الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مسخرة الاستهزاء بالمسيحيين العرب!

مسخرة الاستهزاء بالمسيحيين العرب!

د. فايز رشيد

” تصويت الاشقاء المسيحيين لأي طرف يريدونه, هو خيارهم , الذي يتوجب علينا احترامه, لكن من وجهة نظري, لم ولن يتخذوا قرارا جماعيا بالتصويت لهذه الفئة أو تلك (إلا في ذهن الرجوب, لتبرير خسارة فتح في العديد من المواقع في الانتخابات الماضية), كما لو أنهم قاموا بالتصويت لتنظيمات أخري غير فتح , فهذا دليل على رفضهم للسياسات وللفساد, الذي تعترف به السلطة ذاتها،”

خطيئة اللواء جبريل الرجوب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، بمسخرته على المسيحيين ووصفه إخوتنا المسيحيين بجماعة “ميري كريسماس″، يشكل استهانة بكل التقاليد الفلسطينية! وبالمساواة بين كل الأديان, جاء ذلك, في مقابلة له مع محطة تلفزيونية مصرية، أعاد بثها تليفزيون فلسطين الرسمي ،, مما زاد من رش الملح على جرحهم، واثار موجة غضب في اوساط الغالبية من ابناء الارض المحتلة. يأتي ذلك أيضا, في خضّم الانتخابات الفلسطينية المؤجلة (والتي كتبنا عنها في العزيزة “الوطن” بأنها لن تكون ديموقراطية في ظل الاحتلال). توقع الرجوب “غاضبا”, ان يصوت الاشقاء المسيحيين لقوائم حركة “حماس”، مثلما فعلوا في الانتخابات التشريعية الاخيرة عام 2006 ( وفقا لوجهة نظره بالطبع).
تصويت الاشقاء المسيحيين لأي طرف يريدونه, هو خيارهم , الذي يتوجب علينا احترامه, لكن من وجهة نظري, لم ولن يتخذوا قرارا جماعيا بالتصويت لهذه الفئة أو تلك (إلا في ذهن الرجوب, لتبرير خسارة فتح في العديد من المواقع في الانتخابات الماضية), كما لو أنهم قاموا بالتصويت لتنظيمات أخري غير فتح , فهذا دليل على رفضهم للسياسات وللفساد, الذي تعترف به السلطة ذاتها, والذي شكّل الرئيس المرحوم عرفات في حياته, لجنة خاصة لمكافحته, اجتمعت مرارا وأقرت بوجود سرقات في حينها بقيمة 350 مليون دولار. لا أفهم (بافتراض حتى لو جرى ذلك, وهو مستحيل) تصويت كل المسيحيين لحماس, على أنه تأييد لحماس!, بقدر ما هو اعتراض على السلطة القائمة. أيضا, نحن نعيش حالة من الانهيار السحيق، وباتت قضيتنا الفلسطينية الأعدل والأشرف في العالم، في قاع سلّم الاهتمامات الدولية, بسبب سياسات السلطة وتنسيقها الأمني مع العدو، ومحاربة قيام اي انتفاضة أو مقاومة تزلزل أركان الاحتلال ومستوطناته.
المسيحيون الفلسطينيون العرب, هم شركاء يتشرف بهم الوطن, وإرثه النضالي العريق الحافل بالبطولات، امتزجت دماؤهم بدماء أشقائهم المسلمين الشهداء في معارك الشرف دفاعا عن عروبه أرضنا ,وتحريرها من العدو العنصري الاستيطاني، وقائمة شهدائهم طويلة ومشرفة لنضالنا الوطني الفلسطيني والقومي العربي. حقيفة, نحن نعيش حالة من الانهيار دون قاع، وباتت قضيتنا الفلسطينية, التي هي الأنبل والأعدل بين كل قضايا التحرر الوطني, وفي العالم. كيف يمكن لمن يعتبر نفسه عضوا في قيادة شعب تحت الاحتلال, ويناضل منذ مئة عام لانتزاع حقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على تراب وطنه, الذي كله تحت نير الاحتلال والتهويد والاستيطان، ان يتفوه بكلام غير مسؤول كهذا؟, وبمثل هذه الالفاظ والعبارات التي تفوح منها رائحة التحريض والحض على الكراهية, وتفضي الى انقسام المجتمع وتفتيت نسيجه الوطني؟ في الوقت الذي يتحدث فيه اهل السلطة عن صلابة الوحدة الوطنية وعناق الهلال مع الصليب, وغيرها من الشعارات؟ فيما هي على الارض ذات معنى اصيل وثابت, يتجاوز هرطقات السياسيين والساعين للبقاء تحت الاضواء. وإلاّ كيف سمح اللواء الرجوب, لنفسه القول بـ “نسبة المسيحيين 17% في فلسطين، فماذا نفعل بهم؟ هل نقوم بتدفيعهم الجزية؟…. أليس من حق الجميع ان يسأل الجنرال الرجوب بأي حق يستخف بهذه النسبة من ابناء شعبنا حتى لو كانت أقل.
