الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لندرك في الأضحى.. ما تَحِلُّ التضحيةُ به وما تَحِلُّ التضحيةُ من أجله

لندرك في الأضحى.. ما تَحِلُّ التضحيةُ به وما تَحِلُّ التضحيةُ من أجله

علي عقلة عرسان

بين شُعَب هذه الثلاثية، نقف في هذه الأيام لنستقبل عيد الأضحى المبارك، وفي غِمارها نترجَّح بين الرجاء والخوف.. بين لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، وبين صيحات الحرب، ونزيز المقت، وأزيز قذائف الطائرات والمدافع والدبابات والمتفجرات، التي تحمل الدمار والموت، وتؤسس لمزيد من الفتنة والضعف والتمزق.. وفي الحالين، بين الضفتين اللتين يحكمهما أعداء الأمتين العربية والإسلامية، ويتحكمون بكل ما يتعلق بالحرب/الفتنة.. يرعد الإعلام ويزبد، بمنطق ساسة، ورجال دين..

على عتبة عيد الأضحى المبارك، في العام السابع والثلاثين بعد الأربعمئة والألف، للهجرة النبوية الشريفة.. يستعد حجاج بيت الله الحرام، لأداء فريضة الحج، ويهيئوون الأضاحي ليوم النِّحر.. يبتهلون ليغفر الله لهم، ويرضى عنهم، ويقبل منهم سعيهم، ودعاءهم، وقيامهم، ونسكهم، ويتقبل منهم، فداء للنفس البشرية، أضحية أحلها لهم، وفرضها عليهم.. منذ أن استسلم إبراهيمُ وإسماعيلُ لأمر ربهما، في تلك الرؤية “إني أرى في المنام أني أذبحُك”، وتل الوالدُ ابنَه الوحيدَ للجبين، يريد تقديمه قربانًا: طاعة لله، وتقربًا منه، وزلفى لنيل رضاه.. ففداه الله بِذبْحٍ عظيم.. وأصبح ذلك سنة يتبعها الحُنفاء ـ المسلمون، إلى يوم الدين.. وتتعلق قلوبهم بحجيجهم، في مشارق الأرض ومغاربها، ويشاركونهم الدعاء والرجاء.. في هذه الأوقات، وفي هذا الوقت بالذات، والقلوب عند عتبة عَرفات.. تستعد جيوشٌ، وقوى رديفةٌ لها، وميليشياتٌ تحت أجنحتها، من جهة، وتنظيمات مسلَّحة، لمعارضات مؤتلفة وغير مؤتلفة، ومتمردين ومحرّرين وما شئت من تصانيف بشر، من جهة أخرى.. وكلهم، على ضفتي نهر الحياة ـ الموت، أو الموت ـ الحياة.. من المسلمين.. يستعدون لخوض معارك ضارية، يقولون إنها مفصلية، وقد تكون الأشرس من نوعها في تاريخ الحرب المجنونة، المستمرة منذ نيِّفٍ وخمس سنوات.. في أقطار عربية منها: سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا.. إلخ، وفي المدن والقرى، والمعسكرات والمخيمات والثكنات.. تنتظر ضحياهم من المسلمين، مدنيين وغير مدنيين، أيام النّحر، نحر الإنسان على يد الإنسان، نحر المسلم بيد المسلم.. نقيضًا لما أمر به الله سبحانه الذي كرم بني آدم، وافتداه، ونهى عن إزهاق النفس، وأمر بإحيائها؟!.. حيث يخوض أولئك، والأعداء الألداء، “الحلفاء الأعلون؟!”، الذين يحرّضونهم، ويحركونهم، ويبطشون بهم، وبالأمتين العربية والإسلامية من خلالهم، بذرائع تمتد بين محاربة الإرهاب، والمحافظة على وحدة البلدان المستهدَفَة بنار الحرب “أرضًا وشعبًا”، والحرص على الديمقراطية المستقبلية، “المنشودة الموصوفة المشروطة، المبرأة من كل داء”، وعلى حقوق الإنسان المُشْهرَة كسيف ذي ازدواجية قتالة، ومنها حقه في أن يموت دون أن يعرف السبب، ولا التوقيت، ولا النهاية الممكنة لمد الموت الذي يطال أمته، ولا يرحم أحدًا.
