الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الاحتلال التركي لسوريا

الاحتلال التركي لسوريا

أحمد مصطفى

”صحيح انه لم يبق طرف لم يتدخل في الحرب في سوريا، مباشرة او بشكل غير مباشر، ولكل طرف بالطبع حساباته ومصالحه التي لا علاقة لها في الأغلب بمصلحة سوريا والسوريين. وصحيح أن التدخل التركي منذ بداية الأزمة لم يكن أكثر من تقاطع مع هذا الطرف أو ذاك، أو ضمن هذا الحلف أو ذلك. مع ذلك، فلم يكن أي جهد تركي إلا متسقا مع مطامعها الأساسية في اقتطاع جزء من سوريا…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكثر ما يثير الاستغراب والتعجب هو تهليل البعض للاحتلال التركي لأجزاء من سوريا في الأيام الأخيرة باعتباره انتصارا غير مسبوق لم يقدر عليه كل من ساهموا في تأجيج الحرب السورية بالدعم المالي واللوجيستي من أنصار النظام إلى أنصار المعارضة. ويسوق الاحتلال التركي لشمال سوريا ـ للأسف ـ باعتباره ثمرة تفاهمات تركية مع روسيا وإيران، وحتى النظام السوري في دمشق، وكأنما نفض بقية الأطراف الذين أنفقوا المال والجهد منذ بداية الحرب أيديهم منها وتركوها للاعبين اقليميين ولاعب دولي. ومرة أخرى نجد أكثر من اغتبطوا بالاحتلال التركي لبلد عربي هم الإخوان (ليس إخوان سوريا فحسب، بل تنظيم الإخوان عامة والذي ما زال يعتبر اسطنبول عاصمة تنظيمه الدولي). وبداية، لا بد من تنقية التصريحات الرسمية من شعارات “الاستهلاك المحلي” من قبيل أن تركيا “نشطت في الحرب على داعش في سوريا”.
فتركيا لا تستهدف داعش في سوريا، بل إن بعض العناصر من القوة التي دفعت بها عبر الحدود (1800 من المقاتلين السوريين يوصفون بأنهم من “الجيش الحر”) هم من مقاتلي داعش والنصرة وغيرهما من الجماعات الإرهابية قبل انتقالهم للإقامة في تركيا. إنما تستهدف تركيا الأكراد، الذين تقصدهم حين تقول “الحرب على الإرهاب”، وفي الخلفية بالأساس مطامعها في سوريا منذ بداية الصراع. ولم يكن فتح الأتراك بلادهم وحدودهم لتنظيم داعش وغيره من الجماعات الإرهابية وتسهيل انضمام المقاتلين الأجانب وتوصيل الدعم المادي واللوجيستي سوى خطوات في إطار تحقيق مطامعها. لا تقف تلك المطامع عند حد “درء الخطر الكردي” بل تتجاوزه إلى حد إضافة قطع أخرى من سوريا مثل لواء الإسكندرون التركي المقتطع من سوريا في مرحلة سابقة من رسم خريطة المنطقة.
بغض النظر عما جرى داخليا في تركيا من محاولة انقلاب فاشلة، وما سبقها وتلاها من تغيير في سياسة تركيا الخارجية بالانفتاح ثانية على اسرائيل وروسيا وإيران، فإن الطموح التركي في سوريا لم يخمد منذ بداية الحرب المدمرة في هذا البلد العربي. فمع توسع تدخل الأطراف الإقليمية والدولية في الأزمة السورية وانفتاح الصراع بالسلاح والمال بين تلك القوى، الداعم منها للنظام والداعم منها للمعارضة، وجدت تركيا فرصة لتوسعة حدودها الممتدة مع شمال سوريا. في البداية سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لدفع القوى