الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الجلاء المنقوص

الجلاء المنقوص

علي عقلة عرسان

الـسابع عشر من نيسان (أبريل) هو يوم إجلاء المستعمر الفرنسي عن سوريا، وهو أيضًا، يوم الأسير الفلسطيني والعربي في سجون الاحتلال الصهيوني .. وإذا كنا نتحدث عن ذلك اليوم ونحيي ذكراه فإننا لا ننسى فلسطين، ولا ننسى الأسرى والشهداء، ولا ننسى أن تقسم سوريا الطبيعية إلى أربع دول بمعاهدة سايكس ـ بيكو واحتلالها من قبل الفرنسيين والإنجليز، إنما كان لغرس الداء الصهيوني في قلب الوطن العربي، ومن ثم جعل عرب يخدمونه ويتآمر بعضهم على بعض من أجل تثبيت وجوده وتعزيز مكانته .. وسوريا العزيزة تعيش اليوم أحد أمر هذه الفصول التي يتعاون فيها سوريون وعرب ومسلمون واستعماريون وصهاينة لجعلها تقبل ما ترفضه، وتعيش استسلام الذل، وتتخبط في الضعف والمقت، وينهش كرامة أهلها الجوع والظلم والاستبداد، وتحرقها نار الفتنة التي تجد من يرعاها ويقبل عليها وينخرط فيها..!! وشعب سوريا يدفع الثمن، ويعيش بسبب خياراته الوطنية والقومية وأخذه بخيار مقاومة الاحتلال ودعم كل مقاومة في هذا الاتجاه، يعيش معاناة طال أمدها، ويقع جزء كبير منها بسبب ضيق الأفق والقصور السياسي والرغبة في جعلها تابعة لاستعمار جديد، أو تحالف متجدد، أو مذهبية قتالة، أو طائفية واستعدادات للفساد والإفساد تقضي على الكثير من العباد ومقومات الوجود والسيادة والقوة في البلاد.
نذكر ويذكر التاريخ أنه في الساعة التاسعة والربع من يوم الـ15 من أبريل ـ نيسان 1946 جلا آخر جندي فرنسي عن أرض الجمهورية العربية السورية، واحتفل بعيد الجلاء يوم الـ17 من أبريل ـ نيسان، لإتاحة الوقت أمام المشاركين من القرى والأرياف خاصة للوصول إلى المدن، وكذلك للقيام بالاستعدادات المناسبة للعيد الوطني الكبير .. كنا في فجر الاستقلال الأول، وبمناسبة الذكرى العزيزة على قلوب السوريين، ذكرى إجلاء المستعمر الفرنسي عن سوريا وتجلّي وجهها العربي الحر الناصع الساطع .. كنا قد خيمنا في الشوارع والساحات وعلى مفارق الطرق في المدن والقرى السورية، نرفع راية انتصار الوطن، ونتذكر الشهداء، ونعيش الفرحة بحرية والحرية بفرح .. كان موقعي مع والدي وأقاربنا في خيام نصبت في “درعا ـ المحطة”، وكنا نغني ونعقد حلقات الدبكة وننشد الأناشيد ونقيم الولائم واستمر ذلك ثلاثة أيام، أما الاحتفال السوري الأكبر فكان في شارع بيروت بدمشق يتصدره الرئيس شكري القوتلي..