وفي الفضاء الإسلامي، الفضاء السياسي الذي يُلفّع الدين بأغراضه، والحج بأمراضه.. وبمناسبة هذه الأيام المباركة، ترتفع أصوات باللعنات، والاتهامات، والتوعدات، وتردّ عليها أصوات بما يجاريها.. بين مسلمين، يفتَرَض فيهم أن يرعوا البلاد والعباد في هذه المواسم، وأن يترفّعوا ويرتفِعوا بالناس إلى مستويات أعلى بكثير، من إثارة النعرات، وإحداث البلبلة، وإثارة المشاعر والانفعالات.. لكن واقع الحال أنهم ينجرون، بصورة أو بأخرى، إلى مزالق وسياسات وملاسَنات، فيها بلاء وابتلاء للمسلمين، وتصب زيتًا على نار الفتنة المذهبية “الشيعية ـ السنية”، المشتعلة نارها في بلدان عربية وإسلامية، حيث يُحشَد لها من يكون وقودًا لها، ومدًّا لحرائقها؟! والمؤلم المؤسف، أن السدنة الذين يضرون نار الفتنة، وجلهم من أعداء العروبة والإسلام، يحرصون على استمرارها، وتوقّدها، حتى آخر صَبي، وآخر امرأة، وآخر شيخ، وآخر آمن مؤمن، من المسلمين.. يدعو الله سبحانه وتعالى، أن يلجم الفتنة وأهلها، وأن يعيد الأمن والوعي والعقل إلى الناس، لا سيما لأهل الحل والعقد منهم، ممن طاشَ حجرُهُ، فذهب في طُرُق الغيِّ إلى الحد الذي قد لا تكون معه رجعة إلى الدين الحق، والوعي المسؤول، والروح القيادية القادرة على الرؤية في خضم الظلم والظلمات، لتنظر في أمر شعوب باتت ضحايا حمم النار، وتتلظَّى في حمى الأحقاد، والكراهيات، والثارات، والفتن الماحِقات.
بين شُعَب هذه الثلاثية، نقف في هذه الأيام لنستقبل عيد الأضحى المبارك، وفي غِمارها نترجَّح بين الرجاء والخوف.. بين لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، وبين صيحات الحرب، ونزيز المقت، وأزيز قذائف الطائرات والمدافع والدبابات والمتفجرات، التي تحمل الدمار والموت، وتؤسس لمزيد من الفتنة والضعف والتمزق.. وفي الحالين، بين الضفتين اللتين يحكمهما أعداء الأمتين العربية والإسلامية، ويتحكمون بكل ما يتعلق بالحرب/الفتنة.. يرعد الإعلام ويزبد، بمنطق ساسة، ورجال دين، لا يرون في الناس ناسًا، ولا في الأحياء أرواحًا، ومنهم مسلمون نافذون، لا يرعون في الله إلًّا ولا ذمة، فيذهبون بأمتهم ودينهم وشعوبهم إلى جحيم الوغى، ويُرضون أعداء العروبة والإسلام، بكل فعل وقول، تتهلل له وجوههم، وترقص على إيقاعه قلوبهم في الصدور؟! وأي تفتيت، وتمزيق، وإضعافٍ، ودَسٍّ للسم الزعاف في شرايين العرب والمسلمين، وفي أوردتهم.. وأيُّ فتك بهم، وهلاك لهم، وإبادة تنهيهم.. لا يرضى أولئك الذين يقولون “الموت للعرب”، ويطاردون الإسلام بالتهم والافتراءات والإساءات والأكاذيب، والمسلمين بالتطرف الإرهاب، وغير ذلك، مما يعملون جاهدين، على إظهار أنه من صلب العقيدة الدينية، ومن جوهر الإسلام؟!
الوزيران كيري ولافروف يتفاوضان بشأن الحرب في سوريا، وبشأن تفاهم، وتعاون عسكري، وتنسيق تام، يتعلق بحلب، المدينة التاريخية العريقة، وبسوريا التي تُفتَح فيها أشداق جهنم، لتبتلع الناس، من مختلف المواقف والمشارب والألوان والأجناس، وعلى رأس المُسْتَهدَفين بالابتلاع ـ الإبادة، السوريون الذين نزفوا حتى الإغماء، ويُسْتَنْزَفون حدَّ الإبادة.. إنهم أولئك الذين غرقوا في دمائهم، ويستمر قتلهم، وتشريدهم، وشقاؤهم، لكي يأمن كيان الإرهاب والعنصرية الأول في العالم “إسرائيل”، وليتوسع ويهيمن، ويفرض على العرب، وسوريا في القلب منهم، كل ما يريد.
