الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إفلاس مصارف الغرب مؤذن باندلاع حروب الشرق

إفلاس مصارف الغرب مؤذن باندلاع حروب الشرق

د.أحمد القديدي

”.. الحرب هنا ليست إلا حلا لأزمات داخلية غربية حيث تنشط مصانع السلاح في الغرب فيتحول اهتمام الناس في أوطاننا الساعية نحو النمو ومنها العربية من المشاكل الداخلية المعيشية إلى متابعة أخبار الجبهة وما يتبعها من إعلان الولاء للزعيم القائد وتعزيز الجبهة الداخلية وتكريس وحدانية حزب ووحدانية رجل منقذ ثم فتح الباب أمام التدخلات الأجنبية.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قلة من خبراء الاستراتيجيات الدولية يربطون بين ما يشهده الشرق الأوسط من أزمات وبين حالة البنوك الكبرى المتدهورة في الغرب رغم أن الدرس القاسي الذي استخلصناه من إفلاس بنوك أميركية عام 2008 لم يزل ماثلا أمامنا ورغم أن جميع الحروب الاقليمية والعالمية في القرن العشرين بدأت بإفلاس المصارف. السبب المباشر للعلاقة الجدلية بين حالة المصارف الغربية وحالة الأمن العالمي هو أن ما نسميه المجتمع الدولي ماهو إلا الغرب المهيمن وأن ما نسميه النظام العالمي ما هو إلا نتاج الخيار الليبرالي المتوحش المكرس لهيمنة الغرب وهذا الغرب قائم على نظام ليبرالي أناني يعتمد على المصارف العملاقة لإدارة اقتصاده وسن سياساته واستمرار هيمنته. وأخيرا منذ أسبوعين صدر عن دار (فلاماريون) الباريسية كتاب قيم بعنوان (انتحار الغرب انتحار البشرية) مؤلفه هو رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق (ميشال روكار) الذي غيبه الموت منذ شهرين فجاء هذا الكتاب كوصية رجل راحل حنكته تجارب الحكم وساهم بقسط كبير في هندسة العلاقات الدولية لمدة تزيد عن نصف قرن وكان لي معه لقاء عفوي في باريس في رحاب السفارة القطرية بالعاصمة الفرنسية وهذا الكتاب يحلل الحقيقة التي ذكرتها في عنوان مقالي ويدعو بجرأة إلى إعادة تفعيل مبدإ الرئيس الأميركي (روزفلت) الذي فرق ما بين البنوك التجارية والبنوك الاستثمارية وهو مبدأ أطلق عليه نعت:
باسم عضوي الكنغرس اللذين قدما هذا القانون الذين سنه روزفلت GLASS -STEAGALL من أجل فك الاشتباك بين مؤسسات مالية تستثمر وتمول التنمية ومؤسسات أخرى تمارس المضاربات ولا يهمها سوى الكسب. ويقول ميشال روكار أن الغرب يتدحرج بسرعة نحو الهاوية لأنه لم يعد النظر في منظومة الليبرالية المتوحشة ولم يراجع سياساته المتجبرة على الأمم الأخرى لأنه لا يزال تحت تأثير اعتقاده الخطأ بأن حضارته هي الأرقى مما سبب مغامرة الاستعمار في القرن التاسع عشر واستمرار التدخل في شؤون الأمم الأخرى. ومن جهتي أعتقد أن خبراء وعلماء الاقتصاد يعرفون هذه الحقيقة والمؤرخون في كتبهم يؤرخون بداية انهيار النظام العالمي بإعلان إفلاس بنك مركزي أو بنك مهم في دولة غربية يتبعه مثل أحجار لعبة الدومينو سقوط أسواق المال واستفحال الفوضى في الأسهم وتردي الأعمال ونضوب الاستثمارات وفقدان التوازن في قيمة صرف العملات الأساسية كالدولار واليورو والين ومؤامرات الحط من قيمة الطاقة والمعادن الحيوية (مثال النفط قائم أمامنا) مع مؤامرات رفع قيمة المواد المصنعة لديهم وقيام الحركات النقابية والمطلبية في بلدان الجنوب مع اتساع أعمال العنف ثم اضطرار الحكام إلى استعمال القوة لقمع المتمردين ومن ثم إشغال الرأي العام بقضايا خارجية كانت ضمن الأرشيف مثل خلافات حدودية مع دولة جارة أو السعي لاجتياح دولة أضعف أو إثارة ملفات قديمة بين مجموعات إقليمية أو إحياء نعرات طائفية وعرقية وما تبع ذلك دائما من خضوع حكوماتنا لإملاءات صندوق النقد الدولي المعروفة أي خصخصة القطاع العمومي والحط من قيمة العملة الوطنية وتسريح العمال بالتالي اختلاق الظروف الوطنية والجهوية والعالمية لقيام حركات تمردية تحمل عادة اسم ثورات صندوق النقد الدولي وتمهد لإعلان حروب إقليمية.
