الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / إنطلاقة، لـ “يوسف النحوي”

إنطلاقة، لـ “يوسف النحوي”

الفن خبرة مشتركة وهي خلاصة تفاعل أحاسيس الفنان بالعالم الخارجي ، لأنه يرى في العالم المرئي علاقات لا يستطيع غيره ممن لا يزاولون الفن أن يدركها وحتى بين الذين يزاولونه لا تدرك هذه العلاقات بنفس الدرجة ، لأن لكل فرد اتجاهاته الذاتية التي تلعب دورها في الموضوع ، فالإدراك الفني إذاً هو علاقة بين الجوانب الذاتية والموضوعية أي أنه ذاتي موضوعي ، وتتوقف رؤية الطبيعة وكشفها لدى الفنان على مقدار ما عنده من انفعال جامح وخبرة سابقة ، وعلى قدر ما اكتسبه من عادات ومهارات واتجاهات تتوقف رؤيته وإدراكه وكشفه للعالم الخارجي وما فيه من جماليات، وكلما تمكن من كشف نقطة كانت هذه وسيلة لكشف نقطة أخرى وهكذا. بهذا التقديم ألج في أحد الأعمال الفنية للشاب المتألق والمجتهد فنياً يوسف النحوي لنظهر جانباً من خباياه الجمالية ونشير إلى وهج فكرته ونستشعر جانباً من أحاسيسه التي سنعرج في هذا الطرح على شيء منها ، لعلنا نصل بعدها إلى تحقيق المتعة الجمالية من خلال عمله الماثل أمامنا.
إن الفنان النحوي قدم للمشهد التشكيلي العُماني عدداً من الأعمال الفنية ذات الأساليب والتقنيات المختلفة في التنفيذ ويعتبر هذا العمل واحداً من أحدث تجاربه في هذا المجال ، عمل استهوى الكثير ممن شاهده لأمرين الأول يتعلق بجمال التنفيذ من خلال قوة مزج الألوان على سطح اللوحة وتنوع حركتها بين الأفقية في الأسفل التي تشير إلى الأرض التي تتسابق عليها الإبل ، والدائرية في الأعلى الموحية بهيجان الغبار في الخلف التي أثارت إحساس الفنان بشكل جمالي غير مسبوق ومغاير عن أحساس الآخر فكانت عنصراً مهماً من عناصر الصدارة في عمله ، فثورة غبار الأرض لحظة إنطلاقة الإبل يعتبرها البعض مزعجة وسلبية ، إلا أن لها إحساسا مختلفا لدى النحوي لأنها الباعث الأساسي للقطة الفنية التي قدمها لنا ، وعلى أساس ذلك فقد عطر بها كل مفردات عمله المتقدمة والمتأخرة في تداخل كلي وشفافية امتزجت مع عناصر العمل جميعها وسيادية تخالف الواقع ، لأن النحوي هنا لا يجسد ما تشاهده عيناه كما قد يتبادر إلى ذهن البعض بل ينقل الإحساس حسب ما يراه مهماً من واقع نظرته الجمالية للأشياء اليومية المشاهدة سواء من خلال عمله هذا أو بقية الأعمال التي حظي البعض بمشاهدتها. والأمر الآخر الذي حقق عنصر الجذب للعمل لدى المتلقي هو اختياره الموفق لمشاهدات من الواقع العماني المُعاش وتخليداً للتراث (سباق الإبل الذي تشتهر به السلطنة) لبقاء أثره وتقديمه للجمهور المحلي والدولي وفق رؤية فنية تشكيلية مبهرة وليست كلاسيكية بحتة . ذلك لأن الموضوع الفني له في حقيقة الأمر أهمية كبيرة وهذه الأهمية يستمدها من كونه وسيلة لا من كونه غاية ، ولعله الطريق الأجمل الذي يُمكِن الفنان من استثارة حساسية الجمهور ورفع ذائقتهم الفنية هو مخاطبتهم بموضوعات يحبونها ويهتمون بها ، فيصبح بين كل من الفنان والمستمتع بالتعبير خبرة فنية مشتركة ، تجعلهما ينظران إلى العالم المرئي على أساس نوع موحد متجدد من النظام والجمال المختبئ في كنفه ، وهذه القيمة الأخيرة تكون في العادة ذات صبغة إجتماعية ، لأنها تربط الأشخاص بعضهم ببعض وتؤلف بينهم وتوحد في اتجاهاتهم وميولهم ومن ثم ترفع من مستوى تذوقهم كمدنيين.
فيوسف النحوي أدرك بعينه الثاقبة وإحساسه الجميل تجاه الحياة أن الفن ما هو إلا تعبير عما يستثير الفنان في العالم الخارجي ويُحرك خياله فيه حتى يملأ جوانحه ويجعله يحس برغبة عارمة في التعبير عنه ، وعندما يُعبِر تنمو معه هذه الإثارة من حالتها الأولى التي يكون فيها ذلك المعنى مُبهماً للرائي العادي إلى حالتها الأخيرة التي يتضح فيها ذلك المعنى وتنتظم للشيء علاقاته الشكلية ويصبح حينها قادراً على إشعاع المعنى المكشوف على المتأمل للعمل الذي عنده من الحساسية الفنية النامية ما يمكنه من رؤية ما قدمه الفنان من خلال مفرداته وعناصره التي أرسلها في عمله ، فيتأقلم عالمه المحيط من جديد ويتنظم وفقاً للخبرة الجمالية التي أمتعه بها الفنان. وهذا بالضبط ما يمكن استشعاره من إحساس ينبث من بين ثنايا هذا العمل ذي الطابع الجمالي الذي يمزج بين الواقعية والتأثيرية وسعينا إلى تنظيم تركيبتها اللغوية تنظيماً خيالياً فنياً ، وهكذا الأمر بالنسبة لكل الأعمال الفنية إن لم يتم ترجمة واقعها ترجمة ملؤها النشوة الفنية ، وإن لم يحس المتلقي بهذه النشوة ، ستظل الطبيعة والواقع أو العالم الخارجي ملموسات مقفرة لا حياة فيها .

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى