الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عندما يتعذر على الشاعر بلوغ المرام “علياء” ـ علي الحارثي ـ أنموذجا

عندما يتعذر على الشاعر بلوغ المرام “علياء” ـ علي الحارثي ـ أنموذجا

ضمن مشروع وزارة التراث والثقافة بنشر إبداعات الشباب العمانيين في سلسلة إصدارات متتابعة ، وضمن احتفاء السلطنة بمسقط عاصمة للثقافة العربية لعام 2006م يأتي إصدار ديوان ” علياء ” للشاعر علي بن سالم الحارثي، خلاصة تجربة طويلة وشيّقة مع الشعر والإبداع.
تتنوع قصائد الديوان، والتي يغلب عليها الشكل العمودي الكلاسيكي ، ما بين الوطنية والقومية والاجتماعية والذاتية والعاطفية. وبنظرة خاطفة ، يأتي ثلاثة عشر عنوانا ، من واقع اثنين وعشرين عنوانا ، بتركيب المضاف والمضاف اليه ( نهار العز ، خير قايد ، أضواء الشوارع ، قبلة الاسفاف ، نبض الكراسي ، أول القبلة ، ..، .. ) ، بينما أخذت العناوين الأخرى صفة المفرد ( خمسة عناوين ) والصفة والموصوف ( المدينة الفاضلة ) والسؤال الاستنكاري ( من قال لك ) وأسلوب النهي ( لا تنامي) ، ما يشي بأن تركيب المضاف والمضاف اليه يغلب على عناوين نصوص ” علياء ” بل أنه يحظى بالنصيب الأوفر ، ولعل هذا مرده الى ما يتيحه هذا التركيب للشاعر من الجمع بين المتضادات والحسي واللاحسي والمعنوي والمادي والتخصيص والحصر وغيره .
يتميز نص علي بن سالم الحارثي بالصوت الهامس الهادئ الذي يتيح للقارئ مساحة وافية للتأمل والإبحار السلس على مركب الشعر الجميل ، ليصل إلى هدفه من أقرب الطرق ، بلا حشو ولا زوائد ، لا تغن ولا تسمن.