لا يتفق الوزيران، كيري ولافروف، على حل، فالثقة المفقودة بين بلديهما، لا تسمح بالاتفاق، وهما لن يتفقا فيما يبدو، لأن الأمر لا يتعلق بسوريا فقط، بل ببلدان، ومناطق نزاع، وبقضايا، ومصالح أخرى، منها أوكرانيا، والعقوبات.. ولو كان تفاوضهما يجري في مجرى حسن النية، والحرص على حل سياسي في سوريا، لكانا توصلا إلى ذلك، أو إلى ما يخفف المأساة السورية ولو قليلًا.. فهما يبحثان منذ سنتين على الأقل عن “حل” للمسألة السورية.. بينما تشير الكثير من الوقائع والمعطيات، إلى أنهما عمليًّا يعطلان، منذ البداية، كل حل في سوريا، ويتسابقان على تعزيز وجودهما من خلال التحالفات، وإقامة القواعد العسكرية، وتمكين أدواتهما وقواهما في ساحات الاقتتال.. فما يهمهما أن يتفقا عليه، إذا اتفقا على شيء، هو هو تنسيق القتل، واستمرار الاقتتال واستفحاله.. وتأتي على رأس الأولويات الآن معركة مدينة حلب. إنهما حريصان على اتفاق يضع حلب في مرمى ناريهما المشترك، لتكون حلب لكليهما، كل ملء شدقيه، إذ إن اقتسام النفوذ في سوريا، وكذلك المخطط السياسي ـ الأمني لها، والتقاسم، أصبح بمتناول يديهما، ولا ينازعهما في هذا الشأن أحد، فالشركاء والحلفاء والأدوات وأصحاب المقاولات العسكرية.. كلهم تحت الجناح المفرود لكل منهما. فهل نستيقظ على اتفاق قريب بشأن حلب، يعيد إلى الأذهان برلين الغربية وبرلين الشرقية، بعد معارك دموية مشتركة للقوتين في حلب؟! ربما.. ربما.. وعلينا أن نتذكر أن القضية في حلب أهون من ذلك الأمر البرليني بكثير، وسوف يتم اتفاق على ذلك.. ولكن هناك من يعمل على أن يسبق في حلب، وكأنه خارج السيطرة، بمعنى أن يسبق ليسيطر، وهي سيطرة لطرف منهما على حساب “غفلة” طرف، بشأن حلب؟! وهذا من أسباب أو من مظاهر عدم الثقة التي يتحدثان عنها، أو على الأصح، يتحدث أحدهما عنها.. وقد تكون وقفات عيد الأضحى القادمة مضرَّجة بدماء حلب، أكثر من دماء غيرها من المدن والقرى السورية التي تسيل دمًا.
إن الكلام في هذا الموضوع لا يُشفي للمرءِ غُلَّة، فقد قيل الكثير في هذا الصّدَد، وتم التحذير من هذا المصير الذي ينتظر الشعب والبلد، تمَّ من جانب الكثيرين من السوريين المتبصرين، ومن الحريصين على سوريا، وشعبها، ومكانتها، ودورها، من الشرفاء والمخلصين.. لكن من دون جدى، فناقع السمِّ تخفَّى في تلافيف الجسم، وأصبح كلٌّ يمتحُ من رأسه الحامي صبيب دم وشجاعة وحسم ووهم، ليكسب رهانات كلُّها خاسرات، مكلفات، باهظات الأثمان، مدمِّرة للبنيان، والعقل، والوجدان.. ويدفع دمه ودم أخيه وابنه وابن عمه وأبيه، ليقبض ثمن وطنه، بينما لا يلقى المواطن الحق الذي يتكلم باسمه، لا يلقى ثمن كفنه، ولا يلقى قبرًا في الوطن؟! نحن اليوم أمام واقع، وأمام حقائق ووقائع على الأرض، أمام بشر أكلت الحرب، وأشقاهم أشقياؤها.. وأمام تجارب أمم وشعوب خاضت حروبًا، أو فُرِضت عليها حروبٌ من هذا النوع أو ذاك، وأمام تاريخنا الزاخر بالعِبَر.. وكل ذلك يشير إلى أننا بمواجهة كوارث قائمة، وأخرى قادمة.. وأننا لا نملك من أمرنا الحسم، لا في شأن السلم، ولا في