الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : اقتلاع الطفولة من جذورها جريمة في جبين الإنسانية

رأي الوطن : اقتلاع الطفولة من جذورها جريمة في جبين الإنسانية

لطالما كانت قضية الطفولة هي من القضايا الإنسانية التي تتصدر أرقامها لوائح الضحايا التي تعدها منظمة الأمم المتحدة، ويتصاعد منسوب القلق الأممي مع ارتفاع عدد الضحايا، فإن أفق هذه القضية لا يزال يكشف مواقف بعض القوى الكبرى وأدوارها في مفاقمة أرقام الضحايا من الأطفال والنساء والرجال والشباب.
ومع استمرار المواقف والأدوار ذاتها للقوى الكبرى ذات النزعة الاستعمارية التآمرية الساعية إلى إشباع نهمها وجشعها وأنانيتها وتدوير تروس اقتصاداتها على حساب شعوب الكثير من العالم وبخاصة الشعوب المستهدفة مع ثرواتها ومقدراتها وأرضها، تستمر المنظمة الدولية في تسجيل أرقام الضحايا، حيث صدمت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) العالم يوم أمس برقم جديد ومفزع عن الضحايا من الأطفال تحديدًا، معربةً عن قلقها حيال ما يقارب 50 مليون طفل تم “اقتلاعهم من جذورهم” في أنحاء العالم، بعدما أجبرتهم الحروب والعنف والاضطهاد على مغادرة بيوتهم وحتى أوطانهم.
وتفيد أرقام المنظمة الأممية أن 28 مليونًا من هؤلاء الأطفال شردتهم الحروب وأعمال العنف داخل بلادهم وخارجها. وأن عشرة ملايين منهم أصبحوا لاجئين، وأن هناك مليون طفل بين طالبي اللجوء لا يزال مصيرهم معلقًا، ونحو 17 مليونًا نزحوا داخل بلدانهم وهم في أمس الحاجة إلى المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، بالإضافة إلى هؤلاء، ترك حوالي 20 مليونًا آخرين من الأطفال منازلهم لأسباب مختلفة، بينها الفقر المدقع أو العنف الذي تمارسه عصابات الجريمة المنظمة.
وفي تعليقها على الأرقام، قالت “اليونيسف” في بيان “لقد صدم العالم بصور لن تمحى من الذاكرة لأطفال بعينهم”. إن “كل صورة، كل فتاة أو فتى، يمثل الملايين العديدة من الأطفال المعرضين للخطر، وهذا يستدعي أن يكون عملنا من أجل جميع الأطفال في مستوى تعاطفنا مع الأطفال الأفراد الذين نشاهدهم”.
ما من شك أن هذه الأرقام في حد ذاتها بقدر ما تمثل وصمة عار في جبين الإنسانية والمنظمات الدولية، بقدر ما تعكس السلوك الاستعماري المشين لبعض قوى الاستكبار العالمي ونتائجه على البشرية، لتؤكد (هذه الأرقام المتصاعدة) ـ التحول الجديد في السلوك الاستعماري العدواني والفعل الإرهابي، فحين نعرج على أوضاع الطفولة في الوطن العربي، فإن الوقائع هي التي تؤكد أن هذه الأرقام ما كان لها أن تقفز بهذه الصورة المخيفة والصادمة لولا استمرار الأدوار والتنسيق اليومي والدائم ما بين قوى الاستعمار من الخارج وبعض القوى الإقليمية والتنظيمات الإرهابية التي تتحكم الآن بدرجة عميقة من الهوس في مصادر تأمين الاستمرار والتعمق عند قوى الإرهاب ولا سيما من خلال الدور المشبوه والمنحط الذي تمارسه هذه القوى والتنظيمات مجتمعة. ولعل ما يحدث في سوريا والعراق وليبيا وغيرها من الدول العربية تحديدًا ويشاهده العالم أجمع وخاصة منظمة الأمم المتحدة، وما أفرزه الغزو الأميركي للعراق والغزو الأطلسي لليبيا وما يفعله حاليًّا في سوريا وغيرها، هو انعكاس صادق وواضح لمستوى الانحطاط والانحدار الأخلاقي الذي وصلت إليه هذه القوى المستعمرة والقوى الداعمة ومنتجها من التنظيمات الإرهابية؛ حتى الأمم المتحدة غير مبرأة من شبهة التواطؤ لعدم موضوعيتها في توثيق هذه الأدوار لهذه القوى، خاصة بعد تفجير مؤامرة “الحريق العربي” ولتؤكد مدى التطابق في مجمل عناصر المشروع الاستعماري العدواني والمشروع الإرهابي، ولتكشف عن أبعاد جديدة هي التي تستغرق الحالة المتحركة ما بين أهداف المشروع الاستعماري ومنابع المشروع الإرهابي وممارساته على أرض الواقع، والمتابعة هنا ضرورية لفضح الشراكة أو بالأحرى العلاقة العضوية القائمة بين القوى الاستعمارية والتنظيمات الإرهابية التي جاء بها “الحريق العربي” في واجهة المشهد، ولتكون رأس الحربة في غرز مخالب المشروع الاستعماري في المنطقة، وما تسبب فيه من تحويل ملايين الأسر في فلسطين وليبيا والعراق وسوريا وتونس وغيرها إلى التقاعد المبكر، لما ألحقه بها من إعاقات مبكرة، سواء عبر الضربات الإرهابية المتتالية أو من خلال التهجير والتشريد القسري، وحرمان الأسر من معيلها، وبالتالي مواجهة أبناء هذه الأسر أنياب الفقر والجوع والمرض والجهل والتشرد، وحرمانهم من الجلوس على مقاعد الدراسة، واضطرار بعض أبناء هذه الأسر إلى امتهان التسول، أو إجبارهم على ممارسة العنف والإرهاب وحملهم السلاح بالانخراط في التنظيمات الإرهابية الممولة من قوى الاستكبار والاستعمار.

إلى الأعلى