السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خمسون مليون طفل اقتلعوا من الجذور

خمسون مليون طفل اقتلعوا من الجذور

كاظم الموسوي

المنظمة الدولية والهجرة نشرت أرقاما عديدة عن عدد الغرقى في البحر المتوسط فقط، ولم يُصدم كاتب التقرير أو كتبته إلا بالصورة التي أريد لها أن تكون عبرة للمهاجرين، صورة الطفل إيلان الكردي السوري، الذي ألقته الأمواج على الشاطئ بعد غرقه في البحر، وكان معه أطفال آخرون وواجهوا المصير نفسه، ولكن لا أحد يريد أن يذكرهم أو حتى يتذكرهم. وكذلك جرى مع صورة الطفل السوري عمران وهو جالس في سيارة اسعاف بعد تدمير منزله.

خمسون مليون طفل في مختلف أنحاء العالم اقتلعوا من جذورهم، هكذا بكل برود تنشر منظمة رعاية الطفولة (اليونيسف) التابعة للأمم المتحدة تقريرها المشفوع ببيانها الصحفي من نيويورك يوم 7 ايلول/ سبتمبر هذا العام. إذا أخذناه بنوايا حسنة فيمكن القول إن المنظمة قد تسعى لدق جرس إنذار أو تنبيه، ولكنها من تجربتها تعرف أنها تقوم بصرخة في برية، ولا حياة لمن تناديه، من المهيمنين على سياسات المنظمة الدولية وقراراتها، بل والمسؤولين الأساسيين عما كان سببا لما يحصل، فلماذا اقتلع هذا الرقم المليوني من جذوره؟ وكيف حصل ما حصل؟ هل هي الحرب والصراعات والعنف فقط؟ وهذه أسباب معروفة، ولكن من أشعل الحرب ومن باع السلاح، ومن خطط وتآمر وتواطأ وافتعل الصراعات، وسمّن العنف وصب الزيت على النيران الملتهبة والمناطق الساخنة في العالم؟ فهل استطاعت المنظمة في تاريخها أن تحمّل المسؤولية لمشعلي نيران الحروب والقتل والإرهاب ومسببي قلع جذور خمسين مليون طفل؟ وماذا سيحصل في النتائج والعواقب لمثل هذا الرقم المليوني وكيف ستعالجه المنظمة وأصحاب القرار السياسي في إدارتها أو المنظمة التابعة لها؟!
جاء في البيان الصحفي: في مختلف أنحاء العالم، تم اقتلاع ما يقرب من 50 مليون طفل من جذورهم ـ 28 مليون منهم نزحوا من ديارهم بسبب نزاعات ليست من صنع أيديهم، والملايين غيرهم هاجروا أملًا في حياة أفضل وأكثر أمنًا. بالإضافة إلى معاناة أغلب هؤلاء من آثار الصراعات والعنف التي فرّوا منها، فإنهم يواجهون المزيد من المخاطر على طول الطريق، بما في ذلك مخاطر الغرق أثناء عبور البحر، وسوء التغذية والجفاف، والاتجار، والخطف، والاغتصاب، بل وحتى القتل. وفي البلدان التي يمرون خلالها أو يتجهون إليها، غالبًا ما يواجهون التمييز والكراهية ضدهم كأجانب. وفي التفاصيل يُظهر التقرير ما يلي:
• يُمثل الأطفال نسبة غير متكافئة ومتزايدة من أولئك الذين يسعون للجوء خارج بلدانهم التي وُلدوا فيها: فالأطفال يمثلون نحو ثلث سكان العالم ولكنهم يشكلون ما يقرب من نصف مجموع اللاجئين. في عام 2015 جاء نحو 45% من جميع الأطفال اللاجئين تحت حماية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من سوريا وأفغانستان.
• نزح 28 مليون طفل من منازلهم بسبب العنف والصراع داخل وعبر الحدود، بما في ذلك 10 ملايين من الأطفال اللاجئين، ومليون من طالبي اللجوء الذين لم يتم البت في طلباتهم. كما يقدر عدد الأطفال الذين نزحوا داخل بلدانهم بـ17 مليون طفل، هم في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية والوصول إلى الخدمات الأساسية.
• المزيد والمزيد من الأطفال يعبرون الحدود بمفردهم. ففي عام 2015، طلب أكثر من 100,000 من القُصّر غير المصحوبين اللجوء في 78 دولة – أي ثلاثة أضعاف العدد المناظر في عام 2014. الأطفال غير المصحوبين هم من بين الفئات الأكثر تعرضًا لمخاطر الاستغلال وسوء المعاملة، بما في ذلك عن طريق المهرِّبين والمتاجرين.
