السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أزمة الثقة في عصرنا

أزمة الثقة في عصرنا

د. فايز رشيد

”تفيدنا الثقة بأنها تعزز لدينا احترام الذات واحترام الآخرين، وغياب الثقة في شخص أو جهة تجبرك على عدم الثقة فيه. الثقة متعددة المجالات, في السياسة, الاقتصاد وفي الاجتماع وفي العلاقات, فمفهوم الثقة السياسية هو أحد المفاهيم المهمة في ظل ما تشهده العديد من الدول من أزمات , واتساع فجوة الثقة السياسية بينها وبين المواطنين، فضلاً عن اتساع دوائر عدم الثقة بين أفراد المجتمع.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يسألك مثلنا العربي الرائع ما مضمونه, أتعرف فلانا؟ تجيب : نعم, أعرفه. يسألك من جديد: هل جرّبته؟ تجيب : كلا. يقول لك المثل مستأنفا حواريته: إذن لا تعرفه. إنها حوارية بسيطة, تعبر عن أهمية التجربة في كل زمن, وبخاصة في زمننا الحاضر, زمن النفاق, الفهلوة, وامتلاك عدة أقنعة للوجه في اليوم الواحد تبعا لما يقتضي الموقف. إنه زمن فقدان ثقتك في عديدين من (الأصدقاء), هؤلاء ممن يفترض فيهم أصدقاء, وهم يكنون لك العداوة. هؤلاء المفروضون عليك دون اختيارك, في شركة العمل, في جيرة البيت, في جمعية أو حزب قد تنتمي إليها/إليه!. البعض لا يريدون أن يرحموك, ولا يريدون لرحمة الله النزول عليك. هؤلاء يلاحقونك في كل موقع يرشحك له آخرون من الجهات المعنية.
بالفعل, قد تدفعك الحياة بظروفها ومواقفها إلى التعرف على الكثير من الناس, فمنهم من يكون عابر سبيل , ومنهم من يقف إلى جانبك مهما كانت الظروف, فتزداد ثقتك به. ومنهم من يخذلك في منتصف الطريق فيغرس في قلبك جرحا لن تنساه مدى الدهر. الثقة إذا اهتزت في شخص, لن تعود كما كانت مثلها, تماما كالكأس حالما تنكسر, لن تعود أبداً كما كانت حتى وإن أصلحتها, فالثقة العمياء والحالة هذه, هي التي ستجعلك تعاني لسذاجتك, فليس كل الناس ملائكة! لذلك يقول الشاعر المبدع المرحوم عبدالله الفيصل في قصيدته “ثورة الشك”: أكاد أشك في نفسي.. لأني أكاد أشك فيك, وأنت مني. إن أغلب من يؤذوننا أولئك الذين أحببناهم وأعطيناهم ثقة عمياء, وخذلونا !ففي زمننا هذا تعتبر الثقة ضعفًا يجب عليك التخلص منه, فليس كل الناس يستحقون الثقة أوحتى الاهتمام.
لقد اختلف العديد من العلماء في تعريفهم لمفهوم الثقة، حيث عرف البعض, الثقة بأنها جزء من النسيج الاجتماعي والمعرفي في أي مجتمع. كما تشير العديد من الأدبيات إلى أنها أحد أهم مكونات رأس المال الاجتماعي. وتُعدُّ الثقة علاقة تفاعلية وبناءً تنظيميًّا مُعقَّداً بين طرفين أو أكثر، حيث تنشأ من الحاجة الملحة للتفاعل مع أفراد المجتمع، وما تتطلبه هذه العلاقة من الاعتماد علي الآخر لتحقيق هدف معين، ولكي تنشأ هذه الثقة لا بد أن تكون العلاقة بين الطرفين خالية من القلق، وتعرف الثقة علي أنها الوثوق أو اعتماد علي قدرة أو مشاركة شخص ما.
تفيدنا الثقة بأنها تعزز لدينا احترام الذات واحترام الآخرين، وغياب الثقة في شخص أو جهة تجبرك على عدم الثقة فيه. الثقة متعددة المجالات, في السياسة, الاقتصاد وفي الاجتماع وفي العلاقات, فمفهوم الثقة السياسية هو أحد المفاهيم المهمة في ظل ما تشهده العديد من الدول من أزمات, واتساع فجوة الثقة السياسية بينها وبين المواطنين، فضلاً عن اتساع دوائر عدم الثقة بين أفراد المجتمع. دراسات كثيرة تطرق إلى الثقة السيكولوجية والشخصية ,مروراً بالثقة الاجتماعية وعلاقتها برأس المال الاجتماعي, دون التطرق إلى مفهوم الثقة السياسية. نعم, أصبح لزاماً على دارسي العلوم السياسية خاصةً المتخصصين منهم في مجال النظم السياسية, التطرق إلى مفهوم وأبعاد الثقة السياسية وغيرها من المفاهيم ذات الصلة، والتي تدور في إطار موضوع الثقة السياسية بين المواطن والحكومة، والتعرف على أسباب انخفاض درجة الثقة السياسية، وكيفية بنائها. تمثل الثقة جزءاً جوهريًّا من برامج البحث في العلوم الاجتماعية ، حيث أجمع علماء الاجتماع في الكثير من الأدبيات على أهمية بناء هذه الثقة.
لقد أشارت الأمم المتحدة في مؤتمرها حول “بناء الثقة في الحكومة” في فيينا عام 2006 إلى أن الثقة السياسية تشير إلى وجود توافق في الآراء فيما بين أفراد المجتمع, حول القيم والأولويات والاختلافات المشتركة، وعلى القبول الضمني للمجتمع الذي يعيشون فيه، كما تشير أيضا إلي توقعات المواطنين لنمط الحكومة, التي ينبغي أن تكون عليه، وكيف ينبغي للحكومة أن تعمل وتتفاعل مع المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، ومع مجموع المواطنين وسلوك الموظفين المدنيين.
تتولد الثقة عموما من خلال شبكة العلاقات التفاعلية مع الأفراد ومع المجتمع أيضا. تمنياتي للجميع بثقة متبادلة لكل منهم, وبالفعل,إن من يُثق هم غالبية الصداقات,المدقق فيها جيدا, أما خائنو الثقة, فهم أقلاء, وهؤلاء لا يخونون سوى أنفسهم.

إلى الأعلى