شأن الحرب.. فقد ضِعنا وأَضعنا، أو كدنا نصل إلى ذلك الأمر المَخوف، أو إلى ما هو أدهى منه وأمَرّ.. ويشير إلى أننا خارج دائرة لعبة القوة المتصلة بتقرير المصير، مصيرنا وأي مصير، أو الحاسمة في تقرير مصير.. فقد دمَّرنا ما بنيناه من قوة حلال عقود مضت، بما لم يستطعه العدو المدجج بكل الأسلحة وأسباب القوة.. وقد قتل بعضنا بعضًا وذاك لا يحرّرنا، ولا يُحرِّر بنا، ولا يجعلنا سادة أنفسنا وقرارنا، ولا يجعلنا مالكي مصيرنا بحسم وعزم، فضلًا عن تصور خلاق قابل للتنفيذ، يتعلق بمستقبلنا، ذاك الذي لا بد أن يرتبط بحاضرنا، حاضر الدمار والانهيار والتقهقر، والمفزع مما قد يكون، لا سمح الله، اندحارًا من حلبة التقدم.. نحن أمام هذا الواقع، أمام معطياته، فعليًّا وعمليًّا.. وعلينا أن نواجهه الواقع بمسؤولية، قبل أن نصبح الفَقْدَ ذاتَه، وبلا قدرة على حمل مسؤولية. أما عن الكلام الذي يُسنِدُ كلَّ شيءٍ “إلينا”، ويملأ وهمنا ويهمًا مضافًا، فهو كلام مُلَغَّم ببعضنا، من الفاقدين للأهلية، والفاسدين والمتآمرين والنّفّاجين، المجردين من القيمة الُخُلُقية، القادرين على الافتراء بلا مراء.. ومن الموالين لغير وطننا وأمتنا وهُويتنا وعروبتنا وعقيدتنا، أو من المحكومين بذلك النوع من الولاء والأداء، في أحسن الحالات والتوقعات والافتراضات..!!؟ لقد أضعنا السيف، بعد أن أشبعناه دمًا وإغمادًا في صدور بعضنا بعضًا.. و”السيف أصدق إنباءً من الكتب”، كما قال أبو الطيب المتنبي، نزيل حلب الشهباء لسنوات وسنوات، وشاهد امتلاكها لمصيرها، ولقرار الغزوات، والرد على الغزوات.. الأمر الآن بيد قويّين يحركان الأقوياء والضعفاء، الأدوات والحلفاء و.. ومصير سوريا بيدهما، كله أو جُلُّه.. وأمرنا اليوم لا تقرره الكلاميات، والعنتريات، بل تقرره القوى الحاكمة على الأرض، وهي قوى الاقتتال الفتنوي البغيض، الممتد بلا ضفاف، والاقتتال المقيت حسب الطلب بلا خلاف.. أما الشعب، “أبو الحرية، والتحرير، وتقرير المصير”، فقد أصبح حطبَ نار المتحاربين، وأصبح مشتَّتًا، ومعوَّقًا، ومشرَّدًا، حتى لأكاد أقول مُبَدّدًا.. فهو، ويا لشقائنا، بين لاجئ ونازح، مهجَّرٍ ومهاجِر، مريض وجائع، خائف وتابع.. وبين باحث عن أمن في داره فلا يجد داره، ولا أمنًا في جواره، وباحث عن وجود كريم عزيز، فلا يجد كرامة في أرضه بين الفاسدين، والمستبدين، والأدعياء، والمفتونين، والمعتصبين، والمتطرفين، والإرهابيين، والمعتدين.. وهو في ذلك كله بين مَوؤود، ومَفقود، ومَكبود.. يبحث عن ذاته، فلا يجدد إلا فُتاتَها، وفُتاتَه، ويتطلع إلى الأمة، فيجدها تدخل في غَمَّةٍ بعد غَمَّة. وفي عتمة بعد عتمة.. ويرى بعض قادتها يقتادونها إلى المهالك، لا يهمهم من أمرها إلا أمرهم.
فيا الله.. أَخرجنا، برحمتك، من الظُّلمات إلى النّور، وامنحنا بعض الحِجى في هذا الدُّجَى، لنميز العدل من الجور، وهيئ لنا من أمرنا رشدًا، لكي نرى، وندرك.. في عيد الأضحى المبارك هذا، ما تَحِلُّ التضحيةُ بهِ، وما تحل التضحية من أجله..
إنك بكل شيءٍ بصير، وعلى كلِّ شيءٍ قدير.

إلى الأعلى