الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الغريب وسطوة العلامة

الغريب وسطوة العلامة

قراءة في تجربة الفنان الفرنسي جويل كابيلا لاردو
إن قيمة المبدع تكمن في اجتهاده ومحاولاته المستمرة لطرق أبواب مغلقة دون اللجوء للمحاكاة والتقليد حيث يقول روسو في مقال عن الفنون والعلوم “أنه لمنظر جميل وجليل أن ترى الإنسان يرفع نفسه من العدم بجهده الخاص،ويبدد بنورعقله تلك الظلمات التي لفته بها الطبيعة،انه ليرفع نفسه فوق نفسه وينفذ بروحه إلى أطباق السماء وينطلق كالشمس بخطوات جبارة عبر الفضاء الشاسع للكون” [1] ….
و من هنا نستنتج ان الفنان هو باحث دؤوب عن الجديد هو منقب عن كل ما يمكن ان يكون مفيدا في كتابة اسطر تجربة جديدة و انفتاحنا عن الغرب ليس سلبيا اذا استطعنا ان نمسك بزمام هذا الانفتاح و العكس صحيح انفتاح الفنانين الغرب علينا لطالما كان مثمرا منذ القديم و عبر تاريخ الفن حيث يستقي الفنانون من بيئتنا رموزا تصبح بعد قرائتها جيدا و ربطها بكل الحيثيات وسيلتهم المثلى للتعبير فيحملونها طاقات إيحائية رمزية لتصبح بمثابة مكونات نص يشكله ويكتبه الفنان بأسلوب خاص، و أسلوب ترميزي فيه نص خفي حيث يمكن أن يكتب الفنان من خلالها مواقف لها علاقة بالمكان وحيثياته بمثابة الطرح الإنساني الفكري.
نص ينم عن موقف وعن وعي حيث يظهر المكان دوره في صناعة الرمز الذي يصبح بدوره علامة وشكل للتركيب والتعبير، كما للمكان دوره في تحديد الاختيارات و المواقف و الإشكاليات فتصبح العلامة أداة من أدوات التفكير
وإعطاء المعنى و هذا ما اتاه الفنان جو كابيلا لاردو هذا الفنان الذي استقر بسجنان (منطقة تابعة لولاية بنزرت بالشمال التونسي تعرف بصناعة الفخاريات الانثوية) مدة ثلاث سنوات ،ساهم المكان من خلالها في إنتاج سلسلة من الأعمال التي تثبت ما نحن بصدد الحديث عنه ،علامات هي الأخرى في علاقة بالمكان تفطنا من خلال تحليل هذه التجارب إلى سطوتها وسيطرتها على المقترح الفني وتوجيهه ووجدت في جويل كابيلا لاردو المثل الصادق عن ذلك ،استفاد من استقراره بيننا ورغم انه لا ينتمي لهذا المكان حيث و لد هذا الفنان الفرنسي سنة 1948 عاش بفرنسا وإسبانيا ،قضى بتونس وتحديدا بسجنان مدة ثلاث سنوات باحثا ومنقبا في الفن الشعبي عن أثار وبصمات الإنسان ، وبقايا لغة قديمة تربط الكتابة والرسم في ميدان الفخار و الوشم و النسيج و كل ما هو متعلق بالحرف الريفية ،هي في حقيقة الأمر طريقة مميزة في التعبير، استطاع هذا الفنان النهل من منابعها لإنتاج لوحاته المستلهمة من هذه البيئة مستندا إلى الرموز والأشكال الهندسية المجردة التي تميزها .
جهز رسوم أولية وبحوث رصد من خلالها العلامات التي سيستخدمها في رسم لوحاته، والتي استقاها من زخارف الفخاريات رغم انه غريب عن هذه المنطقة المغاربية إلا أن سحر هذه الممارسات اثر فيه ، فوجد فيها ضالته فاستفاد وتبناها و قدمها بطريقة مختلفة عن ما سبقه و عن ما سيأتي بعده لان لكل تجربة خصوصيتها .
لتأثيث فضاء لوحاته سبح لاردو عميقا في أعماق هذا النشاط النسائي الذي تفوح منه رائحة التراث وتعبق به لوحاته ،استخلص منه عبرا و حلولا تشكيلية تجلت واضحة الملامح في أعماله، نفض عنها غبار السنين و النسيان و تجاوز بعدها الوظيفي وفق رؤية تشكيلية خطية خالصة أراد ربما من خلالها التعبير بالرموز عن اهتمامات الإنسان ربما قناعة منه أن ما تنتجه يد الإنسان في ممارساتها الفطرية و التلقائية هو الأكثر صدقا في التعبير بكل عفوية .
