الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نفط ليبيا ونزاع الشرعية

نفط ليبيا ونزاع الشرعية

د.احمد مصطفى

” .. يتبع الجيش الوطني الليبي البرلمان الشرعي، ولم ينضو بعد تحت سلطة حكومة المجلس الرئاسي التي لم تحصل بعد على الشرعية. مع ذلك سارعت القوى الغربية بدعم حكومة المجلس الرئاسي والتعامل معها باعتبارها ممثلة الشرعية. فبدت وكأنها تدعم الميليشيات على حساب الجيش الوطني، ملبية بذلك مطمحا رئيسيا للإخوان والإرهابيين وهو “إلغاء الجيش وتولي الميليشيات، ومنها جذور داعش والقاعدة، مهمة الأمن والدفاع”.”

تداعت القوى الغربية لإصدار بيان سريع تطالب فيه قوات الجيش الوطني الليبي بالانسحاب من موانئ تصدير النفط شرق البلاد التي طهرتها من الميليشيات هذا الأسبوع وبدت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية وكأنها تدعم ميليشيات ابراهيم الجضران الذي يقود ما تسمى “حرس المنشآت النفطية”. وكان جضران وقواته جزء من الجيش الوطني الليبي قبل انتشار الميليشيات المسلحة فتحالف معها. وللتوضيح، فباستثناء الجيش الوطني الليبي لا يوجد في ليبيا سوى ميليشيات أغلبها كان ضمن تحالف “فجر ليبيا” الذي ضم جماعات إرهابية ومتطرفة هذا بالاضافة إلى ميليشيات مصراتة الأعنف والأكثر دموية في البلاد. وتدعم أغلب الميليشيات حكومة الوفاق الوطني التي تتبع المجلس الرئاسي المنصب من قبل الأمم المتحدة ضمن اتفاق الصخيرات.
لكن شرعية تلك الحكومة لم تكتمل، إذ يشترط اتفاق الصخيرات حصول حكومة المجلس الرئاسي على موافقة البرلمان الشرعي المنتخب في 2014 والذي يتخذ من طبرق مقرا له بعد سيطرة الميليشيات الإرهابية على طرابلس احتجاجا على عدم انتخاب الشعب الليبي لتنظيم الإخوان وممثلي جماعات متطرفة ومتشددة أخرى. ويتبع الجيش الوطني الليبي البرلمان الشرعي، ولم ينضو بعد تحت سلطة حكومة المجلس الرئاسي التي لم تحصل بعد على الشرعية. مع ذلك سارعت القوى الغربية بدعم حكومة المجلس الرئاسي والتعامل معها باعتبارها ممثلة الشرعية. فبدت وكأنها تدعم الميليشيات على حساب الجيش الوطني، ملبية بذلك مطمحا رئيسيا للإخوان والإرهابيين وهو “إلغاء الجيش وتولي الميليشيات، ومنها جذور داعش والقاعدة، مهمة الأمن والدفاع”.
هذا التداعي الغربي السريع لا نشهده حين تقوم تلك الميليشيات بالحرق والتدمير والقتل البشع واستهداف قدرات الجيش الوطني المتواضعة أصلا، بل وتسعى القوى الدولية لاستعجال “شرعنة” الميليشيات حتى تصبح هي المتلقي للسلاح من الخارج حين يرفع الحظر عن بيع السلاح لليبيا. ذلك الحظر الذي ترفض هذه الدول الغربية رفعه كي لا يتسلح الجيش الوطني ويقوى في مواجهته للإرهاب. ورغم أن هذا الجيش يقوم منذ عامين بمواجهة الإرهابيين وميليشياتهم في بنغازي ودرنة وغيرها من مناطق الشرق، إلا أن أميركا وأوروبا لم تهتم بمواجهة الإرهاب إلا مع ما يوصف بمواجهة ميليشيات مصراتة لداعش في سرت. ولم يكد العالم ينسى أن سرت دمرت وأحرقت وطرد أهلوها منها بالكامل على يد ميليشيات مصراتة ثم تركوها للإرهابيين ليعلنوها قاعدة لهم. وربما يتفق ذلك مع نهج الغرب برعاية بروز الإرهاب ثم الإعلان عن مكافحته!!
لكن هذا التحرك الآن بعد سيطرة الجيش على الهلال النفطي له أبعاد أخرى، وإن صبت كلها في مسار النهج الغربي مما يجري في ليبيا. فحكومة المجلس الرئاسي تعاني من مشاكل جمة، من بينها انقلاب بعض الميليشيات المؤيدة لها عليها ومحاولتها طردها من طرابلس. كما أن بعض أعضاء المجلس الرئاسي يختلفون مع البقية بسبب عدم نيل الشرعية حتى الآن ولا يتفقون مع الاكتفاء بالدعم الدولي بديلا عن نيل ثقة البرلمان. لكن الأهم أن حكومة المجلس الرئاسي تفتقر إلى الموارد، وهذا ما جعل المظاهرات تخرج ضدها. بل إن الميليشيات الداعمة لها تتخلى عنها بسبب عدم وجود المال، فتلك الميليشيات في اغلبها مثل تنظيم الإخوان هدفه المصلحة المباشرة القريبة والمادية بالأساس. لذا سعى مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، الذي أشرف على اتفاق الصخيرات، لتدبير المال للمجلس الرئاسي وحكومته.
وكان المبعوث الأممي اتفق مع جضران وحرس المنشآت على تصدير النفط وتحويل عائداته لحكومة المجلس الرئاسي، واستبشرت الميليشيات خيرا. لكن موانئ التصدير في راس لانوف والسدرة وزويتينية لا يمكنها العمل بعيدا عن إرادة الجيش الوطني والبرلمان الشرعي. ومع عدم حل مسألة الشرعية لم ينفذ اتفاق المبعوث الأممي وجضران، وبدأت الميليشيات الداعمة للمجلس الرئاسي في التململ. رغم ذلك سمح الجيش الوطني بتحميل النفط من موانئ الهلال النفطي إلى المصفاة الرئيسية في ليبيا وذلك لتوفير المشتقات لكافة أنحاء ليبيا. ويبدو أنه في الوقت نفسه كان يستهدف تفريخ حاويات التخزين في الموانئ لتفادي أي خسائر في حال هجومه للسيطرة عليها. وهو ما حدث فعلا، إذ أعلنت شركة النفط الوطنية أن حملة الجيش لم تنجم عنها أي أضرار لمنشآت الموانئ أو خسائر نفطية.
صحيح أن انتاج النفط الليبي يكاد لا يتجاوز ربع مليون برميل يوميا، متراجعا من أكثر من مليون ونصف المليون برميل يوميا قبل سنوات، لكن بيع النفط مسألة حيوية لأن عائداته تشكل المصدر الرئيسي للدخل لليبيا. وجاء سعي القوى الغربية التي لا تهتم بتجاوز الشرعية لتأمين التصدير برعاية الميليشيات وذهاب العائدات لحكومة المجلس الرئاسي في الوقت الذي تزداد فيه المخاوف بشأن انتاج النفط نفسه وليس تصديره. فحقول النفط تقع إلى الجنوب، وتلك هي وجهة داعش والقاعدة والجماعات الإرهابية التي تتعرض للضغط في الشمال. ويصعب تصور أن أميركا وأوروبا تريد تأمين التصدير في يد الميليشيات وترك الآبار بيد داعش لإكمال الشرعية والتمويل للإرهاب في ليبيا!! لكن للأسف هذا بالضبط ما تؤدي إليه المواقف الدولية.

إلى الأعلى