الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ووسّدوها إذا ازرقَّت تَرائبُها..

ووسّدوها إذا ازرقَّت تَرائبُها..

علي عقلة عرسان

” عند عتبة وقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك، وجدتني في خضم ما يفترس النفس والوطن والأمة، أفكر في أمر من يريدنا كما يشاء، ومن يعجبه أن تكون أعنّتنا بأيدي سوانا، ومن لا يهمه أن نقوم بمعالجات خاصة بنا، تقوم على الاستقلالية والحكمة والمصلحة، ونصل إلى مخارج من أزماتنا الكارثية.. وفي أمر من يحولون الناس إلى أدوات موت، وبواتق ألم وبؤس ويأس، وواجهات للتشهير بشعوب وأمم وأوطان وعقائد..”

“فَيا رَبِّ اجعل ترابَ أجسادنا، طينة تندِّيها دموع العين.. فقد آن الأوان لتعمَّرَ القصور الخرِبة في قلوبنا.” حافظ الشيرازي
كل عام وأنتم بخير
ندلف إلى بوابة العيد، من ليل الدم إلى دوامة سياسية فيها البؤس، تقول بالسلم وتستعد للحرب. دربنا زَلِق، وخطوُنا توجّس، وأنفاسنا توهّج، وفضاؤنا وعيد، ومن حولنا المنذرات تترى واحدة بعد أخرى، وفيها المتناقضات ذرى، بين لا يوجد لأزمتنا سوى حل سياسي، وبين حرب لا بد منها لإنهاء الأم. فقد أصبحت أزمة سوريا، هي أزمة العالم مع الإرهاب، تلك الممتدة منذ عقود أو قرون، وقد تمتد عقوداً وقروناً.. لأن من يتعاملون مع هذه القضية/ الأزمة/الإرهاب يستثمرون فيها، ويجددون عهودها من جهة، ولأنهم لا يعالجونها بما ينبغي للداء العضال من علاج ذي شُعب، ومن شعبه النظر في أوجه الأزمة، وأسبابها، وانتشارها، واتساع مداها.. من منظور أنها أزمة تتصل ببشر، وبتربية، وثقافة، وأوضاع، وردود فعل على أوضاع، وإرهاب على إرهاب.. وكلٌ يحتاج إلى علاج ناجع، لا إلى تهافت على القتل بقتل، وعلى الجريمة بجريمة.المؤلم، المحزن، أن ما تجره هذه وتلك والأخريات من الأزمات، أصبح يصب في حوضنا، ويكوّن ماءنا ومزاجنا، ويصنع لحظتنا الراهنة ويؤسس لمستقبلنا، ويكاد يلوِّن أرواحنا وزماننا .. فنحن في كثير من بقاع أرضنا، ومفاصل قضايانا، وتوجهات نفوسنا.. نقع تحت رحمة من هو أشدّ منا قوة، وأَلدّ في الخصام.. سواء أوَفَد علينا من خارج الجغرافية والتاريخ، أم نبت بين لحمنا وعظمنا.. فهو يهبُّ في بيئتنا المادية والروحية، الاقتصادية والاجتماعية، السياسية والثقافية..أعاصير بعد أعاصير، ويستبد بنا ما شاء له الزمن أن يستبد، وينقلنا على هواه من نار، إلى حصار، إلى شجار، إلى فساد إلى إلحاد، إلى استبداد واستعباد، إلى زوابع دم وحقد وكراهية، نتاجها دم يسيل، ودمار يتسع، وشقاء ينمو… ويدمغنا كل هذا وأهله والمستثمرون فيه، بما شاء ويشاؤون من الصفات، والكل يأخذ منا تكاليف تعبه علينا ومعنا، إذ يشقينا ويرعبنا ويقتلنا.. فله الغُنْم وعلينا الغُرْم. ومن يصنع صورتنا يضع في عيوننا اللون الذي يشاء، ويحدد لنا زاوية النظر وآلية الإبصار والإدراك، وقراءة ما نرى وفهم ما نقرأ.. “انظر ولا ترَ، وره ولا تنظر، وافهم ما نشاء، ونفذ ما نقول.. وحوقل حتى ترضى.. إلخ”، وفي كل الأحوال أنت أعمى يُرسَم لك دربُك، وترسم لك تلاوين رؤاك.. ويُراد لك أن تبقى كذلك محاصراً بما صُنع لك،وصُنِع منك، وصُنع فيك.
