الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: سيناريو مكرر لخطيئة مكررة!

رأي الوطن: سيناريو مكرر لخطيئة مكررة!

ما خلص إليه نواب بريطانيون من أن التدخل العسكري البريطاني في ليبيا عام 2011م بأمر من رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون استند إلى معلومات مخابراتية خاطئة وعجل بانهيار البلد سياسيًّا واقتصاديًّا، هو اعتراف لن يضيف شيئًا جديدًا إلى الواقع سوى أنه توكيد المؤكد وتثبيت الثابت من الحقائق، كما أنه لن يعيد الدولة الليبية إلى ما كانت قبل التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في العام 2011م، يوم حبكت مؤامرة التدخل تحت عناوين عريضة وشعارات رنانة أثبتت الأيام وما آلت إليه ليبيا وما صار إليه الشعب الليبي أنها لم تكن إلا وسائل كانت لازمة ومطلوبة لتبرير التدخل العسكري، وتهشيم الدولة الليبية والإطاحة بنظامها، ولازمة ومطلوبة لخداع الناس وتصوير أن عملية التدمير والتهشيم القائمة ما هي سوى إحدى الضرورات المطلوبة لكي يزهر “ربيعهم العربي” وتنعم المنطقة بروائح أزهاره الزكية وتتنفس شعوبها هواء معطرًا بهذه الروائح، التي أثبتت الأحداث ونتائجها أنها روائح نتنة وعفنة.
لقد كانت ليبيا الحبة الثانية من العقد العربي الذي فرطه المستعمرون القدامى والجدد بتعاون عربي رسمي كانت أداته جامعة الدول العربية التي عقدت اجتماعها الشهير في الثاني عشر من مارس عام 2011، وخلص فيه الملتئمون من وزراء الخارجية العرب إلى التدخل العسكري ومطالبة مجلس الأمن الدولي بعقد جلسة عاجلة لتبني نتائج اجتماعهم الشهير هذا، والذي دون شك أصبح وصمة في تاريخ جامعة الدول العربية، وعلامة بارزة على جبين النخوة والشهامة العربية؛ فالقرار الذي أصدره مجلس الأمن رقم 1973 في السابع عشر من مارس عام 2011 كان أول صك شرعي دولي لحلف شمال الأطلسي للتموضع في ليبيا، ولذلك عد الحلف تأييد جامعة الدول العربية لعملية المباشرة الفعلية لتدخله العسكري هامًّا وأساسيًّا جدًّا.
إن التقرير الذي صدر عن لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، أمس قال إن كاميرون الذي تولى رئاسة الوزراء البريطانية من 2010 إلى يوليو الماضي 2016 لعب دورًا “حاسمًا” في قرار التدخل (في ليبيا) ويجب أن يتحمل المسؤولية عن دور بريطانيا في أزمة ليبيا. ويفهم من هذا السياق أننا أمام سيناريو مكرر لخطيئة سلفه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني المستقيل الذي أكد تقرير برلماني بريطاني مشابه خطيئته في التدخل العسكري في العراق وأنه استند إلى معلومات استخبارية مغلوطة، وأنه ضلل الرأي العام البريطاني. فالصيغة التي خرجت بها لجنة شيلكوت البريطانية الخاصة بالتحقيق في الحرب على العراق أدانت بلير، لكن اللغة التي كتبت بها خرجت عن الرصانة التي يجب أن تصاغ بها مثل هذه التقارير بما يؤكد عنصر الحزم والعزم على المساءلة والمحاسبة، وبالتالي سمحت الصيغة المطاطة بإفلات بلير عن المحاسبة على مشاركة بوش الابن في غزو العراق واحتلاله، ومسؤوليتهما عن جرائم الحرب التي ارتكبت، وحالة عدم الاستقرار وانتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.
اليوم ليبيا وضعها الإنساني والسياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي لا يختلف في شيء عن العراق؛ أي أن كاميرون يعد واحدًا ممن يجب مساءلتهم ومحاسبتهم على الاعتداء على ليبيا الدولة العربية المستقلة وذات السيادة، والمشاركة في إيصالها إلى هذا الوضع الكارثي وتحويلها إلى دولة فاشلة، وخزان للتنظيمات الإرهابية والإسلاموية وبؤرة ملتهبة تهدد دول المنطقة بأخطار محدقة، فضلًا عن آلاف أطنان الأسلحة المفقودة والمنهوبة من المخازن الليبية باتت بأيدي هذه التنظيمات، ما يهدد الأمن والاستقرار ليس في المنطقة فحسب، وإنما في العالم بأسره. والسؤال الذي يطرح ذاته: هل ستكون هناك لجنة خاصة في التحقيق في المشاركة البريطانية في تدمير ليبيا، وتشكيل لجنة خاصة على غرار لجنة شيلكوت وإدانة كاميرون دون محاسبته مثلما حدث مع توني بلير؟

إلى الأعلى