الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ثيمة الحزن في ” البحرُ يبدّل قمصَانهُ!” لعائشة السيفية

ثيمة الحزن في ” البحرُ يبدّل قمصَانهُ!” لعائشة السيفية

إننا ونحن نحتفي في القراءة بديوان ” البحرُ يبدّل قمصَانهُ!” لعائشة السيفي الصادر عن الكوكب رياض الريس للكتب والنشر وبدعم من النادي الثقافي ممثلا في البرنامج الوطني لدعم الكتاب في طبعته الأولى 2014 م، ليحدونا الأمل بأن مثل هذه القراءات تعتبر حلقة وصل بين الكاتب والقارئ المتلقي في أي زمان ومكان، وأن هذه الإبداع لا يكتمل نظامه ولا ينتظم عقده إلا بوجود القراءة الفاحصة الناقدة المدققة والمسبرة لأغوار الفن والكتابة وما يوجد من خبايا استترت لجمال فيها أو قبح يراد منه التعديل والتبديل والتغيير وبناء ملحمة تشكل كل هذا الفن الذي تشهده بلادنا الغالية عُمان وهي تعيش عصر الكلمة وعصر النص نثرا كان أو شعرا، فمن الواجب الاحتفاء بهذا المنتج وكشف مواطن الضعف والقوة في مثل هذه النصوص التي يقود شعلتها جيل من الشباب يواكب الحداثة دون أن يترك الأصالة ويكتب كل ما هو حديث دون التخلي عن كل ما هو قديم جيد يخدم الثقافة ويساهم في تشكيل الفكر لدى الإنسان العماني.

البحر يبدل قمصانه زرع في أرض طيبة ” كما نزرع الأرض.. نزرع أحلامنا” هكذا كما وقعته لي عائشة السيفي في حفل توقيع الكتاب بجناح النادي الثقافي في معرض مسقط الدولي للكتاب 2014م، إنه زرع ينبت وينمو ونقطف ثماره ولو بعد حين، فعندما يبدل البحر قمصانه ننصت للموج وننصت للجمال ونسترخي على شواطئه ونتبختر على رماله، يجذبنا بملوحته التي تزيل عنا الغبش وتبعد عنا النكد، ويمنحنا الأمل عندما ننظر لأفقه الممتد لقميصه الأزرق، لتلون أمواجه بقمصان يبدلها فما الذي يحدث بعدما يبدل البحر قمصانه؟!

إن كتابة هذه النصوص قالت عائشة : ” بين 2006 و2010 أقرب أو أبعد كثيرا من نزوى إلى مسقط أبصرت عيناي هذه النصوص” وحدها بحدود الزمن الفاصل له أهمية كبيرة في التحليل والتقصي وسبر أغوار النص ومقاصده، وربما وحدها عائشة من تدرك ذلك، وإن تقاربت بعض القراءات حولها، عموما أيها القارئ العزيز ” الحقيقةُ.. أصعبُ منكَ ومنّي/ ومن أغنياتِ بلادي الحزينة/ ومن صوت فيروز لما يوقظُ/ أحلامنا../ حين تغفو المدينة/ الحقيقةُ../ أصعبُ/ أصعبُ…لكن/ سنزرع في جوفها ياسمينه ” هكذا غنَّت عائشة في الطريق إلى الياسمين..

الحزن قميص البحر:

إننا ونحن نقرأ بعضا من أغاني الحب والحزن والحياة في بحر عائشة نجد 15 قميصا بدلها البحر بعد قميصه الرسمي في الطريق إلى الياسمين، 15 قصيدة غنتها عائشة وصدحت بها الواحدة تلو الأخرى بجمال الألوان وصفاء الحب وشفافية الحزن وروعة الحياة يشدنا أكثر ما يشدنا ذلك الحزن العميق الذي يخيم على كل فيافي القصيدة عرصاتها وقيعانها سواء بالقرب من الغدير أو بعيدا عنه، تلك الأعمدة والخيام التي نصبتها الشاعرة وهي مدركة أيُّما إدراك أن ثمَّة ما يجعل العيش جميلا وهو الحُبّ، وهو ما يجعل الحياة أكثر جمالا برغم كل المآسي والأحزان، ولكننا نعود لنتأمل الحزن كثيمة تستقطب حتى مواطن ومقامات الفرح والسعادة، ذلك الاستقطاب الجوهري الذي يشعرك وأنت تقرأ القصيدة عزيزي القارئ كأنك في مأتم الفقد والغياب الذي فيه من الروح التي تلامس الروح وفيه من الصدق الذي يدخل القلب وفيه من المعاناة المشتركة للإنسان في كل مكان، تلك المعاناة الروحية التي تكون بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان ونفسه وفي علاقتهما بقضايا التأثر والتأثير، وهذا يحيلنا للنظر من عمق القصيدة القادمة من العمق أيضا من قلب الشاعرة النابض والمحتوي لكل تلك الآهات الحزينة، إنه شِّعر الحداثة بكل تفاصيله بل وبكل اتجاهاته، إنها المعاناة التي تخرج من الداخل ويشع سناها من الخارج إنها قضية المراوحة بين أثر معاناة الشاعر الداخلية للمحيط الخارجي، وكذلك أثر المحيط الخارجي على نفسيات ومشاعر الشاعر حتى تدفعه لقول شعر محسوس تتولد فيه الحركة وتدبُّ فيه الحياة.
ولننظر في قصيدة ما يشبه حزنا مريميا حتى نغوص في كمية لا حصر لها من ثيمة الحزن التي نكتشف عند الاقتراب منها كأنها شبيهة بالثقوب السوداء في الكون التي تبتلع النجوم:
سيمتَحِنُ الحبّ حزنِي وحزنكِ
يمتَحنُ النورُ قلْبي وقلبَكِ
يمتحنُ اللهُ روحِي وروحَكِ