إن المسيحية: هي إحدى الظواهر العربية كما تبين الأحداث التاريخية, وأبحاث كثيرة، نشأت في فلسطين والمشرق العربي, ويسميها البعض بــ(النبتة الوطنية العربية التي ظهرت ونشأت في التربة الوطنية العربية-جورج حداد)، وفيما بعد تم نقل مركز القرار المسيحي إلى روما, في عهد الإمبراطورية الرومانية- البيزنطية. وبعيداً عن التسلسل التاريخي الممل للكثيرين، فلا يستطيع أحد إنكار دور المسيحيين العرب في النهضة العربية، منذ القرن التاسع عشر وحتى اللحظة، ولا دورهم الأساسي في الحركة القومية العربية, ولا في الثقافة العربية: المفهوم الأشمل من العقيدة الدينية،ولا في الحضارة العربية, التي تعتمد على البنية المؤسسة في حياة الشعوب. وأيضاً في حركة التحرر الوطني العربية,بمعنى أن المسيحية هي إحدى البوتقات الأولى لظهور حركة القومية العربية.
لقد شكّل المسيحيون العرب ما يقارب الــ50% من عدد سكان مدينة القدس وفقاً لإحصائية 1922. استشعر المسيحيون الخطر الصهيوني منذ نهايات القرن التاسع عشر, وبدايات القرن العشرين ( كتابات الأب هنري لامنسي اليسوعي، كتاب نجيب العازوري بعنوان: يقظة الأمة العربية, صدر في باريس في عام 1905،الذي بين بوضوح حقيقة الصراع العربي-الصهيوني, وهذا على سبيل المثال لا الحصر). لقد شارك المسيحيون العرب في جمعية الإخاء العربي, التي تشكلت في القدس في عام 1908، وكان في هيئتها العامة 7 أعضاء مسيحيين من 15عضوا. وعند دخول اللنبي إلى القدس وبداية ما يسمى الانتداب (الاحتلال) البريطاني لفلسطين، وللاختلاف الذي أبداه الفلسطينيون (مسلمون ومسيحيون) حول هذا الانتداب، فقسم منهم رأى فيه خطوةٍ إيجابية تريحهم (أيضاً مسلمون ومسيحيون) من الحكم العثماني. وقسم آخر(أيضاً مسلمون ومسيحيون) أدرك حقيقة وأبعاد الأخطار المترتبة على هذا الانتداب (اقرأ مذكرات المناضل بهجت أبو غريبة,وأبحاث كثيرة أخرى).
لقد نسّق الوطنيون الفلسطينيون(مسلمون ومسيحيون) كافة المواقف التي اتخذت في مقاومة الاحتلال البريطاني لفلسطين , سواء من خلال مشاركة المسيحيين في الأحزاب الفلسطينية آنذاك, وأبرزها:(حزب الاستقلال وحزب الدفاع)،أو في الصحافة الفلسطينية، ومن خلال إصدار صحف وطنية, قام بإصدارها مسيحيون ( صليبا الجوزي، حنا حنانيا, وغيرهم كثيرون). لقد افتتح المسيحيون العرب آنذاك: المدارس، النوادي ( نادي الاتحاد الأرثوذركسي ), وأيضاًمن خلال المشاركة في المؤسسات والوفود الوطنية العربية, للمؤتمرات الدولية التي جرى عقدها لبحث القضية الفلسطينية, (وهي مؤتمرات كثيرة), أو المشاركة في تعيين الحاج أمين الحسيني, مفتياً للقدس.
المسيحيون العرب هم جزء رئيسي من مكونات أمتنا العربية، والتاريخ الإسلامي يدعو إلى الحفاظ على المسيحيين، وليس أدل على ذلك من العهدة العمرية، ورفض الخليفة عمر بن الخطاب الصلاة في كنيسة القيامة، خوفاً من استغلال الحادثة فيما بعد من قبل بعض المسلمين. وللعلم فإن مفاتيح الكنيسة مازالت مودعة منذ القدم لدى عائلة مسلمة.هذا هو التعايش الحقيقي بين المسيحية والإسلام، وليس كما تفهمه القوى الظلامية، والتي يُطلق عليها خطأً: الأصولية الإسلامية، فللإسلام تعاليم واحدة، إنسانية، تعايشية،عقيدية، تحترم خصوصيات الأديان الأخرى.

إلى الأعلى