الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لا يزال هناك متسع من الوقت لأوباما كي يترك إرثا فـي الشرق الأوسط

لا يزال هناك متسع من الوقت لأوباما كي يترك إرثا فـي الشرق الأوسط

”ليس بمستغرب أن احتمال طرح مبادرة من أوباما ـ والتي يمكن أن تأخذ شكل خطاب، أو حتى قرار دوليـ تسبب «قلقا عاليا في عالم نتنياهو» بحسب تعبير مسؤول سابق في الإدارة الأميركية. إنه بنيامين «بيبي» نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي لازم وسخر من أوباما منذ توليه منصبه – وامتص بالمقابل المزيد من عداء واعتداء البيت الأبيض اكثر من أي من حلفاء الولايات المتحدة الآخرين.”

تولى باراك أوباما منصبه في عام 2009 محددا اثنتين من الأولويات الشخصية الكبيرة في السياسة الخارجية: الحد من الأسلحة النووية وقضية إقامة دولة فلسطينية. هذا الصيف انشغل الرئيس بموازنة سلسلة من الإجراءات التي يمكن اتخاذها في اللحظة الأخيرة لترسيخ إرثه بالنسبة للأسلحة النووية، بما في ذلك قرار الأمم المتحدة الذي من شأنه حظر التجارب. وهنا يثور سؤال يطرح نفسه: هل يفعلها أوباما أيضا ويطلق مبادرة الساعة الأخيرة في الشرق الأوسط؟

لقد نوقشت هذه الإمكانية داخل وخارج البيت الأبيض منذ انهيار جهد وزير الخارجية جون كيري للتوسط من أجل الوصول إلى اتفاق إسرائيلي فلسطيني في عام 2014. من البداية، تم افتراض أن أوباما قد ينتظر التحرك إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية، وذلك لتجنب خلق مشاكل لهيلاري كلينتون.
ليس بمستغرب أن احتمال طرح مبادرة من أوباما ـ والتي يمكن أن تأخذ شكل خطاب، أو حتى قرار دوليـ تسبب «قلقا عاليا في عالم نتنياهو» بحسب تعبير مسؤول سابق في الإدارة الأميركية. إنه بنيامين «بيبي» نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي لازم وسخر من أوباما منذ توليه منصبه ـ وامتص بالمقابل المزيد من عداء واعتداء البيت الأبيض أكثر من أي من حلفاء الولايات المتحدة الآخرين. في النهاية، قد يكون الدافع وراء القرارات النهائية لأوباما حول الشرق الأوسط دراما أخرى: نهاية لعبة باراك وبيبي.
أما الآن، فإن الخصمين القديمين يتعاونان على صفقة لتلميع إرث كل منهما. وتقول مصادر إسرائيلية وأميركية إن المفاوضات قد انتهت بشكل أساسي على توقيع معاهدة دفاع ثنائية جديدة لمدة 10 سنوات من شأنها زيادة المساعدات العسكرية الأميركية السنوية لإسرائيل من 3 مليارات دولار لما يقرب من 4 مليارات حيث ستحصل إسرائيل على المزيد من التمويل لمنظومة الدفاع الصاروخي، في حين وافقت على إعادة توجيه ربع التمويل الأميركي تدريجيا إلى الشركات الأميركية والذي يحول الآن إلى مقاولين محليين.
بالنسبة لكلا الزعيمين، فإن الصفقة تمثل تطورا سياسيا إيجابيا. وسيكون أوباما قادرا على الإشارة إلى أنها دليل على أنه لم يكن، في النهاية، رئيسا معاديا لإسرائيل، على الرغم من معاركه مع نتنياهو بشأن المستوطنات في الضفة الغربية والاتفاق النووي الإيراني. أما نتنياهو، الذي لديه سبب وجيه للقلق حول تآكل الدعم لإسرائيل بين الليبراليين الأميركيين فسيكون قادرا على وصف صفقة التمويل المضمونة السخية بمبادرة من الحزب الديمقراطي.
هذا ليس السبب الوحيد لنتنياهو للشعور بالحبور: فالآن، سيبدو وكأنه الفائز بالنقاط في نزاله للسنة الثامنة مع هذا الرئيس. نعم، سحق أوباما حملة نتنياهو الشديدة ضد اتفاق إيران؛ لكن نتنياهوقاوم ليس فقط بنجاح ضغط أوباما للسماح بقيام دولة فلسطينية بشروط كان يعارضها، ولكنه واصل أيضا النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، وتجاهل انتقادات لاذعة من وزارة الخارجية والبيت الأبيض. مع سنواته الباقية في السلطة، يمكنه أن يتوقع من الرئيس القادم، سواء كان هيلاري كلينتون أو دونالد ترامب، إسقاط سياسة أوباما بمعاملته كدولة منبوذة.
أوباما، بالمقابل، لا يزال لديه آخر ورقة محتملة: خطة أوباما لإقامة دولة فلسطينية. فعلى الرغم من أنه يفتقر إلى الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك، إلا انه يمكن للرئيس المنتهية ولايته أن يضع علنا الشروط الأميركية للتوصل إلى تسوية، بقدر فعل بيل كلينتون قبل أن يغادر منصبه. وإذا سعى للحصول على تصديق مجلس الأمن الدولي، يمكن لأوباما أن يصوغها كحجر دبلوماسي. فالصراع الذي تحدد على مدى نصف قرن بقرار الأمم المتحدة رقم 242 من الآن فصاعدا قد يخضع لشروط أوباما.
هذه الشروط تم هرسها إلى حد كبير من قبل كيري خلال حملته الدبلوماسية الفاشلة. فالمقترح إقامة الدولة الفلسطينية على أساس حدود إسرائيل في العام 1967، مع تبادل الأراضي التي من شأنها أن إلحاق أكبر المستوطنات في الضفة الغربية بإسرائيل، وأن تكون القدس عاصمة للدولتين، وأن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل تتوقف على اتفاق ثنائي، وإن تم الاعتراف بإسرائيل كوطن للشعب اليهودي. هذه الصيغة من شأنها أن تقابل بالرفض بسرعة من كلا الجانبين ـ تماما كما كان الحال عندما حاول أوباما تسويقها لدى نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس في عام 2014. والدول العربية قد تمنع حتى إقرارها من قبل مجلس الأمن، بمساعدة من روسيا أو فرنسا. ليس مهما: فأوباما قد يراهن على تصاعد الضغط ببطء على إسرائيل لقبول شروطه، يرافقه ربما تسارع حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. وبعد عشرة أو 20 سنة من الآن، يمكن لأوباما أن يجد نفسه مبشرا بأنه الأب الروحي لعملية السلام في الشرق الأوسط.
تراكم المعرفة بدبلوماسية الشرق الأوسط يشير إلى أن خطة أوباما يمكن أن يكون ضررها أكبر بكثير من نفعها على المدى القصير. وبداية، يمكنها أن تعرقل أي محاولة من جانب الرئيس الجديد لإنقاذ موقف الولايات المتحدة المتعثر في الشرق الأوسط الكبير؛ ولو كان هذا الرئيس هيلاري كلينتون، فلربما يتم الضغط على أوباما كي يكون مستشارا لها. وسوف نعلم بعد 8 نوفمبر القادم ما إذا كانت هذه الاعتبارات تهم الرئيس الـ44 أكثر من خلق إرث في قضية شخصية ـ ودحر نتنياهو.

جاكسون ديل
نائب رئيس تحرير صفحة الرأي في صحيفة «واشنطن بوست» وكاتب افتتاحيات ومتخصص في الشؤون الخارجية

إلى الأعلى