السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / يوم عرفة.. يوم المباهاة

يوم عرفة.. يوم المباهاة

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أيها القراء الأعزاء:
نتحدث في هذا اليوم الجليل عن يوم عرفة وهو اليوم الذي يباهي الله به الملائكة الكرام بأهل الأرض من الحجاج الواقفين في تلك العرصات الطاهرة.
أولاً: ما هي فضائل يوم عرفة؟
من فضائل يوم عرفة:
1 ـ أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا ًمن اليهود قال له : يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آية؟ قال:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) (المائدة ـ 3)، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي (صلى الله عليه وسلم): وهو قائم بعرفة يوم الجمعة .
2 ـ إنه يوم عيد لأهل الموقف، قال (صلى الله عليه وسلم):(يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب). رواه أهل السنن. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال:(نزلت أي: آية (اليوم أكملت) في يوم الجمعة ويوم عرفة ، وكلاهما بحمد الله لنا عيد).
3 ـ أنه يوم أقسم الله به، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى:(وشاهد ومشهود ) (البروج ـ 3)، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة). رواه الترمذي.
وهو الوتر الذي أقسم الله به في قوله:(والشفع والوتر) (الفجر ـ 3)، قال ابن عباس: الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة، وهو قول عكرمة والضحاك.
4 ـ أن صيامه يكفر سنتين، فقد ورد عن أبي قتادة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سئل عن صوم يوم عرفة فقال:(يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) ـ رواه مسلم.
وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
5 ـ أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان ـ يعني عرفة ـ وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، قال:(ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) (الأعراف 172 ـ 173)، رواه أحمد وصححه الألباني، فما أعظمه من يوم وما أعظمه من ميثاق .
6 ـ أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف، ففي صحيح مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ وعن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال (إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً) ـ رواه أحمد وصححه الألباني، والله تعالى أعلم.
ثانياً ـ هل الدعاء يوم عرفة مستجاب لغير الحاج؟، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) ـ رواه الترمذي، وعن طلحة بن عبيد بن كريز مرسلاً:(أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة) ـ رواه مالك في (الموطأ).
وقد اختلف العلماء هل هذا الفضل للدعاء يوم عرفة خاص بمن كان في عرفة أم يشمل باقي البقاع، والأرجح أنه عام، وأن الفضل لليوم، ولا شك أن من كان على عرفة فقد جمع بين فضل المكان وفضل الزمان، قال الباجي: قوله:(أفضل الدعاء يوم عرفة) يعني: أكثر الذكر بركة وأعظمه ثواباً وأقربه إجابة، ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة لأن معنى دعاء يوم عرفة في حقه يصح، وبه يختص، وإن وصف اليوم في الجملة بيوم عرفة فإنه يوصف بفعل الحاج فيه، والله أعلم .. انتهى.
وقد ثبت عن بعض العلماء أنهم أجازوا “التعريف” وهو الاجتماع في المساجد للدعاء وذكر الله يوم عرفة، وممن فعله ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأجازه الإمام أحمد وإن لم يكن يفعله هو، وقال ابن قدامة: قال القاضي: ولا بأس بـ “التعريف” عشية عرفة بالأمصار (أي: بغير عرفة)، وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله ـ أي: الإمام أحمد ـ عن التعريف في الأمصار يجتمعون في المساجد يوم عرفة، قال: “أرجو أن لا يكون به بأس قد فعله غير واحد”، وروى الأثرم عن الحسن قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس رحمه الله وقال أحمد: “أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث”، وقال الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع: كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة، قال أحمد: لا بأس به إنما هو دعاء وذكر لله. فقيل له: تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا، وروي عن يحيى بن معين أنه حضر مع الناس عشية عرفة” .. انتهى.