إلى أن قالت:
كلانا وحيدان.. لكنْ قريبان
كلانا حزينان.. لكنْ رضيّان
كلانا مدانان بالحبّ لكن أمينانْ

كما ذكرت سابقا ونؤكد دائما أن قضايا الشعر واتجاهاته من حيث قضية التأثر والتأثير أصبحت غير حقيقية بالضرورة وليست صحيحة على الأقل من حيث مناسبة قول الشاعر والدافع من أجل الكتابة فقد تكون معاناة داخلية خاصة يبثها الشاعر وقد تكون مشاعر إنسان أتاه كما يأتي الناس شيء من الخارج ليشكل في خلجات نفسه ذلك الشعور الحي الناطق المبثوث، ولذلك قالت الشاعرة في بكائية أخيرة لمنفى من نسيان! :”ربما في رثاء مظفر النواب.. مستريحا في منفاه:النسيان”، ولنتأمل كلمة (ربما) فهي ذات دلالات عميقة جدا تؤكد الفكرة التي ذهبنا من أجلها قالت شاعرتنا:
أعزِّيكَ يا صاحبيْ..
هل أخذتَ من الموتِ ما تشتهيْ.. وبعثتَ إلى الشعرِ ما يشتهيْ؟

أعزيك يا صاحبيْ.. بالقصيدَة..
لم يبق من الشّعر إلا بكاؤك فاحمل بكاءك في صرة
وارتحلْ..

أريدك يا صاحبيْ مثلما أنتَ للشعرِ لا للفقرِ/ سيِّدُنا الفقرُ نحن الذين إذا صافح الجوعُ أجسادَنا، مرّ يمطرنَا الشّعرُ ماءً وحزناً

نودعُ فيها دموعاً بعمر ثمانينَ عاماً تسيلُ سريعاً كما يسكبُ الماءُ أحزانهُ في الطريقِ..

وفي بكائيّات على جسد الليل لنتأمل قبل كل شيء حرف القاف المستخدم كحرف روي القافية في هذه القصيدة التي تغرقنا من الحزن الذي يطغى على كل الجمل الموجودة في هذه القصيدة:
نشج الليل بعيني وبكى
كيف يبكي مَنْ مِنَ الدّمعِ غَرِقْ؟

وهوى كالظلِّ يمشيْ واقفاً
مثلَ نجمٍ مسّهُ حُزنُ الغسَقْ

صاخبٌ حزنيْ وليليْ صامتٌ
وارتباكِيْ فيْ لظَى الصمتِ عَلقْ

إن ثيمة الحزن التي استطاعت أن تخلق مدارات تجذب كلمات الشِّعر لتدور في فلكها لتشرق عليها شموس في النهار وأقمار في الليل فتكون نجوما تتلألأ في سماوات الفن والإبداع قطفتها عائشة نجمة بعد نجمة لتؤكد أن باستطاعتها قطف المزيد بكل سهولة ويسر وإن صعب عند البعض وعسر المطلب فهي روح الشاعرة التي ترحل عالية هناك لقطف الإبداع بعد زرعه في القلب والسير به في دروب من الحب للحياة والحب للشعر:
جفِّفِ الدمعَ حزينٌ ليلهُ
في جبين الطين عيَّا واندلقْ

وتعلَّقْ مثلَ حُزنٍ طائشٍ
بشهابٍ في المدى ضلَّ الطُرقْ

هاتِ خدَّيكَ ليحكي دمعُنا
أيَّنا من دَمعهِ.. الليلُ احترقْ؟

الحزن مع قمصان البحر:

عندما يبدل البحر قمصانه مع وجود ثيمة الحزن التي ترافق كل الأمواج، والتي تأتي من أعماقه الغائرة لتحدث هيمنة مع كل قطرة من قطراته مصطدمة مع كل رمل من رماله، ومعرية لكل الصخور الموجودة في بعض شواطئه لتحدث ألوانا من التبدل والتغيير، كل ذلك برفقة الحزن لا ينفك وجوده وطغيانه على كل الصور:
ويخجلنيْ الحبّ حينَ يقرّر أن يصطفيْ عفوهُ لحبيبينِ
يقترفَان البيَاضَ ويستحيَان من الّليل:
(دعنَا سوياً بمفردنا نحنُ شيئانِ في مفردٍ لا مساحةَ تفصلنَا
عنكَ يا ليلُ