الرمز من الذاكرة إلى المساحة اليومية إلى المنسوجات إلى الجسد مرورا بالأواني الفخارية رحلة دائمة التجدد ،رموز شهدت حضورا مختلفا من مساحة إلى أخرى من المسطح إلى الثلاثي الأبعاد لتعود مع هذا الفنان المسكون بهاجس البحث في دواخل الذات إلى المسطح من جديد لكن بطريقة شخصية نوعا ما ملأت هذه الرموز أسطح لوحاته مع كل هذا التأطير والمنظور، تجد العين نفسها أمام مساحات شاسعة للتيه أين تصبح النضرة شاملة في متابعة لهذه العلاقات المدروسة بين الرموز والأشكال المرسومة داخل مربعات ومعينات ،هي بمثابة لعبة هندسية مثيرة تجمع الرموز البربرية وتوزعها وفق نمط فني معين، وكأنها كتابات على سطح اللوحات وضعت بطريقة فيها الكثير من الوعي والقصدية وكأني به يكتب بأسلوب مغاير فالكتابة والرسم بالنسبة له متشابهة عبارة عن مغامرة ذهنية .
يمر لاردو بهذه الرموز إلى هندسة الفضاء وتقسيم مساحاته ثم توزيع رموزه داخلها بحيث لا يمكن لنا تصور مكان أخر لها على سطح اللوحة عدى المكان الذي وضعت فيه .
هي عبارة عن أثار وبصمات تركها الإنسان خلفه بعد أن استهلكها ليأتي غيره ويستهلكها مجددا ، توارثها أبناء الشعب الواحد ولكل طريقته في التعامل معها ولعل الفنانين هم أكثر الناس قدرة على استنطاق طاقتها ،حيث وضعها لاردو في لوحاتها بجوار بصمة يد حقيقية و كأني به يجاور بصمة اليد لتلتقي ببصمة الذهن وبصمة الجسد أو ربما هو تذكير بالعلاقة الأبدية بين الجسد الآدمي وتحديدا اليد بهذه الممارسات الريفية .
هاجر لاردو بهذه الرموز من المحامل التقليدية إلى أسطح لوحاته مزيج لافت من تصوراته وأفكاره زخارف جاءت بألوانها الطبيعية منمقة في نظام وتناسق معينات ومربعات ، مثلثات متتالية اختصرت حركة الطبيعة .
فما يهتم له هذا الفنان من وراء كل هذا ليس مجرد تجميع هذه الرموز أو تحليلها بقدر ما يهمه أفكار الإنسان و ترجمتها” فبصمات اليد هي نداءات الإنسان الأولى .فاليد أداة، رمز متناضر ،صانع ذو طاقة سحرية ،رمزية تتخطى المحاضرات وتسم الفضاء…”[2] فتلك الصرخة نابعة من أعماق الذات البشرية الحائرة ،عبارة عن بصمات جسد ادمي خلف تلك الأشكال والرموز تختفي ذاكرة وذكريات شعب كامل يرسمها لاردو من الداخل معتمدا منظوره ومعرفته الخطية حيث يقول “نعم معرفة الفضاء البدوي ،هذه الإرادة تقتضي بدون توقف تحويل محور الاهتمام إلى إبداع فضاءات تتيه فيها العين” .[3] يظهر لنا الفنان من خلال أعماله هذه مولع بإشغال كامل فضاء لوحاته بين ألوان تلعب أحيانا دور الأرضية في لون واحد وأحيانا بألوان متجاورة ومختلفة بين اصفر واحمر واخضر تختلط الألوان والأشكال والبصمات داخل لوحاته لتعبر عن الإنسان ووجوده، أفكاره وبصماته هي هويته ولعل منطقة المغرب العربي ثرية بالمضامين الإنسانية المعبرة .
أشكال هندسية تقدم حالة لافتة لا تضحي بالأشكال المأخوذة من الواقع الريفي كما لا تأخذها بحرفيتها ، وإنما يحاول إعادة صياغتها برؤية تشكيلية جديدة، بموتيفات متكررة تبدو كأنها استحسنت فضاءها الجديد فانسجمت مع أشكاله وبصماته وشكلت كلاّ يتميز ببساطة في الرؤية وانسجام وتوافق بين الأشكال و الزخارف و البصمات، تاركة للمتلقي حرية التقاط المعاني .
نسق بصري حركي هندسي يتواصل فيه الزخرف مع الأشكال و المربعات وأحيانا الأشكال الدائرية شبكة كاملة ،يمكّنها ثرائها من التأقلم والتشكّل والتلوّن في كل المساحات الفنية ،ووفق كل المواد يصبغها الفنان بأسلوبه فتصبح طريقته في التعبير تختلف رغم تشابهها من فنان لآخر وهذا دليل على ما تحتويه من طاقة هائلة في التنوّع والتشكّل وعلى دور الثقافة الفنية لكل فنان .
لعل لاردو قد أبدع أشكاله وزخارفه بطريقة معاصرة تتماشى وتطلعاته و أفكاره وتعكس رؤية خاصة في التعامل مع هذه الأشكال و الزخارف المتوارثة.
ولكل أسلوبه وطريقته التي تميزه وتحرره و من خلال علاماته يكتب و يؤرخ نصه.

دلال صماري
باحثة و تشكيلية تونسية

إلى الأعلى