القمر البعيد عن المتناول:
عندما يتصاغر الكلام ( أو يصغر ) أمام كيان المعشوق / الموصوف / المثال لا تملك القصيدة أن تأتي إلا على هذه الشاكلة ، وبعد تردد طويل وإحجام أطول :
لو صمد ضعفي ولو مهما صمد
كل قول ٍ فيك لو يكبر .. صغير
ما بقى للعشق في غيرك مدد
انتي بوح العشق وحدود المصير
أشتهي فيك المشقة والكمد
يا تراب ٍ ألمسه بقلبي حرير
ويظل هذا الهاجس يرافق الشاعر ، يؤرقه ، ويقض مضجعه ، ويعن له في سن القلم هاجس الإجلال والإعظام والإكبار . ويقصر شبر الكتابة عن بلوغ المرام والمطلب أمام علو كعب المنشود وطول قامته وعظيم مهابته :
صعب أحتويك وكيف حال النشايد
وانته انبعاث النور بيدك شهابه
وكيف احتويك وانت كلك حمايد
وانت الحقيقة اللي تهزّ الغرابة
جيت أنحر حروفي لوصفك قصايد
ولا انت فوق اللي تجود الكتابة
ان هذا الهاجس / الهم / القلق يظل ديدن الشاعر ودانه ولاله ، وهذا أمر لا يثير الاستغراب والسؤال من شاعر لا يستسهل الكتابة ، ولا يتعامل معها بسذاجة ، ولا مبالاة ، شاعر يعي جيدا خطورة الكلمة ، وأثرها ، وما تحدثه في النفس من أثر.
ليس سوى اضطراب الشاعر عند بوابات القلق ” مثل رَجُل تحت إحدى قدميه كنز ، ولا ينحني له ، فتحتَ القدم الأخرى لغم .. ” (1)
يا امتداد ٍ للهداية لو نعلّي شانك
ما بلغنا حد الا صار دونك داني
كل هذا الكون يروى من نبع شريانك
كل هذا المجد مجدك .. انته فيه الباني
كل هذا الصدق نبضك ، غصن من أغصانك
كل هذا البوح قلبك ، لو سكن بلساني
مهما كان الشعر بليغا ، مهما كانت الكتابة حاذقة ،إلا أنها لا تبلغ ، مهما تحاول مبلغك ، ولا تروم مهما تجاهد مجدك ، ولا تطاول مهما تحلق علوّك.
يأتي تكرار ” كل هذا ” ليشعرنا بحالة التوتر وارتفاع مؤشر القلق إلى أقصاه أمام الاحساس بالبون الشاسع بين ما تحاول أن تقوله القصيدة والمقصود.
جيت أترجم لك مشاعر زادها تحنانك
جيت أقدم لك بطاقة شكري وعرفاني
جيت أقول انك نبي العالم في أزمانك
جيت أقول اني بلا نورك ظلام أزماني
جيت لكن ويش أقول وانت من ايمانك
نور في سنة نبيي ، وفي هدى قرآني
هذه الرغبة الملحة في الوصول الى قمة المدح ، وذكر المناقب والمحاسن ، هذا الانفراع الذي يؤكده الفعل الماضي ( جيت ) وهو يتكرر خمس مرات (2) ، في ثلاثة أبيات ( وهنا ، كما في المثال السابق يخدم التكرار الدلالة ويسهم في انتاج المعنى ويكرس لحالة القلق ) لكن الصورة المثال / الهالة تصدمه ، تفرمل اندفاعه فتقف ( لكن ) الاستدراكية كـ سد ٍ منيع ٍ ، وكـ عاذل ليس في قلبه أدنى رحمة ولا شفقة ، مشهرة سؤالها المتكرر، المتردد كـ صدى : ويش أقول ..
انها الصورة المثال ، القمر البعيد عن المتناول ، والهالة التي يجعل منها الشاعر حلما ومبتغى .
ولعل هذا ما منحنا المغزى البعيد من تسمية الديوان بـ ” علياء ” عطفا على الإهداء ، الذي يرسم في مخيلة قارئ الديوان تصورا وانطباعا سريعا ، او لنقل أوليا ، كون الاهداء إحدى العتبات التي يعتمد عليها القارئ في انتاج دلالته ، ويستثمرها الشاعر ، كذلك ، في وضع قدم قارئه على الطريق ( ولعله وارد بقوة ) أقول انطباعا أوليا يشي بأن علياء هي ابنة الشاعر، والديوان أخذ منها تسميته ، رغم أن الشاعر لم يقل ذلك صراحة ، سوى ما يمكن أن يلمح به أو يستشف من خلال إهدائه الديوان لابنته حيث يقول :
” الى ابنتي العزيزة .. علياء ، ربما حالت الظروف دون أن أهديك قصيدة ففكرت أن أهديك ديوان شعر ” .

القلق / الحافز :
نتتبع قلق على الحارثي إزاء الهالة / الرمز ، أغنية الشاعر الأبدية ، ولا نريد له سوى أن يكون قلقا محفزا ، وباعثا لطاقة الشعر والكتابة ، ومذكيا لملكات الإبداع لديه .
نريد له أن يكون قلقا متحفزا للمزيد من الشعر والعطاء الذي لا ينضب ، كـ عين فوارة أو كـ فلج الفاغري (3) ، الذي يخصه الشاعر في الديوان بقصيدة باذخة الحب .
حيث أن مرور أكثر من ثماني سنوات على ولادة ” علياء “( علياء المجموعة على كل حال ) سليلة العلو والرفعة والمكانة ، والتي أبصرت النور عام 2006 م ، ودون ان تحظى بأخت تقاسمها مكانة الجمال والبهاء والشعر لأمر باعث للقلق يشرع فوهة السؤال إلى أقصاها ، السؤال المشوب بخليط من الحزن والأسف والرجاء ، والمتشوف إلى غد بهي قادم ، وافر الثمر ، يعبق في كل الأرجاء شذاه وعطره .
علي بن سالم الحارثي شاعر ، لا يمكن أن يمر مرور الكرام ، عند الحديث عن الشعر الشعبي العماني ، واسم لامع في سماء القصيدة ، له عطاءاته وإسهاماته وتجلياته الكثيرة والمميزة ، اسم لا يَضمر ، ولا يخبو له بريق .
وفي ” علياء “، مجموعته الشعرية ، يقدم لنا ذوب روحه ، ورياحينه ، وخلجات قلمه ، ومؤشرات قلقه.

الهوامش :

(1) عبد العظيم فنجان ، افكر مثل شجرة ، منشورات الجمل ، الطبعة الأولى 2009 م .
(2) يفيد الفعل الماضي الاستمرار في المزاولة ، مزاولة فعل المجيء
(3) فلج بولاية جعلان بني بوحسن .

حمود الحجري
hadakeh44@hotmail.com

إلى الأعلى