مسكين من يثمِّر أرض الآخرين ويأكل ذاته، من يغرق في دمعه ولا يستنقذ عينيه، من يدمن اليأس والبؤس ويراهما حماية وكفاية.. من ينام على ظلم ويستيقظ على ضيم، ويفقد الفرق بينه وبين الأشياء.
عند عتبة عيد الأضحى سال دمنا ويسيل، واستمعنا ونستمع إلى مجرمين يتكلمون عن الأبرياء والبراءة، وإلى وحوش ضارية تنصح بعدم افتراس الناس، وهي تلغ في دمهم، وتمضغ لحمهم، وتتلذذ بألمهم.. وإلى ألسنة تنطق باسم المشردين والمحاصرين والجياع، وأصحاب تلك الألسنة هم وجع الإنسانية وعُريها وعارها وسرطانها المزمن. ورأينا فجاراً، وتجار سياسة وتعاسة،ومناضلين من كل لون، يعربدون في أسواق السياسة، والعَسْكَرة، والبورصات، يحذرون من الخطر الذي صنعوه بأيديهم، وما هم سوى الخطر المقيم.. يتباكون على المستقبل وهم من دمر الحاضر ويهدد المستقبل، بعد أن شوَّه الماضي.. يعظون الناس وعظاً ممجوجاً، ويتكلمون عن السلم والأخلاق وهم يعدون للحرب، ويؤسسون للإجرام والفتن، و”لسلام ما بعده سلام”، حيث يغرقون الناس في الدم، ويطالبونهم بالنسيان، وبالحرث والزرع في البحر؟!
عند عتبة عيد الأضحى المبارك، تماوج أمامي الأمل واليأس، الفرح والحزن، العزم والتخاذل، الرضا والغضب.. وبلغت في حالات حدَّ التشظي حين تداخلت أمشاج الصراعات والمصالح والتآمر، والاستفزاز.. في هذا الركن أو ذاك من أركان أرض العرب والمتآمرين على العرب، وتداخلها مع مساحات من المساومات والخداع والنفاق لا نهاية لها، وفكرت في من يرفع نفسَه دولة فوق الدولة ملغياً الشعب والدولة، وفي من يرى القانون مكثفاً في رأيه وإرادته ومصلحته وهواه، وفي من يلغي الآخرين، من موقع القوي المتعالي.. معتبراً نفسه بداية التاريخ ونهايته، والمخوَّل باسم ذاته وصفاته وقدراته، بأن يفعلَ، ويملي على الآخرين أن يفعلوا أيَّ شيء يراه ويقرره، وإلا فهم يعرفون أنه قادر على أن يفعل بهم ما يتخيله.. وبأن يأمرهم بالحسم والرسم اللذين يشملان المصير، وأموراً تخص بلاداً وعباداً.. وفكرت في مناضلين، وسياسيين، ومثقفين.. يبيعون أنفسهم للشيطان، ويُزَوّرون ما شاءت لهم أنفسهم تزويره، أو ما يؤمرون بتزويره.. يكذبون ملء الرئتين مع كل شهيق وزفير، ويصدّرون خواءهم “علماً وحكمة وثقافة”، مما يطيل عمر الجهل والعنجهية والباطل والشر والقتل وغياب الأمن، فترفعهم أجهزة، ويرفعهم إعلام، تعشش فيه الإشاعات، وتحركه الأعطيات.. ترفعهم سادة، ومبدعين، وعلماء، وأَعلاماً مبهرين.. وتقربهم سياسات