فامنحْ كلينَا خصوصيَّةً لنمَارسَ ما نشتهيهِ من النّزق الفضِّ
واتركْ كلينَا كطيفِ مسيحٍ نسَى الصّلبَ
واتركْ كلينَا كما غفوةٍ في النّعاسِ / كماَ بقعةٍ أجهضتْ فيْ
المدَى)
الحزن عندما يتداخل مع الحب يولِّد حالة من الذكريات، ذكريات للمكان وللزمان، حنين للماضي وحزن على ذاك الجمال المغادر والراحل عن حياتنا لأننا وبكل سهولة وبكل بساطة نكبر وتكبر معنا تلك الذكريات، لنجد أنفسنا مسكونين بالحب وبالحزن في آن واحد، فكيف بمن فقد كثيرا من الحب أصلا ؟! فكيف به مع الحزن وهو فقير من الحب؟!:
وتخجلني وحدَة الذكريات إذا هاجمتنيْ فقيراً من الحبّ
والشّجنِ العذبِ
يخجلنيْ الصّمتُ حينَ تغنّي السّماءُ وأصمُت صمتَ الكليمِ
وقدْ كلَّمَ اللهَ ثمّ اكتفَى

إن الحزن في البحر يبدل قمصانه حتى مع الحب نفسه يبدل قميصا تلو الآخر فقد رأيناه ورأينا التباساته وانعكاساته، ورأيناه يبدل قميص الذكريات، وكذلك نراه حين يمتزج الحزن مع الحب في الحنين إلى الطفولة في العشق للحظاتها التي لا ولن تعود في جنوننا بالحب والرحيل والعودة إلى حيث المهد وحيث البراءة وحيث الجمال المهاجر والجمال المفقود وإن كان موجودا:
حبّاً طفوليّا أريدُ..
ودفتراً للرّسم.. كعباً عالياً للرقصِ.. كبْ يبدُو الغناء على
طريقتهِ
وَلا أحتَاجُ من لغَة الغرَام سوى بساطَةِ لثغتيْ في الرّاءِ
لا أحتَاجُ أكثَر من بكاءِ رضيعةٍ حيرَى تحَاولُ أنْ تدرّب
نفسَها لتصِير أنثَى

إن هذا التمازج الغريب العجيب المثير للجدل والمثير للتأمل والمثير للبحث في خلجات النفس وما تخبئه القلوب في حياة الإنسان ذلك الكائن الآية في كل شيء خلقه الله فأبدع في خلقه من الأسرار ما لا يستطيع أي مخلوق مفردا أو جماعة أن يكتشف سر الروح وجمالها وسحرها وبهائها ومخزون أفكارها وكل الهواجس والنوازع الموجودة فيها، إن ذلك يقودني شخصيا للإعجاب بفن الشعر في مثل هذه المقامات البديعية الساحرة التي طالت جملها عند شاعرتنا السيفية، فسبحان من خلق هذا التنوع ليمنحه مزيدا من الجمال:
لا.. لا أشتهيْ شيئاً سَوى حبٍ طفوليٍ.. وفارسِ مهرةٍ
بيضَاء يحملنيْ لـ”نزوى” فوقَ مهرتهِ
ويقسمُ بيْ.. بأسمائيْ الجديدَة والقديمة..
كم أحبّ الرقصَ فيْ أضلاعهِ
وأحبّ أنْ أتقمّصَ الأشيَاءَ بينَ دميْ ولحميْ..
كمْ يعذّبنيْ الغناءُ وفيْ دميْ حانات رقصٍ لا تنامُ..
يثيرُ حُزنيْ صوتُ شيخ في الصّباحِ يعلّم الأطفَال تجويدَ
الكتابِ وفي المسَاء يعلّم الأنثَى الجميلَة كيف تجعلُ من
معالمها الخفيّة جنةً دنيا.. وكيف تجيد تجويد الغناءِ الطفلِ
فيْ النهدِ البريءِ

إذن لدى البحر قمصان لا يتسع المقام لذكرها تفصيلا فهناك قميص الصلاة وهناك قميص الدعاء وهناك قميص البكاء وإن قارب لونه لون الحزن فهو غامق والآخر شفاف وهناك قميص العشق وقميص الحنين وقميص الحياة وقميص الموت كلها تشترك مع الحزن المحور الرئيس الذي تدور حوله قراءتنا المتواضعة هذه، ونؤكد أن ثيمة الحزن في البحر يبدل قمصانه جاءت بألفاظ ودلالات مباشرة وغير مباشرة، فقد وظفت الشاعرة كل الأغراض الشعرية لتجعلها تجري في فلك قطبها الرئيس ومحورها الأول هو الحزن:
يُجامِلني البحرُ بالأغنيات
فأشهقُ..
هلْ بدّلَ البحرُ قمصانهُ ليصيرَ دميْ عارياً
وأصيرَ أنَا ككمانٍ بلا صاحبٍ ولا صديقْ؟

هلْ بدّل البحرُ قمصانهُ ليقولَ لنَا:
ظلّكم حزنكُم..
فلتكُونوا كمَا تشتهُون

ناصر الحسني

إلى الأعلى