• ترك حوالي 20 مليون آخرين من الأطفال الدوليين المهاجرين منازلهم لمجموعة متنوعة من الأسباب، بما في ذلك الفقر المدقع أو عنف العصابات. الكثير منهم يواجهون مخاطر سوء المعاملة والاحتجاز بشكلٍ خاص لأنهم لا يحملون وثائق، ويكون وضعهم القانوني غير مؤكد، ولا يوجد تتبع ورصد منهجيين لرفاههم ـ الأطفال يسقطون من خلال الشقوق.
اعتراف منظمة اليونيسف بما حصل لهذا الأرقام المليونية التقريبية من الأطفال ليس كافيا، رغم أهميته، ومحاولتها تحديد الأسباب المباشرة والتحذير من العواقب، ولكن كما هي العادة، لا تستمر في تشخيص الأسباب الفعلية وراء ذلك، ولماذا اقتلع خمسون مليون طفل من جذورهم، وما هي العواقب والتداعيات بعد فترة من الزمن؟ كيف ستكون عليه أوضاع هذا الرقم المليوني؟ ولماذا تستمر الحالات نفسها كل عام؟!
يعرض التقرير الجديد لليونيسف الذي صدر بعنوان “مُقتَلَعون: الأزمة المتفاقمة للاجئين والمهاجرين الأطفال”، بيانات جديدة لحياة وأوضاع الملايين من الأطفال والأسر المقتلعة، والمغامرة بكل شيء في رحلة محفوفة بالمخاطر خيارًا أكثر أمنًا من بقائهم في منازلهم. ولكنه يقدم صورة عما حصل لا تعكس الوقائع كلها، وتنقل ما كرسه الإعلام الموجه والمضلل عن الحقائق والوقائع، ويردد ما تناقلته وكالات الإعلام للدول التي سببت الكوارث والمآسي لهؤلاء الأطفال. فالمنظمة الدولية والهجرة نشرت أرقاما عديدة عن عدد الغرقى في البحر المتوسط فقط، ولم يُصدم كاتب التقرير أو كتبته إلا بالصورة التي أريد لها أن تكون عبرة للمهاجرين، صورة الطفل إيلان الكردي السوري، الذي ألقته الأمواج على الشاطئ بعد غرقه في البحر، وكان معه أطفال آخرون وواجهوا المصير نفسه، ولكن لا أحد يريد أن يذكرهم أو حتى يتذكرهم. وكذلك جرى مع صورة الطفل السوري عمران وهو جالس في سيارة اسعاف بعد تدمير منزله. أين صوّر الآخرين وهي تتحدث عن خمسين مليون طفل من أنحاء العالم؟!
أشار التقرير إلى أن “الكثير من هؤلاء الأطفال معرضون لسوء المعاملة والاحتجاز بشكل خاص، لأنهم لا يحملون وثائق… إنهم يواجهون مصيرهم وحدهم”. وذكر أن المزيد من الأطفال يعبرون الحدود بمفردهم إذ تقدّم أكثر من مئة ألف قاصر بدون عائلاتهم طلبات لجوء في 78 بلدًا السنة الماضية بزيادة ثلاث مرات عن أعداد سنة 2014. ولفتت المنظمة إلى أن الأطفال باتوا يمثلون نسبة كبيرة من طالبي اللجوء خارج بلدانهم الأصلية. ولهذا دعت، وهذا واجبها الأساس، إلى حماية الأطفال اللاجئين والمهاجرين، ولا سيما الأطفال غير المصاحبين، من الاستغلال والعنف، وإنهاء احتجاز الأطفال الذين يطلبون اللجوء أو الهجرة من خلال تقديم مجموعة من البدائل العملية، والحفاظ على تماسك الأسرة باعتبارها أفضل وسيلة لحماية الأطفال ومنحهم وضعًا قانونيًّا. ويظل السؤال هنا أيضا: وماذا بعد هذه الدعوة؟ وأين حدود واجبات المنظمة واجتهادات كتبة تقاريرها؟
يعترف آنتوني ليك المدير التنفيذي لليونيسف “ولكن كل صورة، كل فتاة أو فتى، يمثل عدة ملايين من الأطفال في خطر ـ وهذا يتطلب أن يتناسب عملنا من أجل جميع الأطفال مع تأثرنا بحالات الأطفال الفردية التي نطلّع عليها.” وربما أيضا لا بد أن يوضّح عمله مع الجهات التي يعرف جيدا أنها وراء ما حصل وقامت به بقصد وتعمد وتخطيط ولها أهداف ومصالح معروفة.
31 مليونًا من هؤلاء الأطفال لاجئون، و17 مليونًا نازحون داخل بلدانهم.. وأعداد الغرقى والموتى و…. أرقام مهولة، إنسانيا وأخلاقيا، “وهنا الوردة فلنرقص هنا”!

إلى الأعلى