السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فوق التاريخ .. تحت التاريخ

فوق التاريخ .. تحت التاريخ

أ.د. محمد الدعمي

إن عناوين، ألفناها في تواريخنا المدرسية والتقليدية، من نمط “تاريخ الإسلام” أو “تاريخ المسيحية” أو “تاريخ اليهودية”، هي عناوين خاطئة، على الرغم من تكرارها في مطبوعاتنا وكتابات حتى الجهابذة من مفكرينا. وعلة ذلك تتجسد فيما لاحظته في المقالتين السابقتين للـ(الوطن) الغراء حول التاريخ، كما أسهبت ببحثه في كتابي الجديد (تخنيث الغرب) Feminizing the West، وتتمثل في إحالة الدين إلى تاريخ أو إلى مجموعة من السرديات التي تنطوي على دروس دينية وأخلاقية عامة، نوظفها لإرشاد النشء والشبيبة باعتبارها “دين”. أما الصحيح فهي حقيقة أن الدين لا يؤرخ، والذي يؤرخ هو كل شيء يحمل بصمات وآثار مرور الزمن كالبشر والأماكن، من بين سواها.
العناوين أعلاه تنقصها الدقة لأن الأديان، المنزلة خاصة (كالإسلام) لا تخضع لآثار مرور الزمن، بدليل أن عقائدها وتيقنات أتباعها لا يمكن أن تتحول أو تتحور عبر الزمن، حيث إن ما نؤمن به روحيًّا لا يستجيب للتغيير: فعندما يؤمن المسيحيون أن السيد المسيح (عليه السلام) ولد من أم لم يمسسها بشر، إنما هم يؤمنون بما لا يستقيم مع معطيات العلم الحديث؛ بل إن الأهم هو أن هذه المعطيات التي تجيد بها العلوم محرمة التطبيق على المعتقدات الدينية. وتنطبق ذات الحال على العديد من المعتقدات الدينية التي نحتضنها دون مناقشة بالرغم أنها لا تستقيم مع المنطق العلمي. الحقائق الدينية تنبع من مصدر مطلق، لذا فإنها حقائق مطلقة لا جدال فيها، حتى لو خالفت الحقائق الدنيوية التي اكتشفها العقل التجريبي للإنسان دون مساعدة من الوحي.
إذًا، فالأديان المنزلة مطلقة واحتضانها ينطوي على إيمان بأنها مطلقة ولا تتأثر بالتقادم أو بمرور الزمن: فكيف، إذًا، يمكن لمؤرخ أن يدعي أنه يكتب تاريخًا لدين، أي لتقليد روحي؟ الأمر الذي يفسر استعصاء الكلام عن “إسلام مجدد” أو مسيحية “قديمة” ويهودية “جديدة”. الأديان لا تنمو مع الزمن، فهي لا تكبر وتشيخ، لأنها ظواهر فوق زمنية. أي أنها “فوق التاريخ”.
إن التاريخ يترك أثر مرور الزمن على المؤمنين بالأديان، أي على المسلمين أو اليهود أو المسيحيين أو البوذيين أو الهندوس، وليس على الأديان نفسها! هذه مسلمة يجب أن نسلم بها بدقة، كما يجب على المؤرخين إيضاحها للقارئ من بدايات تواريخهم. إن كتابًا بعنوان خاطئ من نوع (تاريخ الإسلام) إنما يوهم القارئ بما هو ليس فيه، بل ويعجز عن الإلمام به. هو يعني (تاريخ المؤمنين بالإسلام)، وتنطبق ذات الحال على عنوان من نوع (تاريخ المسيحية في أوروبا)، بمعنى قصة انتشار هذا الدين بين الشعوب الأوروبية. وتنطبق نفس الحال على عناوين أكثر دقة من تلك العناوين التعميمية الجارفة كـ(تاريخ الإسلام)، الذي يمكن أن يعني (تاريخ الشعوب الإسلامية أو المسلمة). هنا يكون العنوان مقبولًا لأننا يمكن أن نؤرخ للإنسان المسلم، ولكننا نتجاوز حدود العقل الآدمي عندما نزعم بأننا نؤرخ لتقليد روحي، لأننا، في هذه الحال نعبث خارج مدار العقل التجريبي والزمني باتجاه مدار الإلهي اللا زمني المطلق.
الأديان تكمن فوق التاريخ، بل وحتى فوق الزمن: هي تؤثر على الزمن وتلويه ولكنها لا تلتوي بسببه، هي تصنعه من خارجه.

إلى الأعلى