الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تهجي، فمذاكرة .. قراءة، فحوار

تهجي، فمذاكرة .. قراءة، فحوار

أ.د. محمد الدعمي

المقصود بالقراءة الإبداعية هو: أن يسمو القارئ الفطن بنفسه نحو أعالي وعي الكاتب أو معارف الفيلسوف الذي يقرأ هو كتابه. أما كيف يسمو بنفسه إلى مصاف هؤلاء، فإن هذه العملية لا يمكن أن تتم «بالقراءة» أو بـ»الاطلاع» البسيط المجرد، ذلك أن القارئ يغدو بدرجة من النضج والحيوية الفكرية، أنه عندما يقرأ كتابًا لفرويد أو لطه حسين، فإنه يحاول أن يحاور عقل الكاتب عبر نصه.

لم يزل المرء (في عالمنا العربي، عامة) يذكر زمنًا كان المعلم فيه يصف ذهابه إلى الصف في المدرسة بقوله: «أنا ذاهب لأحفِّظ (بكسر الفاء وتشديدها) الطلاب»، بمعنى يجعلهم «يحفظون» الدرس. على الرغم من سلبيات هذه الطريقة «الكلاسيكية» في التربية والتعليم، يبقى «الحفظ» هو الخطوة رقم واحد في رحلة الألف ميل على طريق التعليم، فيقال بأن «التكرار هو سر التعلم». والتكرار هنا يعني الترديد الببغائي لما ينبغي للنشء تعلمه، كخطوة أولى.
ولكن على الرغم من النقد الذي توجه إلى هذه الطرائق التعليمية القديمة من قبل مؤيدي النظريات التربوية الحديثة، بقيت مدارسنا تعتمدها، تأسيسًا على التجربة وعلى نجاحها في السابق. وعندما يتطور وضع النشء قليلًا، تتم عملية تكريس «الحفظ» بما يسميه إخواننا في مصر بـ»المذاكرة»، مرادفًا واستكمالًا للحفظ، أي استذكار ما حفظ المرء، بمعنى أنه يحفظ ثم يختبر نفسه إن كان قادرًا على تذكر ما حفظه، وفي هذه الطرائق القديمة الكثير من الفوائد، خاصة بقدر تعلق الأمر باكتساب المصطلح وببناء خزين لغوي كافِ في أرشيف المتعلم. وهذا ما فعلناه في مدارسنا حتى تخرجنا من الثانوية أو الإعدادية (أو التوجيهية).
وهنا، أي بعد قطع المسافة الأولية تتبلور الحاجة للاطلاع على عيون الكتب والمؤلفات، خارج حدود المناهج المدرسية، الأمر الذي يقود إلى ما يسمى بـ»القراءة» الجادة و»الاطلاع» التثقيفي الناضج الذي يغدو من لوازم الرجل المثقف أو المرأة المثقفة الأساس، إذ يحاول الفرد كسر إحتكار المنهج المدرسي، قناةَ تعليمية، عبر اقتحام عوالم المفكرين والفلاسفة الكبار، فتراهما، رجلًا أو امرأة، يتسكعان في أسواق الكتب بحثًا عن (فلسفة الأخلاق) أو عن (الوجود والعدم) أو عن (تفسير الأحلام)، بوصفها من القراءات المفتاحية التي تؤهل الفرد لأن يكون مثقفًا، قابلًا للتقديم كـ»رجل مهذب» أو كـ»امرأة مهذبة» Gentleman. وفعلًا، تتم عملية الاكتساب وتمرير الدروس والعبر والمعارف والأفكار من الحرف المكتوب والسطر المطبوع نحو العقل الذي ما يبرح يكتسب ويختزن الجديد واللذيذ مما تتمخض عنه القراءات.
من هذه النقطة المهمة، إذا ما قرر المرء تكريس أو دعم ثقافته «العامة»، دون التركيز على حرفة عملية معينة أو على كسب المال فقط، تتمدد القراءة نحو فضاءات القراءة الإبداعية اللامتناهية.
والمقصود بالقراءة الإبداعية هو: أن يسمو القارئ الفطن بنفسه نحو أعالي وعي الكاتب أو معارف الفيلسوف الذي يقرأ هو كتابه. أما كيف يسمو بنفسه إلى مصاف هؤلاء، فإن هذه العملية لا يمكن أن تتم «بالقراءة» أو بـ»الاطلاع» البسيط المجرد، ذلك أن القارئ يغدو بدرجة من النضج والحيوية الفكرية، أنه عندما يقرأ كتابًا لفرويد أو لطه حسين، فإنه يحاول أن يحاور عقل الكاتب عبر نصه. هنا تكون الغاية الأكثر فائدة ومردودًا من القراءة، بمعنى أن النص الفكري أو الفلسفي يستدرج القارئ الفطن إلى مناقشة مؤلف النص ومحاججته درجة السمو بالذات إلى مستوى ذهنية ذات المؤلف ومنظومته المنطقية.
بهذه الطريقة يغلق هذا القارئ الحذق كتابًا لأفلاطون، على سبيل المثال، ثم يجد في نفسه من المؤهلات ما يسمح له بالكتابة والتأليف أو التعليق على أقل تقدير، تتبعًا لخطى أفلاطون أو سارتر، نيتشه أو تشومسكي! أليف تتبعًا لخطى «أفلاطون» أو «سارتر»

إلى الأعلى