الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون)

(حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: إن القلب يتسخ كما يتسخ الثوب، وإذا كنا نطهر الثياب لأنها محط نظر المخلوق ألا نطهر القلوب وهي محط نظر الخالق سبحانه؟، روى مسلم عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها، رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتُعرض عليه صغار ذنوبه فيُقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا، فلقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ضحك حتى بدت نواجذه.
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)، إذا نزلت بك بلية من يرفعها غير الله؟ وإذا ضاق صدرك بالهمِّ فمن يفرج همك غير ربك؟ إذا تحركت في صدرك أمنية ورجاء من يحقق رجاءك غير ربك؟ إذا كانت لك حاجة وشكوتها إلي الناس فأصموا آذانهم وأعرضوا عنك وذهبت بحاجتك إلي ربك، فهل قصدته في حاجة أو طلب فأعرض عنك وتركك وحدك؟ هل تخلى عنك ربك حتى تتركه وتذهب إلي غيره؟ هل رأيت من ربك غير الإحسان حتى تعرض عنه وتوليه ظهرك؟ (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم).
قد ترى صاحب حاجة أحاط به الهم والغم من كل جانب وهو يتحمل الذل والانكسار بين يدي المخلوق ليرحم ضعفه ويقضي له حاجته، وربما وقف لحاجته الساعات الطوال، بينما يثقل عليه أن يركع في الليل ركعتين بدمعتين أمام الله يعرض فيها ذله وحاجته وانكساره!.
روى ابن عساكر عن كعب بن مالك ورمز السيوطي لحسنه:(أوحى الله تعالى إلى داود: ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف لك من نيته فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأرسخت الهواء من تحت قدميه، وما من عبد يطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني ، وغافر له قبل أن يستغفرني).
(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ)، أهل الغفلة يخوفهم الشيطان من المخلوق العاجز الضعيف، والمؤمن لا يخشى إلا الله، فالله وحده هو النافع الضار .
ذكر القرطبي في تفسيره عن قتادة: مشى خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ إلى العزى ليكسرها بالفأس. فقال له سادنها: أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء ، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس.
هذا الكون له إله واحد هو الآمر وحده والكل طوع أمره، لا شريك له في الخلق ولا في الأمر تبارك الله رب العالمين، والعصاة لا يفهمون مصدر القوة لأن الله ختم علي قلوبهم وأعمى بصائرهم، فيتعلقون بالأسباب المخلوقة ويخيفون بها المؤمنين، كما توعد فرعون السحرة بعد إيمانهم بالقتل والصلب في جذوع النخل، فهل خافوا وارتدوا وتركوا إيمانهم؟ أم ثبتوا علي إيمانهم ورسخوا علي عقيدتهم ولم يبالوا ببطش فرعون ووعيده؟ لقد دخل نور الإيمان في قلوبهم ففهموا موازين القوى، وأنه ليس هناك أحد أقوى وأكبر وأعز وأجلُّ من الله فاستهانوا بفرعون ومن معه، وكانوا من قبل يطلبون وُدَّه ويخافون من ظله،(قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى).
هذا هو صدق العقيدة وصدق العهد مع الله الذي يمد المؤمنين بالقوة فيصبحوا علي الأرض ولهم ثبات الجبال، دخل عمر ـ رضي الله عنه ـ المسجد والنعمان بن مقرن يصلي فقعد إلى جنبه فلما قضى صلاته، قال: إني أريد أن أستعملك، فقال النعمان: أما جابيا فلا ولكن غازيا، قال عمر: فأنت غاز فوجهه إلى أصبهان ، فلما وصل وجمع جنده قال لهم: إني هاز لوائي ثلاث مرات، فأما الهزة الأولى: فقضى رجل حاجته وتوضأ، وأما الثانية: فنظر رجل في سلاحه وفي نعله فأصلحه، وأما الثالثة: فاحملوا على العدو وإني داع بدعوة فعزمت على كل امرئ منكم لما أمَّن عليها: اللهم أعط اليوم النعمان شهادة في نصر المسلمين وافتح عليهم. فكان أول صريع ، وفي رواية قال: اللهم إني أسألك أن تقرَّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام وذل يذل به الكفار ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة، أمِّنوا يرحمكم الله. فأمَّنا وبكينا، كذا قال زيد بن الدثنة وقد اجتمع رهط من قريش لقتله فيهم أبو سفيان، فقال له أبو سفيان – حين قدم للقتل – أنشدك الله يا زيد: أتحب أن محمداً الآن عندنا فنضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمداً .
(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)، الكل يعترف ويُقرُّ لله بالخلق، ولكنهم عند النفع والضر يتأثرون بما تراه عيونهم، فالكفار يخافون من المخلوق لأنهم يرونه بعيونهم، والمؤمنون لا يتأثرون بالمخلوق لأنهم يرون من وراء المخلوق قدرة الخالق الذي يدبر ويهيمن ويأمر وينهى وله الخلق والأمر وحده، فلو أراد بعبد من عباده نفعا ورحمة فمن يستطيع أن يمنع رحمة الله؟ وإذا أراد بعبد من عباده ضرا فمن يستطيع أن يمنع ضره؟ لو أراد الله أن يُعزَّ إنسانا فمن يذله؟ ولو أراد أن يذل إنساناً فمن يعزه؟ لو أراد الله أن يكرم إنساناً فمن يهينه، ولو أهانه فمن يكرمه (ومن يهن الله فما له من مكرم).
روى أحمد والترمذي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك جفت الأقلام ورفعت الصحف).
(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم)، الصدق مع الله يسكب في القلب الطمأنينة ويمده بالقوة والثبات، فلا يخاف من الفقر ولا من الموت لأنه يعيش في هذا الوجود وتحيط به أقدار الله، وما أحوجنا لهذا الصدق في النوايا والعزائم والأقوال والأفعال .
روى النسائي والحاكم عن شداد بن الهاد: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة غنم النبي (صلى الله عليه وسلم) سبياً فقسم وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم فأخذه فجاء به إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: ما هذا؟ قال : قسمته لك، قال ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ههنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به النبي (صلى الله عليه وسلم) يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي (صلى الله عليه وسلم) في جبة النبي ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته:(اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك).

إلى الأعلى