لقد استعاد كل سوري الحلو والمر في تلك الأيام ولكن نشوة الاستقلال طغت على كل شيء فكانت حلاوة العمر، أما اليوم وبعد ثمانٍ وستين سنة من الاستقلال فنعيش أيام العلقم التي تتفوق في مرها وقسوتها وشدتها وهولها على كل ما عشناه، وهي وإن كانت تختلف أيام الاستعمار في الوسائل والأدوات والغايات و.. إلخ، إلا أنها تتقاطع معها في أن المستهدَف في الحربين على سوريا وفيها كان هو “الشعب والوطن والموقف المبدئي والخيارات والرسالة”، مع فارق جوهري هو أن معظم أبناء الشعب في سوريا تبينوا الطريق الصحيح في حربهم ضد المستعمر وقاوموه، ومن ضل منهم عن الجادة كانوا قلة، أما في حرب اليوم فعدد لا بأس به ضل الطريق، ومعظم أبناء الشعب عانوا وما زالوا يعانون الأمرين من حرب مجنونة يتداخل في الناس، وأقطار عربية دخلتها مباشرة أو مواربة، واستظلت بالظالم المعتدي واستنصرته .. ولذا فإن جراحنا السورية اليوم أكثر من بالغة وأبعد من مزمنة وأسوأ من متقيحة .. ولكنا مع ذلك لم نفقد الأمل على كثرة ما فقدنا ومن فقدنا .. وأرضنا مثل شعبنا اليوم ينطبق عليها قول شاعر من شعراء ذكرى الإجلاء “الجلاء” حيث قال:
هذا التراب دمٌ بالدمع ممتزج تهبُ منه على الأجيال أنسام
يوم الجلاء هو الدنيا وزهوتها لنا ابتهاج وللباغين إرغام
لقد بدأ التأسيس لإجلاء المستعمر عن أرض الوطن منذ اليوم الأول الذي دخلت فيه قوات الجنرال غورو إلى دمشق بعد معركة ميسلون في الـ24 من يوليو ـ تموز 1920 حيث استشهد سوريون متطوعون دافعوا عن وطنهم ببسالة وعلى رأسهم وزير الدفاع يوسف العظمة وسوريون دافعوا وتمنوا الشهادة ولم ينالوها لكنهم سجلوا في تاريخ الوطن وقفة عز، ومنهم نساء بينهن زينب الغزاوي التي تنكرت بثياب رجل وخرجت مع المجاهدين إلى ميسلون, وقاتلت ببطولة شبيهة ببطولات المجاهدات أوائل الإسلام .. وهي من قرية المليحة في غوطة دمشق، وقد قالت: “عدت مع أخوي مصطفى ومحمود إلى بيتنا وفي نفسي مرارة لأن الله لم يمنحني شرف الشهادة في ميسلون إلى جانب البطل العظيم يوسف العظمة”.. كان ذلك القائد يعرف أنه لا قبل له ولنواة جيشه القليل العدد والعدة بمقاومة الفرنسيين، فهم يملكون جيشًا خرج منتصرًا في الحرب الأوروبية التي فرضت على العالم باسم “الحرب العالمية الأولى، أما هو فليس لديه جيش منظم بل مجموعات من المتطوعين الذين شدتهم الحماسة والغيرة إلى ميسلون، وليس لديه ولديهم أية أسلحة يعتد بتقدمها وفعاليتها، لكن وقفته قررت شيئًا في وجدان العرب السوريين، تلك الوقفة الوثبة التي قال فيها الشاعر عمر أبو ريشة:‏
شرف الوثبة أن ترضى العلا‏ غلب الواثب أم لم يغلب
وقد قدر الملك فيصل بن الحسين تلك التضحية فقال لما سمع باستشهاد العظمة ومن معه: إني أحني رأسي احتراما لجميع هؤلاء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الاحتجاج على اعتداء لم يعرف له التاريخ مثيلا” .. لقد قال لنا دم يوسف العظمة شيئًا مهمًّا مفاده: “أن المحتل دخل على جثثنا وسيل دمائنا وأنه بالمقاومة والتضحية والدم يخرج”. وعلى هذا انطلقت المقاومة منذ بداية دخول المحتل واستمرت إلى أن خرج.