لا تقرأ، وأيديولوجيات محنطة تجاوزها الزمن، يزعم أتباعها الذين يتنفسون هواء غرف مغلقة في أجواء متعفنة، حيث يسكرون ويمكرون، أنهم المعرفة والثقافة والعلم والحكمة والعصمة، وهمفي حقيقة الأمر، خارج دوائر كل ذلك، ولكن لا يفقهون.. فيفرحون، ويشمخون، ويفتكون بكل حياة وبكل فضيلة، إذ الحياة والفضيلة لا تعنيان لهم شيئاً غير ما يريدون ويدعون ويقررون؟!.. فكرت في بعض هذا الخداع، السياسي منه على الخصوص، الذي يكتسح عقولاً، فيحيلها حقولَ عصفٍ مأكول.. وفي أفواه وألسنة تباعَد ما بينها وبين عقل يجدّيها ويلجمها ويحكمها ويلهمها،وبين مسؤولية أخلاقية وإنسانية تملي نفسها على المسؤول.. فاشتطَّتْ، وذهب بها الغي كل مذهب، فأخذت تصنع الباطل وتلهج به، وتلوك الادعاء الفارغ وتفرغه في الناس بحمية وجاهلية وجهل، وتنشر باطلها “حقائق”ملء فضاءات ومساحات، ليسجلها التاريخ الظالم المظلم، وقائع، وترفعها بعض السياسات “منارات”.. بينما يرتد كل فعلها أو جُلُّه، يرتد على الناس والقيم والثقافات وبالاً. وفكرت في أجيال تُساق سوق القطعان، على حداء شهواتها وغرائزها ونزواتها وحاجاتها.. فتبلغ غايات ومشارب ومآرب فيها من تدني الهمم والتطلعات، ومن الهلاك والإهلاك ما فيها.. فيفرح لذلك كله من يريدون لها ولما تمثله سوء المصير، من أعداء الأمة، ومن يرتبطون بهم، ويعملون لمصالحهم، ويأتمرون بأوامرهم..؟! وهذا الذي يفتك بالأجيال،والبلدان، والشعوب، والأوطان.. لا يكاد يعرفه أو يهتم،أولئك الذين يتولون زمام أمور الأنام من مواقع عليا، ولا يصل إلى غيرهم، من المبهورين بشمسهم، الخائفين من بطشهم.. لا يصل إليهم، من شؤونهم الناس، إلا ما شاءت العيون والعقول وألأسنة التي تحاصرهم أن يصل، عبر أدوات ومناخات وبيئات يفتك بها الإغراض والهوى والنفاق والانتهاز، فتكاً ذريعاً، فيبقي منها قامات القصب الفارع الفارغ، والمظهر اللافت لسطح النظر الأعشى.
فنظرت إلى ذاتي في مرآتي، وفي مرايا قليلة لا يتلبَّد عليها الغبار، فرأيتني في أوقات يقيم معك فيها السهد والقلق اللذان قد يزورانك على ظهور خيل التأمل فلا تكاد تتخلص من نفسك ومما يلاحقك ليلك ونهارك ويشدك إليه شد اللجَّام للفرس.. وحين تجد نفسك مع حزمة مشكلات تحاصرك وتسد عليك منافذ التفكير في سواها، فإنك تدخل مداخل حرجة قد لا تخرج منها إلا بحشف من الرأي،لا يفيد شيئاً ولا يغري بشيئ، حين تعرضه على بساط التنفيذ مع من لا يهمه ما يهمك، ويغرق فيما لا تغرق فيه..
