الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / بالتقشف أحيا غاندى أمته وبالسفه قتلنا أمتنا

بالتقشف أحيا غاندى أمته وبالسفه قتلنا أمتنا

فوزي رمضان
صحفي مصري

” كيف استطاع هذ الجسد النحيل أن يزلزل العالم بحكمته ويزلزل امبراطورية التاج البريطانى المالكة للمال المدججة بالسلاح والمتكبرة بالنفوذ والمتغطرسة بالاحتلال كيف استطاع هذا النصف عاري ان ينجز المهمة المستحيلة والمستعصية ويخرج الانجليز من الهند وهو لايملك من الدنيا سوى سلاح التقشف والزهد. كيف استطاع هذا المتواضع ان يقلب موازين القوى ويخل بالمعادلة ويجعل التقشف سلاحا مدمرا امام السفه والغرور”.

عندما تصدر مجلة فوربس تصنيفها السنوى بقائمة اغنياء العالم ودائما يشمل مجمله الاثرياء من قادة وزعماء عالمنا وبأرقام فلكية تصيبك بالدوار وتجعل فقراءنا يجترون اوجاعهم، وعندما نسمع عن قوافل السيارات الفارهة وجيوش الخدم والحشم تخترق الصفوف لقضاء عطلة صيفية في بلاد الفرنجة، وعندما نلقى بأطنان من الموائد الثرية مكبات القمامة ، وعندما نسمع بتفاخر وجهائنا باقتناء وارتداء الغالي والثمين والمستفز من أفخم الماركات العالمية فائقة الأثمان، وعندما نسمع عن مسؤولينا الاستحواذ على آلاف الهكتارات من الاراضي والملايين من معدمينا يتخذون المقابر سكنا وانابيب الصرف الصحى مبيتا ..
وعندما نبالغ في الخطب العصماء عن الرحمة والانسانية والعدالة ولسان حالنا شاهد على الظلم والجشع والفساد والسفه، عندما نتذكر كل هذا لابد ان يلف مخيلتنا هذا الزعيم النحيل نصف عاري الجسد المتكئ على عصاه الهادئ الحركات الخافت الصوت. يشق الطرق بلا مال ولاسلاح متقشفا من كل شئ سوى الحكمة والتدبر والصبر والجلد … انه الروح العظيمة والاب الروحى لكل فقراء العالم انه غاندى.
كيف استطاع هذ الجسد النحيل ان يزلزل العالم بحكمته ويزلزل امبراطورية التاج البريطانى المالكة للمال المدججة بالسلاح والمتكبرة بالنفوذ والمتغطرسة بالاحتلال كيف استطاع هذا النصف عاري ان ينجز المهمة المستحيلة والمستعصية ويخرج الانجليز من الهند وهو لايملك من الدنيا سوى سلاح التقشف والزهد. كيف استطاع هذا المتواضع ان يقلب موازين القوى ويخل بالمعادلة ويجعل التقشف سلاحا مدمرا امام السفه والغرور. كيف استطاع هذا الزاهد احياء الحرف التقليدية القديمة والعودة الى النول اليدوى واحياء الصناعات النسيجية. فقد ادرك ان الاستقلال السياسى للهند لن يتحقق طالما يصدر الانتاج الزراعى كمادة خام او تشترى المنتجات الانجليزية الجاهزة .. ودعا أتباعه الى المقاطعة والتقشف وعدم استخدام الاقمشة الانجليزية. وكانت الضربة القاضية للمستعمر الذى مني بخسائر فادحة جراء المقاطعة حتى اصبح النول اليدوي رمزا للتحرر.
عندما تقول تلك الروح العظيمة(عش كما يعيش شعبك والبس كما يلبس وكل كما يأكل ومت من أجل الجماهير التى احبتك) وايضا (الفقر موجود لدينا لاننا نأخذ اكثر من حاجتنا وكيف استطيع ان اكافح الفقر فى وطن غالبيته لايجد قوت يومه وأجرؤ على القاء خطب عن القيم بينما اعيش حياة الاثرياء).
فلما كان الشعب الهندى يتخذ من الملح غذاء مع قطعة خبز مما دفع الانجليز لجعله سلعة استراتيجية وفرض القيود والقوانين التى ادت لاحتكاره وغاية الامر تركيع الشعب الهندى واذلاله وماكان من هذا المتقشف وباستخدام اسلوب المقاومة السلمية ان قاد عصيانا مدنيا وتقدم الجوعى الى حيث مواقع استخراج الملح مما اجبر الانجليز توقيع اتفاقية اعطت للهنود الحق فى استخراج ملح بلادهم.
كيف استطاع هذا الانسان البسيط العيش، الثرى الحكمة، استخلاص سلاحه من فقره وان يروض الامة الداخلية لتكون السيف المشهر فى وجه امبراطورية لاتغيب عنها الشمس وكيف لهذ المتقشف حتى من النساء ( فلم يتزوج سوى واحدة) ان يكون القدوة والمثل لكافة طوائف الهند فقد قرر البدء فى صيام حتى الموت احتجاجا على مشروع يكرس التمييز العنصرى ضد طائفة المنبوذين الهنود مما اجبر القادة السياسيين الى توقيع اتفاقية زيادة عدد نواب الطائفة.
خمسون عاما قضاها هذا الزعيم في اتمام رسالته بمنع الظلم ومحاربة الفقر وإلغاء التمييز العنصرى ومقاومة الاحتلال .. كان يخاطب شعبه قائلا انا انسان مثلكم لاتعاملونى كإله او انسان لديه قدرات ولا تحولونى الى تعويذة تجلب الحظ السعيد فقط حظكم هو عملكم.
وفي الوقت الذي يلعن سفهاؤنا في اوطانهم بما نهبت وأسرفت ايديهم، يقف تمثال غاندى شامخا يرتفع كبرياءً فى قلب لندن عاصمة التاج البريطانى عقر الامبراطورية العتيدة ……… ذهب السفهاء وبقى غاندى.

إلى الأعلى