أعلنت فرنسا انتدابها على سوريا بعد احتلال جيشها دمشق في 23/7/1920 بقيادة الجنرال غورو, الذي ذهب إلى بعد دخوله دمشق إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي قرب الجامع الأموي، وقال هناك جملة مشهورة هي ترديد وصدى لحروب الفرنجة ضد المسلمين فيما يعرف أيضًا بالحروب الصليبية وحقدهم على الإسلام، قال غورو: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”.. وكان ذلك منه فيما يشبه الرد على ذلك صلاح الدين عندما قال للصليبيين بعد معركة حطين: “إنكم خرجتم من الشرق, ولن تعودوا إليه”. وكأن احتلال سوريا كان ردًّا على ذلك، فسوريا هي بلاد الشام التي أسس القوة فيها نور الدين الشهيد وخرج منها صلاح الدين ليقود جيش مصر والشام ويحرر القدس .. وسوريا اليوم “الشام” هي المقاومة العربية في مشرق الوطن العربي ضد الاحتلال الصهيوني والتحالف العنصري ـ الصليبي الذي قاد باسمه جورج بوش الابن وتحت رايته حربه “الصليبية المقدسة” على المنطقة ابتداء من العراق الذي دمره وأسس فيه للفوضى والأمراض الطائفية الممتدة ككرة النار، وهي التي يعقد الأمل على وعي شعبها وطلائعها والشرفاء من أبنائها كافة ليقفوا بوجه من يريد أن يشوه العروبة والإسلام ويضرب كلًّا منهما بالآخر ولا يستثني أقلية ولا أكثرية من حريق الفتنة في بلاد استقر فيها التسامح والتعدد منذ مئات السنين من دون ضجيج أو تبجح.
لقد تحمل الشعب ومناضلوه ما لا يطاق من الاستعمار الفرنسي، وكان عملاؤه في الداخل والأجراء الذين استخدمهم ينكلون بالمناضلين ويلاحقونهم، وكان المستعمر يستولي على معظم ما ينتجه الفلاحون من حبوب، لا سيما القمح، ليطعم جنده ويبقي أهل الأرض والعمل المضني في الفاقة وقيد المتابعة وتحت سوط الظلم والضرائب، حتى أنه كان يأخذ ضريبة على المواشي، وأخرى باسم “دربية” أي من يمشي على طريق شقها الفرنسي، وتحدث البعض بمرارة عن تجاوزات فيما سمي “ضريبة شم الهوى”؟!، وقد وقف السوريون والعالم على بعض جرائم الاستعمار الفرنسي قبيل الجلاء، حيث قصف دمشق والمدن السورية بالمدافع ونيران الدبابات ونهب أسواقها ومؤسساتها في الـ29 من مايو ـ أيار ـ الأول من يونيو ـ حزيران 1945 ـ وغرَم الدمشقيين غرامات منها أسلحة غير موجودة باعها الفرنسيون لهم بأسعار باهظة.. ليستردوها منهم، وقتلهم لحامية البرلمان في استهانة كاملة شاملة بمؤسسات الدولة وأرواح الناس وإرادة الشعب الممثلة بالمجلس النيابي. وفي قصف دمشق قال شوقي قصيدته المشهورة:
سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ
وفيها يقول:
دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ
أما عن أحول المناضلين السوريين ضد الاستعمار فحدث عنها ولا حرج، وفي وصف ذلك ألقى الشاعر المجاهد أحمد العبسي رئيس جمعية رابطة المجاهدين في محافظة إدلب قصيدة طالما رددها السوريون، قال فيها:‏
يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما‏ ليس بعد الليل إلا فجر مجد يتساما‏
أيها الحراس رفقًا واسمعوا منا الكلاما‏ متعونا بهواء منعه كان حراما‏
يا رنين القيد زدني نغمة تشجي فؤادي‏ إن في صوتك معنى للأسى والاضطهاد‏