الدولية والإقليمية المؤيدة للمعارضة لفرض منطقة حظر طيران في شمال سوريا ولم ينجح. ثم كان هدف إقامة ما يسميه الأتراك “منطقة آمنة” بعمق 30 كيلومترا داخل سوريا وبطول الحدود مع الجارة الشمالية، ولم ينجح ذلك ايضا. ولم يكن السبب في عدم تحقيق تلك الطموحات أنها بالأساس تعني أن “يعطي من لا يملك لمن لا يستحق”، فكل الأطراف ليست بحريصة على وحدة الأراضي السورية وعلى عودة سوريا دولة قوية كما نسمع في تصريحات الجميع. إنما لم تكن تقاطعات المصالح توفر تلك الفرصة لتحقيق المطامع التركية.
وبعد التدخل العسكري الروسي المباشر في الصراع في سوريا، بدا أن المطامع التركية تتبخر ما استدعى كل تلك التحولات المتسارعة في سياسة أنقرة بما في ذلك خطوة اسقاط الطائرة الروسية فوق سوريا وما اعقبها من توتر بين موسكو وأنقرة أخذ وقتا لإصلاحه. ومع ما أصاب المعارضة المسلحة من تراجع في سوريا وما بدا من انحراف ميزان القوى قليلا لمصلحة النظام، وجد أردوغان الفرصة مستفيدا من عدة عوامل: التوافق السياسي التركي الداخلي بين الحكومة والمعارضة في أعقاب الانقلاب الفاشل ـ تغيير دفة السياسة الخارجية بالتواصل مع الاسرائيليين والروس والإيرانيين ـ جمود محاولات العودة للمفاوضات بشأن حل سياسي للأزمة السورية ـ بداية تعامل ما بين إيران والإخوان بشأن سوريا ـ حاجة الأميركيين لإنجاز ما على الأرض في مناطق سيطرة داعش في سوريا واعتمادهم في ذلك على ميليشيات كردية كررت نموذج تحرير كوباني في منبج ـ بروز عراقيل تنفيذ اتفاق تركيا مع الدول الأوروبية بشأن المهاجرين ـ وغير ذلك من عوامل أقل تأثيرا.
صحيح انه لم يبق طرف لم يتدخل في الحرب في سوريا، مباشرة او بشكل غير مباشر، ولكل طرف بالطبع حساباته ومصالحه التي لا علاقة لها في الأغلب بمصلحة سوريا والسوريين. وصحيح أن التدخل التركي منذ بداية الأزمة لم يكن أكثر من تقاطع مع هذا الطرف أو ذاك، أو ضمن هذا الحلف أو ذلك. مع ذلك، فلم يكن أي جهد تركي إلا متسقا مع مطامعها الأساسية في اقتطاع جزء من سوريا لتوسعة النفوذ الإقليمي من ناحية ولكبح جماح أي طموحات كردية من ناحية أخرى. ومع تكرار تصريحات المسؤولين الأميركيين في الآونة الأخيرة بأنه “من الصعب أن تعود سوريا موحدة كما كانت” وجد أردوغان فرصة غير مسبوقة تضافرت لها عوامل عدة للبدء في تحقيق أطماع أنقرة في سوريا. ولم يكن دخول الدبابات التركية جرابلس لطرد داعش منها (فقد ابلغ تنظيم داعش قبل العملية بأيام لينقل كل ما يهمه من جرابلس) وإنما للحيلولة دون وصول الأكراد إليها بعد منبج ما يوسع نطاق نفوذهم. وأعلن الأتراك أنهم سيطروا الآن على أكثر من 400 كم2 من شمال سوريا (أي احتلوها، وليس طهروها من داعش لنكون واضحين) وأرسلوا مزيدا من التعزيزات العسكرية والدبابات للتقدم غرب جرابلس، ربما باتجاه عفرين. وكأنما يريد الأتراك خلق امر واقع (كما يفعل الاسرائيليون الاستيطانيون في فلسطين) بوجود مباشر من كوباني إلى حدود لواء الإسكندرون.

إلى الأعلى