الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الرياح العاتية لا تصغي!

الرياح العاتية لا تصغي!

عادل سعد

إن العالم يتجه إلى الشحة في كل شيء، ونزعة الغنيمة لم تعد تصلح الآن، وهناك تحذيرات واضحة من مغبة خيبة الأمل التي تحكم العديد من الاقتصادات، بما فيها خيبة أمل صينية وإن لم تكن معلنة نتيجة الوعكات المتكررة التي تعرض لها الاقتصاد الصيني خلال السنتين الأخيرتين، وكذلك ما أصاب الاتحاد الأوربي جراء قناعة البريطانيين بالخروج عنه في الاستفتاء الشهير…

لأن الصينيين يعتقدون بأن الرياح العاتية لا تعرف قراءة لافتات التحذير، فقد عمدوا إلى استخدام النار الهادئة لطبخ مقررات قمة العشرين التي انعقدت بضيافتهم، وبذلك نستطيع أن نقول إنها قمة حملت الكثير من حكمة المشاركة والتعبير عن الهموم الضاغطة، والأمل بأن يشهد العالم حراكًا تضامنيًّا يسوده التعاون وإن كانت المنافسة هي ساحته الأساسية، وبذلك جاءت توصيات المؤتمر وهي تحمل الكثير من روح الفريق الواحد وكأن المائدة الاقتصادية العالمية ستكون خالية من المصابين بنهم الاستحواذ والهيمنة والتسلط وجلل الأرباح المفتوحة!
لقد تضمنت التوصيات مبادرة المنصة الإلكترونية للتجارة العالمية، ومبادرة الابتكار الذكي لتشجيع على ريادة الأعمال وتطوير التمويل (الأخضر) وسوق الاستثمار، ومناشدة ببذل جهود نحو بناء اقتصاد عالمي نشط ومترابط وشامل.
لا شك أن قادة دول العشرين الذين التقوا هناك قد عاينوا جيدًا الحكمة الصينية في شأن قضايا لا يمكن لأي أحد أن يتحرر فيها من ضرورة التعاون مع الآخرين والامتناع عن استقطاب القدرات الاقتصادية التي تحرضه على أن يكون في المقدمة دائمًا، غير أننا إذا ما تعمقنا في مفردات ذلك المؤتمر نجد أن هناك من يحاول أن يتربص بالاقتصاد العالمي ليكون هو الفائز دائمًا، لكنه لا يستطيع أن ينجو بهذا الاعتبار للعديد من الأسباب أولها وأكثرها إلحاحًاأن التحوط في المنافسة لم يعد الوسيلة الناجحة للفوز بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية التي تحولت صاغرة من حصان اقتصادي جامح يتصدر ساحات السباق إلى فرس مطيعة تحاول أن تدخل على الحدث التجاري في هذا الموقع أو ذاك على إيقاع منظمة التجارة العالمية.
إن العالم يتجه إلى الشحة في كل شيء، ونزعة الغنيمة لم تعد تصلح الآن، وهناك تحذيرات واضحة من مغبة خيبة الأمل التي تحكم العديد من الاقتصادات، بما فيها خيبة أمل صينية وإن لم تكن معلنة نتيجة الوعكات المتكررة التي تعرض لها الاقتصاد الصيني خلال السنتين الأخيرتين، وكذلك ما أصاب الاتحاد الأوربي جراء قناعة البريطانيين بالخروج عنه في الاستفتاء الشهير الذي جرى يوم الثالث والعشرين من يونيو/حزيران الماضي، وما ترتب على ذلك من خسارة لاقتصاد القارة الأوروبية الذي كان قد بنى آماله على اتفاقية ماسترخت التي مولت الأوروبيين أمل التحول إلى عائلة متماسكة تتقاسم ما لديها من إمكانيات ومن رصيد في دعم أجزائها إذا أصابها الركود، على غرار ما جرى لليونان بباقة الدعم المالي الذي قدمت له للخروج من أزمته من أجل ترتيب أولويات حاجاته، والكف عن سياسة الدعم ذات النزعة اليسارية المعروفة.أما بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية فإن الأمر قد تطلب منها أيضًاإعادة النظر في أولوياتها التجارية بما يساعدها على أن تتقاسم مناطق النفوذ التجاري في العالم بروح ودية حتى مع الصين خصمها اللدود في هذا الميدان، وإعطاء المزيد من الرسائل إلى روسيا على أساس أنها (أي واشنطن) لا تريد للروس أن ينكمشوا كليًّا، وأن من المصلحة الأميركية النجاح الروسي النسبي، وهذا بحد ذاته كان عاملًا لنجاح الرئيس الروسي بوتين في الترويج لفكرته القائمة على وضع حدود عالمية مع دول الأوبك والدول النفطية الأخرى لتقاسم سوق النفط ضمن هامش من العدالة في الإنتاج بعد أن تأكد للجميع أن الانفلات في ذلك ليس من مصلحة أحد.
الخلاصة أن ثمة فهما مشتركا بدا يحكم قناعة الدول ذات الاقتصادات الكبيرة، أو ذات الاقتصادات الناشئة (دول البريكس) أن ليس من مصلحتها أن تخوض حربًا مفتوحة في الساحة الدولية لضمان مصالحها، لكن السؤال: هل تدفع الدول النامية ذات الاقتصادات المتواضعة ثمن هذا التضامن الجديد؟إنه سؤال قيد المداولة الآن.

إلى الأعلى