الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : الجديد في البوركيني

في الحدث : الجديد في البوركيني

طارق أشقر

حمل قرار مجلس الدولة الفرنسي الأخير بشأن (تعليق) قرارات العديد من البلديات الفرنسية (بحظر) لباس البحر النسائي المسمى (البوركيني) العديد من الدلالات تتعلق بمستوى تفاعل المجتمع الفرنسي مع أحد أهم القضايا الاجتماعية الثقافية التي تهم قطاعاً عريضاً من المجتمع ذلك المجتمع خصوصا المسلمين منهم.
لقد جاء قرار المجلس الذي يعتبر أعلى هيئة قضائية في فرنسا مؤكداً على رسوخ مبادئ الثورة الفرنسية التي أكدت على أن حرية الانسان مبدأ أصيل من مبادئها، إلا انه ما زال يواجه مقاومة التيارات الجديدة من المتفلتين من اليمينيين المتطرفين الذين علا صوتهم مؤخراً في اوروبا متحججين بحرصهم على حماية الثقافة المحلية الفرنسية، مما أدى الى وصول عدد البلديات التي حظرت البوركيني إلى ثلاثين بلدية فرنسية.
وبينما يعتبر (البوركيني) بأنه لباس سباحة نسائي ساتر لجسم المرأة تم تطويره بدلا عن لباس البحر التقليدي المعروف باسم (البكيني) وأصبح استخدامه شائعاً بين المسلمات من المواطنات الفرنسيات وغيرهن من ذوات الظروف الصحية الخاصة او القناعات الشخصية التي تمنعهن ارتداء (البكيني)، وقوبل بقرارات تمنعه رسميًّا، فإن قرار مجلس الدولة بتعليق تلك القرارات المانعة يكشف عن مدى قدرة المسلمين في اوروبا على استخدام القنوات الرسمية بشكل حضاري لتوصيل صوتهم عبر القنوات القانونية لتضمن وتصون لهم حقوقهم دون اللجوء إلى ممارسات مرفوضة قد تعمق الكراهية ضدهم.
ورغم أن التدخل الرسمي في اسلوب حياة المرأة المسلمة في فرنسا لا يعتبر جديداً مع سابقة منعها من ارتداء الحجاب والنقاب في المدارس وغيرها بحجج منها الأمني ومنها الشوفيني او بحجة حماية الثقافة الفرنسية، الا ان قرار مجلس الدولة الأخير بمعارضة الموجة الحديثة من التدخل في حياة المرأة المسلمة في فرنسا، يدل على تطور مستوى التعاطي الدستوري مع حياة قطاع يصعب تجاهله ضمن التركيبة الديمجرافية للمجتمع الفرنسي.
كما يمكن ان يشير هذا التطور الرسمي الايجابي ايضا الى ان الحكومة الفرنسية أدركت بأن ما يعرض الثقافة الفرنسية للخطر هو ليس ارتداء البوركيني أو غيره، بل هو التعدي على الحريات الشخصية في مجتمع رفع راية الحرية الفردية وظل مدافعا عنها، لذلك كان بديهيًّا أن يحرص مجلس الدولة الفرنسي على سد الذرائع أمام أي فرصة من فرص ظهور النزعات العنصرية البغيضة في مجتمع المفروض أن مبادئ ثورته تؤمن بالمساواة بين الجميع.
كما يعتبر المراقبون ايضا بأن الجديد في أزمة البوركيني – أي قرار مجلس الدولة الفرنسي بتعليق قرارات منعه في الشواطئ الفرنسية – يمكن اعتباره دفعة في اتجاه مساعدة قطاعات كبيرة من المواطنين الفرنسيين ذوي الاصول الشمال أفريقية على الاندماج الكامل في المجتمع ذي الاصول الاوروبية – على المدى القريب على أقل تقدير – فضلا عن بث رسالة بينهم بأن حقوقهم مصونة رغم الشروخ النفسية التي اصيبوا بها جراء قرار تدخل بعض البلديات في اساليب ممارسة حياتهم الشخصية في مجتمع يفترض أنه يرفض هذا السلوك.
عليه وكيفما كانت النتائج المجتمعية الايجابية المرجوة من القرار الرسمي الأخير لصالح المرأة ذات الثقافة الشرقية في المجتمع الفرنسي، الا ان مجرد اقدام بعض البلديات بمنع لباس محدد ساد استخدامه بينهم يشكل تحديا مستقبليا كامناً للاعداد الكبيرة من اللاجئين العرب الذين ما زالوا يتدفقون بكثافة في اتجاه أوروبا، مما يعني ان تكيفهم في تلك المجتمعات ربما تواجهه الكثير من التحديات المستقبلية، وذلك بسبب حالة الفوبيا من الثقافة الشرقية التي بدأت تسود في الغرب بشكل عام.

طارق أشقر من اسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى