعراقي، ثم الليبي، بل كل الاطفال الآخرين المرشحين لأن يكونوا ضمن قافلة الموت ساعة تشاء الإرادة الدولية أو لعبة الأمم المبجلة التي لا تنسى ابدا ان تضع مصالحها فوق كل ارادة، وروح الاطفال في طليعتها.
ليس زمننا مميزا طفوليا، هو التاريخ الانساني العابث بكل شيء ولا يهمه اي شيء، هي محنة الضعفاء الذين تتحول حياتهم الى تجارب الاقوياء، نحن نرى ونعيش ونلمس، لكننا نقرأ في التاريخ صورا مشابهة لهذا الواضح امام عيوننا. وستظل اللعبة قائمة طالما ان الصراع البشري يحاصر الانسان في كل مكان، ويعبث به كمملوك يجوز التصرف بحياته كيفما يكون. فهل يتغير الصراع الانساني وهل هنالك وسيلة للوقوف بوجهه. اعتقد ان بالإمكان تحقيق ذلك لو غيرنا دم الانسان ووضعنا مكانه سائلا آخر كما يقول تولوستوي، لكن هذا لن يحصل وهو استحالة تماما.
الانسانية اذن مرصودة دائما للحروب والتهجير والنزوح، والطفل في الطليعة من كل هذا، وافعل العذاب في النفس حين نرى اطفالنا هائمين على وجوههم يبحثون في عيون آبائهم عن سلام لن يرونه.

إلى الأعلى