والحرب هنا ليست إلا حلا لأزمات داخلية غربية حيث تنشط مصانع السلاح في الغرب فيتحول اهتمام الناس في أوطاننا الساعية نحو النمو ومنها العربية من المشاكل الداخلية المعيشية إلى متابعة أخبار الجبهة وما يتبعها من إعلان الولاء للزعيم القائد وتعزيز الجبهة الداخلية وتكريس وحدانية حزب ووحدانية رجل منقذ ثم فتح الباب أمام التدخلات الأجنبية. أما في الدول الغربية المتأزمة فيتحول الناس إلى اليمين المتطرف وتحظى هذه الأحزاب العنصرية بأصوات الناخبين مثلما وقع سنة 1933 في ألمانيا حين وصل حزب هتلر النازي إلى الحكم بالاقتراع لا بالانقلاب. كان هذا هو حال اندلاع الحرب العالمية الأولى ثم الثانية وعشنا أزمة بنوك أميركا سنة 2008 أزمة الرهن العقاري هي أزمة مالية ظهرت سنة 2007 واستفحلت حين عجزت البنوك عن استرجاع قروضها العقارية وأفلس بنك (ليهمان براذر) وأفلس بنك (غولدمان ساش) الذي لديه استثمارات في أقوى أسواق المال الغربية وتبعته أزمات خطيرة مثل كرة الثلج مست العالم بأسره. واليوم نعيش أزمة بنوك كانت عتيدة راسخة مثل (دوتش بنك) الألماني الذي يعتبر العمود الفقري للاقتصاد الألماني والأوروبي وقد نشرت صحيفة (فرنكفورت ألغاماين زايتنغ) يوم 7 أغسطس الماضي حوارا مع أكبر خبراء المال (مارتين هالويغ) أطلق فيه صيحة فزع داعيا لتأميم (دوتش بنك) بصورة استعجالية. ثم تأملوا ما يحدث لبنك (إتش اس بي سي) البريطاني الأميركي وفي الواقع العابر للقارات متعدد الجنسيات وهي المؤسسة المالية التي كانت تقريبا الأولى في العالم حيث أعلنت أنها فقدت 40% من استثماراتها وسرحت 5000 من موظفيها وفي بلداننا العربية نجد صورا مصغرة لأزمات خطيرة تهدد البنوك بالإفلاس وهي حجر الزاوية لكل الاقتصادات العربية كما أنها في الواقع مرتبطة كليا أو جزئيا بالبنوك الأوروبية والأميركية التي تستحوذ عليها بدعوى الزيادة في رساميلها وإنقاذها من الإفلاس مما يعني أن خياراتنا السياسية الوطنية في العالم العربي ليست تماما خياراتنا نحن بل تمليها علينا كليا أو جزئيا بنوك أوروبية وأميركية (منذ شهور قام أحد وزراء الحكومة التونسية بتكليف بنك (لازار) الفرنسي بتقييم الأداء الاقتصادي الوطني التونسي واقتراح الحلول كأنما تونس ليس لديها من يقيم ومن يقترح !!!) مع العلم أن هذه البنوك الغربية كانت هي نفسها سببا في احتلال بلداننا في القرن التاسع عشر حين أقرضت حكوماتنا ثم عجزت تلك الحكومات عن تسديد الديون فجاءت البوارج الحربية وأنزلت جنود الاستعمار في مدننا وأعلنت القوى الاستعمارية أنها تحتلنا لاسترجاع أموالها وأننا أصبحنا تحت الحماية (الحماية هي نظام هجين للاستعمار وتخريب الشعوب ونهب الخيرات) هذا بالضبط ما وقع في وطني تونس حين حلت جيوش فرنسا في أرضنا سنة 1881 وأنشأت لجنة مالية تعرف بالكوميسيون لديها شارع في تونس العاصمة لا يزال شاهدا على عمى ملوكنا آنذاك وألحقت تونس بالجزائر وبالمغرب كمستعمرة فرنسية إلى أن نشأ جيل من شبابها وطالب بالاستقلال وطويت صفحة الاستعمار المباشر. ولعل القراء الكرام يتساءلون هل هذا قدرنا كمتخلفين أم أن بالإمكان إيجاد حلول أخرى لأزماتنا وهنا لا بد أن نعرج على ما يقدمه الصينيون من أفكار واقتراحات بدأ عديد السياسيين في الغرب ذاته يتحمسون لها وتتلخص فيما صدر من بيانات في مؤتمر انعقد في العاصمة الصينية يوم 29 يوليو الماضي بحضور مسؤولين ومفكرين من دول أوروبا وأسيا وإفريقيا وحللوا أثناء المؤتمر إمكانية تعويض النظام العالمي الجائر المتوحش بطريق الحرير الجديدة التي تؤسس الجسور وتهدم الجدران وتنطلق من مبادئ التضامن الانساني الشامل ومن ضرورة تعزيز التعاون والسلام بين الحضارات كبديل عن التمهيد للحروب بتعزيز سلطة المصارف. وقد ندد قداسة البابا فرنسيس بالجري وراء القوة والتجبر في العالم قائلا إن إرهاب النظام العالمي هو الإرهاب الأول والأكبر مضيفا أن الإسلام دين وحضارة براء مما يلصق بهما من إرهاب.

إلى الأعلى