الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العنف والكراهية … واصطناع تاريخ مزيف

العنف والكراهية … واصطناع تاريخ مزيف

علي بدوان

”إن تقديم قراءة وتحليل لمناهج التعليم في «إسرائيل» تدفعنا لملاحظة تركيز المناهج على خلق مفاهيم يجري غرسها في نفوس التلاميذ والطلاب للحيلولة دون اندماج اليهود في المجتمعات المُختلفة. ودعوة لليهود من أجل التمسك بالهوية اليهودية، ومقاومة فكرة الاندماج في المجتمعات المُختلفة بحجة التمايز، وهو الأمر الذي يستدعي أن يكونوا منعزلين عن الآخرين، حتى لا يتسبب ذلك في عرقلة مشروعاتهم المستقبلية.”

في دراسة شبه رسمية «إسرائيلية»، تحت عنوان «تقرير الكراهية» التي أجراها صندوق «بيرل كتسلنسون» وشركة الأبحاث والاستطلاعات (فيجو)، تم عرضها على أعمال الكنيست «الإسرائيلي» بطلبٍ من النواب العرب يوم الثلاثاء 2 أغسطس/آب 2016، أظهرت تلك الدراسة تزايد دعوات العنف ضد المواطنين العرب في المجتمع «الإسرائيلي»، خصوصًا بين الأجيال الناشئة من التلاميذ والفتيان وطلاب المدارس والجامعات. فقد أوضحت تلك الدراسة ظهور (175) ألف دعوة لارتكاب أعمال عنف ضد المواطنين العرب في الداخل المُحتل عام 1948، ظَهَرَت على مواقع التواصل الاجتماعي في «إسرائيل»، خلال الأشهر المنصرمة من العام الجاري 2016. كما تَبيّن أن الغالبية العظمى من هذه الدعوات، وبنحو (70%) كتبها ودعا لها أشخاص ينتمون لمعسكر اليمين «الإسرائيلي» بشقيه «التوراتي والقومي العقائدي».