عند عتبة وقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك، وجدتني في خضم ما يفترس النفس والوطن والأمة، أفكر في أمر من يريدنا كما يشاء، ومن يعجبه أن تكون أعنّتنا بأيدي سوانا، ومن لا يهمه أن نقوم بمعالجات خاصة بنا، تقوم على الاستقلالية والحكمة والمصلحة، ونصل إلى مخارج من أزماتنا الكارثية.. وفي أمر من يحولون الناس إلى أدوات موت، وبواتق ألم وبؤس ويأس، وواجهات للتشهير بشعوب وأمم وأوطان وعقائد.. وفي أهمية التصدي لهذا النوع من السياسات، والأشخاص والممارسات، وفي مواجهة خداع وزيف وتزييف وضلال وتضليل، يجتاحنا من الداخل والخارج، ويحكم عالمنا على نحو ما.. وفي أن يكون ثبات على مبدأ لنصرة الحق والعدل وحماية الإنسان، وفي مواقف عقلانية تحاكم وتمحص وتناقش وتتخذ الموقف المنصفة البناءةالتي توصلنا إلى بداية طريق البناء السليم لحياة تليق بالإنسان.. وفكرت أيضاً في أنه من حقنا أن يكون لنا يوم حرية، وحكمة، وفرح.. يوم عيد!! ثم أعدت النظر في مرآتي، وفي مرايا قريبة منى أراها مجلوة، وقادرة على نقل الصورة بوضوح.. فخرجت في العيد، إلى مدى قصيٍّ بعد، في قول، أرجو ألا يؤثر على فرحة الآخر بعيده، من جهة.. ولا يضعني في متاهات الوهم، ولا في سرابيل السراب لمن تسير مطاياه في البيد وتتالى عليه مفازات الخرب.. فكان ما يلي، مما أضعه الآن تحت نظر من يسرحون النظر في هذا المكان..

* * *
أَخشى عليها، تٌبَكِّنِي، وتَبْكِيني تَنْعَى دِمائي لِنفسٍ لا تُدانيني
وتسرق الخَطْوَ، غِبَّ الليلِ، تَرقُبني نَعْشِي الفراشُ، وفي نَعْشي تُواسيني
كم ذا مضى من زمان لا توافقُني حتى ذويتُ، وعشبُ الأرض يرثيني
يا معدَن الخير، يا نوراً يهلّ دماً إبْكِ الطفولةَ، لا تبكي تلاويني
في أرضنا، يُقتَل الأطفالُ، نَحرقُهم، تَفُني الرجولةَ في ليلِ الزنازينِ
في أرضنا، من يرومُ العيشَ يقتُله زحفُ الأعادي على التاريخ والدينِ
ومَن به رَمَقٌ يغتالُه غَسَقٌ من الفسادِ، وضيقِ العيشِ، والمَِيْنِ
يا معدن الخير، في جسمي غِلالُ دمي تينٌ، وتُوتٌ، ورمَّانٌ، و”دَارِينِي”
وفيه، يا مُهجتي، دمعٌ على طَلَلٍ يَنهلُّ من عينِ طفلٍ في البساتينِ
يَبكي ذويه، وتَبكيه طفولتُه، لا الدار دارٌ، ولا في الناسِ مِن لِينِ
يا معدن الخير.. في نَعْشِي صليلُ دمي لا تفتحي النّعش، في نَعْشِي براكيني
لا ترقبي عودتي، فالعود مُذْ زَلِقَتْ رجلي بِدَمِّ الفتى السوريّ والطينِ
صارت مواعيدَ أحزان يُجدّدها كَرُّ الليالي على جرحي وسكيني
لا تبْكِني، فأنا المقتولُ منذُ دَنَتْ كَفٌ من الرّحْمِ، تَجْبيني، وتَرْميني
بين السيوفِ، سيوفِ الأهل، نَشَّأَني سيفٌ يُقَطِّعُني، سَيفٌ يواريني
يَسيرُ نَعْشِي؟!وهل نَعْشِي، سوى كَبدِي تمشي على الرُّعْبِ، بين البؤس والشَِّينِ
في ثوبها صَدْعُ ليلِ الثَّوْبِ يسجِنُها ما بين دَمِّي وأصحابِ النَّيَاشينِ
فيا لها مُرضعٌ للحزنِ ينمو بها ويا لَها فَارِكٌ للقَهرِ والزِّينِ
جسمٌ من الماس مغموسٌ بأوعيةٍ تفجيرُها ما بين هذا الحينِ والحينِ
لا تحسدوها طريقاً للذئاب به غدرات تربوا على عدِّ الملايينِ
قولوا كَفاها ما أَلَمُّ بها من شقوة الخلق، بالخلق “الميامينِ؟!”
ووسّدوها إذا ازرقَّت تَرائبُها زندَ الشَّقاء، فقدْ ذاقَتْهُ مِن دوني

إلى الأعلى