لست والله نسيا ما تقاسيه بلادي‏ فاشهدن يا نجم أني ذو وفاء ووداد‏
يا فرنسا لا تبالي وتقولي الفتح طابا‏ سوف تأتيك ليالي رفعها دز الحرابا‏
لم تحرز سوريا السياسية في حدودها الحالية استقلالها ببساطة، ولا هي أحرزته دفعة واحدة، ويقول بعض المجتهدين “إنها نالته على خمس دفعات: 8 مارس ـ آذار 1920, 22 مايو ـ أيار 1930, 8 سبتمبر ـ أيلول 1936، يونيو ـ حزيران 1941, و17 أبريل ـ نيسان 1946.”، والثورات التي نشبت في مواجهة الفرنسيين في جبل الزاوية والريف اللمتد إلى الحدود التركية حيث محافظة إدلب اليوم، وفي حلب وريفها، وفي الساحل وحوران والجولان وجبل العرب، وفي المنطقة الشرقية حتى القامشلي، وفي دمشق وغوطتها، وفي القلمون والمنطقة الوسطى, وفي حماة وتوابعها، كل تلك الثورات بأشكالها السلمية والمسلحة، وعلى الجبهات كلها وفي الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية.. هي التي حققت الاستقلال وصنعت للسوريين يوم الجلاء .. من المستحيل ومن غير الأخلاقي أن ننسى من ضحى من أجل الوطن في أي حرب وفي أية أزمة وأي وقت، ولكن من الصعب أن نتذكر أسماء الأبطال والشهداء الذين سقطوا على طريق إنقاذ الوطن وتحريره وصنع فجر الاستقلال بهذه المناسبة، فذاك يخرج عن دائرة الإمكان في هذه العجالة عن الجلاء لكن لا يجوز أن نؤكد قيمة كل منهم وحقه على الوطن والشعب، فكل من قدم دمه وضحى وعانى قدم للوطن ومن أجل حرية المواطن ومعركة التحرير، ولا يجوز أن يقطف قادة وساسة ومتفيقهون ثمر النصر أو قيمة المجد ويُنسى من قدم روحه وراحته والغالي والنفيس ليصنع المجد والنصر .. ولذا في ذكرى الجلاء نذكر الشموع التي احترقت لتنير للشعب الطريق إلى الحرية والاستقلال اللذين علينا أن نصونهما، ولا تكون صاينتهما إلا بصيانة الوطن وحدة وسيادة وأرضًا وشعبًا وكرامة وحقوقًا ومصالح، وصيانة حقوق أفراد الشعب وحريتهم التي بها يبنون ويحررون ويتقدمون.
نحن السوريين في ذكرى الجلاء، ذكرى الاستقلال، نشعر أن استقلالنا بات غير ناجز وأن جلاء المستعمر عن أرضنا بقي منقوصًا، فمنذ احتلال الصهاينة للجولان في الرابع من يونيو ـ حزيران 1967 ووطننا شبه محتل، وأمننا واستقرارنا مختل، وظل ذلك كذلك على الرغم من أننا رفعنا العلم السوري فوق القنيطرة المحررة بعد حرب تشرين 1973 وحرب الاستنزاف، فالجولان ما زال محتلًّا، وسوريا التي ناضل السوريون من أجلها وقدموا التضحيات بعد التضحيات، مزعزعة ومحتلة بعض أجزائها وتشتعل الحرب في معظم مواقعها وأركانها، والأمة العربية التي نادى بها عرب ما بعد الاستقلال تحتاج إلى إعادة إحياء وإعادة بناء على أسس مغايرة لما كان، وتحتاج إلى أن تنهي تبعية مشينة طالت، وخدمة مستجدة للكيان الصهيوني تتجلى في دفاع عنه، وإضعاف لمن يقاومه، وتحالف مدان معه .. ودون ذلك كله خرط القتاد، ولا بد له من نضال جديد مديد لتحقيق الاستقلاء، وإجلاء القواعد والمقاعد التي يتربع عليها الاستعماريون والصهاينة، وتنقية فكر الأمة وثقافتها وسياستها مما هو أكثر من الشوائب ومما يصنع المصائب .. وليس لنا إلا الوعي والجهد والاجتهاد والصبر، والعمل الذي ينقذ ويبني ويرضي الله ورسوله، ويقوم على الحق ويقيم الحق.

إلى الأعلى