الدراسة أشارت في جانب خطير منها، إلى أن شبكات التواصل في «إسرائيل» التي يستخدمها طلبة المدارس والجامعات بشكلٍ أوسع من غيرهم من فئات المجتمع، تَنشُرُ كل ثلاث ثوان رسالة، تُوجه فيها الدعوة لجمهور الرعاع والغوغاء في «إسرائيل» لارتكاب عمل عنيف ضد مواطني الدولة من العرب الفلسطينيين أصحاب الوطن الأصليين.
الخطير أيضًا، في تلك الدراسة، أن مفردات دعوات العنف المُدونة بأقلام المتطرفين «الإسرائيليين» تَحض على القتل، والتصفية، والكسر، والإبادة، والحرق وما إلى هنالك من مفردات عُنفية وفاشية، وأن (83%) من الدعوات لارتكاب عمل عنيف كتبها رجال، وأن (66%) من هذه الدعوات كتبها شبان تقل أعمارهم عن (30) عامًا.
إن فحوى تلك الدراسة، ومدلولاتها، يُعَبّر عن تحوّلات ليست بالعابرة تجري في «إسرائيل» منذ وقتٍ ليس بالقصير. في بنية المجتمع الاجتماعية واتجاهاته، وفي بناه السياسية والحزبية، وفي دور المدارس والجامعات في تكريس وتفريخ الوعي العنصري تجاه العرب.
وفي حقيقة الأمر إن تلك الحالة المجتمعية يبدأ إنتاجها من المدارس، ومن المراحل الأولى وصولًا للمراحل الجامعية، حيث تُجمع غالبية الأبحاث والدراسات المُتعلقة بالمناهج التعليمية «الإسرائيلية» في المدارس على أن المناهج «الإسرائيلية» تربي النشء على تنمية المشاعر المُتطرفة منذ مرحلة الطفولة، وعلى منهج العنف والحقد وغرس الكراهية وتشويه صورة العرب والمسلمين بصفة خاصة، وعلى المفاهيم المنطلقة أساسًا من المرجعيات الدينية والثقافية اليهودية والصهيونية الوضعية، والتي اتسمت بالعنصرية والعدوانية وتكريس قيم الانصياع الكامل إلى التوجهات والإرشادات الواردة في أسفار التلمود، وتعاليم الشرّاح والمفسّرين من الحاخامات، فضلًا عن الاستعانة بالنصوص الدينية المُستمدة من التوراة لإضفاء الصبغة الدينية على تلك المفاهيم التي تلعب دورًا كبيرًا في صياغة الوعي لدى الأجيال التالية من أبناء اليهود الصهاينة منذ فترات الدراسة الأولى وحتى الجامعية.
وعلى سبيل المثال، إن كتب المواد الاجتماعية كالتاريخ والجغرافيا في المناهج «الإسرائيلية» محشوة بالمغالطات التاريخية والجغرافية والإنسانية التي تحفل بها، وقد انشغلت بتعميق وغرس القيم والتوجهات العنصرية في عقول الناشئة من أبناء المستوطنين والمهاجرين اليهود، من خلال التأكيد على مجموعة من القضايا ليجعلوها مع الوقت مسلّمات عندهم، وهي تدعو صراحة للنزعة العنصرية العرقية، حيث تعمد كتب الجغرافيا التي تدرس للصف السادس الابتدائي على سبيل المثال لمحو التسميات العربية للمكان، واستبدالها بتسميات عبرية، بينما تتسع الكتب بالشروحات حول «الكيبوتس»و»الموشافيم» على حساب القرى والبلدات والمدن العربية المُهجّرة والمدمرة وغير المعترف بها حتى تبقى هي الأخرى طي النسيان والتنكر.
إن المنهاج التعليمي في «إسرائيل»، خصوصًا كتب التاريخ منه، به من الخلط والافتراءات ما يهدف إلى إضفاء الشرعية إلى ما تقوم به «إسرائيل» من جميع الأعمال والممارسات، وفي موازاة ذلك وعلى التضاد منه جرى إسقاط الشرعية عما يقوم به الآخر وهو بالنسبة «لإسرائيل» الفلسطينيون والعرب جميعًا.
وعليه، إن مناهج التربية في «إسرائيل» تهدف إلى التنشئة السياسية لخلق أجيال ذات توجه تاريخي عنصري، بالإضافة إلى التنشئة من أجل ترسيخ إحساس بالشعب اليهودي «المُضطَهَد» ــ حسب الرؤية الصهيونية ــ في نفسية الأطفال من التلاميذ والطلاب، وأن «اضطهادهم كان من الضخامة والشراسة بحيث لا يمكن أن يعادله أي اضطهاد لأي جنس بشري في العالم.
إن تقديم قراءة وتحليل لمناهج التعليم في «إسرائيل» تدفعنا لملاحظة تركيز المناهج على خلق مفاهيم يجري غرسها في نفوس التلاميذ والطلاب للحيلولة دون اندماج اليهود في المجتمعات المُختلفة. ودعوة لليهود من أجل التمسك بالهوية اليهودية، ومقاومة فكرة الاندماج في المجتمعات المُختلفة بحجة التمايز، وهو الأمر الذي يستدعي أن يكونوا منعزلين عن الآخرين، حتى لا يتسبب ذلك في عرقلة مشروعاتهم المستقبلية. كما في يهودية التوجه التربوي، وذلك منذ قيام «إسرائيل» بسن قانون التعليم للدولة العبرية في عام 1953، والذي تنص المادة الثانية منه على «أن التعليم في دولة إسرائيل يجب أن يرتكز على قيم الثقافة اليهودية والولاء لدولة إسرائيل والشعب اليهودي، والعمل على تحقيق مبادئ الريادة في العمل الطلائعي الإسرائيلي»، والتركيز على احتواء الكتب الدراسية العديد من النصوص الدينية التي تُشدّد على يهودية القدس منذ قدم التاريخ، للتأكيد على أن الوجود اليهودي في فلسطين البلاد متواصل ومستمر ولم ينقطع. كذلك في تأكيد التوجهات العنصرية في المناهج التعليمية، وتقديم النظرة الاستعلائية تجاه العرب، وتزوير التاريخ الإسلامي. فمن خلال عينات ونماذج مُختارة من الكتب الدراسية المُقررة في «إسرائيل» وهي التربية الدينية والتاريخ والجغرافيا والتربية العامة والأدبيات المتداولة في المدارس من قصص وروايات، نجد أن هذه الكتب الدراسية تسعى إلى تشويه التاريخ العربي والإسلامي. فضلًا عن التركيز على التعليم الديني، واتخاذه منصة للتحريض على العرب وحتى على العالم بأسره، ولنا كم كبير من الأمثلة من خلال تحليل مجموعة من قصص الموجهة للأطفال اليهود في مرحلة الروضة عبر قصص الأطفال المطبوعة سواء في المقررات الدراسية، والقصص التي تُحكى شفويًّا في الكيبوتسات والمستوطنات، وفي القرى الزراعية والمدن التي يقيم فيها الأطفال، حيث يبدأ التعليم بالتركيز على المفاهيم الدينية، واتخاذ التلمود أساسًا للتعاليم اليهودية العبرية، نظرًالتباين الثقافة التي ينتمي إليها اليهود الذين جاءوا من بيئات اجتماعية وثقافية مُختلفة.

إلى الأعلى