وهذا يدل على أنهم رأوا أن فضل يوم عرفة ليس خاصا بالحجاج فقط، وإن كان الاجتماع للذكر والدعاء في المساجد يوم عرفة، لم يرد عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولذلك كان الإمام أحمد لا يفعله ، وكان يرخص فيه ولا ينهى عنه لوروده عن بعض الصحابة ، كابن عباس وعمرو بن حريث ـ رضي الله عنهم .. والله أعلم .
ثالثاً ـ الجدول العملي ليوم عرفة:
المطلوب في الليل أن تنام جيداً .. لأنك من الفجر لن تنام .. فحاول أن تصلي العشاء وتجلس قليلا لتقرأ شيئاً من وردك وتنام .. ثم تستيقظ قبل الفجر بساعة أو ساعتين .. المهم أن تأخذ قسطك من النوم وتكون مرتاح تماما وتأخذ وردك من الليل .. لأن من أصلح ليله أصلح الله له نهاره.. فنحن نريد أن نصلح الليل.
ففي ذلك الوقت تبدأ أن تناجي الله وتتضرع إليه وتتجهز بأن تقرأ أقل شيء مائة آية أو إن كان هناك متسع من الوقت تقوم بألف آية بجزء عم وتبارك حتى تفوز بقنطــار من الأجر.. بعد ذلك تتسحر وتترك الربع ساعة التي قبل الفجر تبدأ فيها تستغفر وتكون سجدة القرب،(وبالأسحار هم يستغفرون) (الذاريات ـ 18) .. وفي نفس الوقت تتقرب وتشكو حالك إلى الله وتقول:(يا رب وفقني أن أطيعك وأحسن عبادتك في يوم عرفة وبلغني فيه العتق يا رب) .. وتدعو ليس لنفسك فقط ولكن تدعو لإخوانك وتستغفر للمسلمين والمسلمات وتكثر عملك .. قبل أن يؤذن الآذان بخمس دقائق تذهب لتتوضأ وتتجهز لأداء صلاة الفجر .. ستذهب للفجر وتحتسب هذه النوايا: نية الحج لأنك ذاهب لتصلي فريضة وقد قال (صلى الله عليه وسلم):(من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة، فهي كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع، فهي كعمرة)، وتنوي أن تعتكف اليوم .. حتى يكتب لك ولو إعتكاف نصف هذا اليوم .. وتسأل الله تعالى أن يبارك لك فيه، وستؤدي ركعتي الفجر التي هي خير لك من الدنيا وما فيها وتصلي الفجر وتجلس إلى الشروق.. وكل شيء تحتسب نيته .. تقول في جلسة الشروق ورد الأذكار وبعد ذلك مع بداية الشروق تبدأ في ختمتك، فتأخذ في الأول شحنة بالقرآن لتنزل الرحمات.. (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً) (الإسراء ـ 82) .. فتنزل الرحمة وتكون الوقود الذي تعمل به طوال اليوم.. فتقرأ كم من الآيات لكي تفيق، بعد ذلك قم وتوضأ وصلي حتى تطرد النعاس وسوسة الشيطان، (واسجد واقترب) (العلق ـ 19)، ننوع ما بين القراءة والنوافل .. ستصلي الضحى وأنت معتكف أقل شيء أربع ركعات وإن شئت ثمان ركعات بنية (واسجد واقترب) (العلق ـ 19)، ثم ستؤدي صلاة الظهر .. ستصلي السنة القبلية أربع ركعات وأربع بعد حتى تحرم على النار .. (من صلى قبل الظهر أربعا، وبعدها أربعا، حرمه الله على النار) ـ (رواه الترمذي).
وبعد ذلك تكمل وردك .. وتنوع بينه وبين الذكر.. من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير .. ولا إله إلا الله على لسانك طول الوقت .. قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ـ رواه الترمذي، وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم):(من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك) ـ (رواه البخاري ومسلم).
فاجعل لك ورد بهذا الذكر.. ونوع ما بين الاستغفار والصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتختص الأذكار التي تكون من أفضل الأعمال .. الحبيبتان تحبب بهما إلى الرحمن في يوم العتق الأكبر.. (سبحان الله العظيم وبحمده) .. يكون فيها معنى الذل والإنكسار وفيها معنى الحب وفيها معنى التعظيم.. سبحان الله: ذل وانكسار، يارب أنت منزه عن كل نقص وأنا من به نقص .. والحمد لله: أنت يا رب ولي النعم فسأحبك لأن كل فضل أنا به منك.. فالحمد لله.
وقيل أن الذل والانكسار والحب والإكبار والتعظيم هي معاني العبودية .. من العصر إلى المغرب.. تنهي ختمتك.. تنهي وردك وأذكار المساء .. وتجلس للدعـــاء ســاعة .. ساعة إلا ربع .. نصف ساعة.. فأهم شيء الدعــــاء.

إلى الأعلى