الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضائل القرآن الكريم (3)

فضائل القرآن الكريم (3)

علي بن سالم الرواحي:
.. وصاحب القرآن هو التالي له الحافظ له المؤمن به المعظم له العامل بأحكامه, وهو من أهل الله وخاصته كما فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ).
أما جزاء صاحب القرآن في القيامة فيوضحه حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا).
والقرآن ينير البيت الذي يُقرأ فيه كما وصفه رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بذلك فعَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(الْبَيْتُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ يَتَرَائى لِأَهْلِ السَّمَاءِ، كَمَا تَتَرَائَى النُّجُومُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ), ويؤيد ذلك حديث أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(نَوِّرُوا مَنَازِلَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ), وهذا النور طبعاً ليس حسياً ولكنه روحي والله أعلم بحقيقته.
وقراءة القرآن أفضل عبادة أفضل الأمم فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ).
ومن اشتغل بتلاوة القرآن عن ذكر الله وعن الدعاء فله كما جاء عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ:(قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلاَمِ اللهِ عَلَى سَائِرِ الكَلاَمِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ).
وحامل القرآن هو غير الغالي فيه بأن يقتصر به دون الأخذ بالسنة وهو غير الجافي عنه بحيث لا يقرب وإنما هو في منزلة وسط بين الافراط والتفريط, فهذا هو الذي يكرمه الله سبحانه وتعالى, فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ).
ويقسم رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الناس حسب قراءتهم للقرآن أو عدمها إلى أربعة أقسام ممثلاً بكل قسم بشيء يناسبه, وذلك قد جاء في حديث أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّة، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ), فهذ أربع مراحل للناس مرتبة ترتيباً تنازلياً.
* فضل الاستماع القرآن:
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحب سماع القرآن من غيره رغم أنه عليه أُنْزِل, ولنا فيه اسوة حسنة, قَال عبدالله ابن مسعود:(قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى بَلَغْتُ:(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا) (النساء ـ 41) قَالَ:أَمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ), فهذا سماع تأثرٍ وخشوع وتدبر.
ولقد مرّ سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ليلة على بيت أبي موسى الأشعري فاستمع لقراءته, ويروي تلك القصة أبو مُوسَى حيث قَالَ:(قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) لِأَبِي مُوسَى: لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ).
* فضل حفظ القرآن:
قد مر سابقاً فضل الماهر بالقرآن والصاحب له ولا يكون الأمر كذلك إلا لمن حفظ القرآن, وهنا نصوص أخرى مفيدة في فضل وثواب الحافظ للقرآن.
قال الله سبحانه وتعالى:(بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (العنكبوت ـ 49), فقد أخبر سبحانه بأن آيات القرآن تكون محفوظة في صدور العلماء, ونعلم أن التعبير بالجملة الاسمية والاخبار بشبه الجملة يفيد ثبات الخبر للمبتدأ والله أعلم, إذاً إن من كيفيات ثبوت العلم عند ناسه هو حفظهم آيات الله, فمَن لم يحفظ استعصى عليه العلم, والله تعالى حفظ القرآن بطريقتين في الصدور وفي السطور والله أعلم.
فالحافظ للقرآن القائم به قيام الليل ينال شفاعة القرآن فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ).
لقد وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي لا يحفظ شيئاً منه بالبيت الخراب الذي لا عمارة فيه ولا أثاث فيه فيكون لا فائدة منه,فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ), وذلك لأن عمارة القلب تكون بالقرآن وبالإيمان وبالتفكر في خلق الله وما يؤكدها يكون بالأهمال الصالحة ونبذ الأعمال السيئة فإن العمل ثمرة العلم.
وعن أبي مَسْعُودٍ الأنصاري، قالُ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلَا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا تَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَكَ، أَوْ بِإِذْنِهِ), وقوله (أقرؤهم) أي الأكثر قراءة لكتاب الله, ونعلم أن القرآن يقرأ في الصلاة عن ظهر قلب, ولذلك فأكثرهم قراءة فيها هو أكثرهم حفظاً للقرآن الكريم, وهناك معنى آخر ألا وهو أحسنهم قراءةً للقرآن فلا ريب أن من يقرأ بأحكام التجويد قراءته أحسن من غيره, والله أعلم.
وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يجعل على سرية بعثها لغرض يجعل عليها أكثرهم قرآناً , وكان يقدِّم في الدفن إن كان لاثنين فأكثر يقدم أكثرهم قرآناً أي أكثرهم حفظاً حيث أن أكثر القراءة لدى الصحابة كانت عن ظهر قلب والله أعلم.
إذاً وبناء على المعنى الأول فإن أكثر القوم حفظاً للقرآن هو الذي يُقدَّم لإمامة الصلاة.
* فضل مدارسة القرآن وتعلمه:
إن فضل مدارسة القرآن هو لعظيم وعظمته تستمد من كونه كلام الله سبحانه فشرف تعلمه ناتج من شرف موضوعه, وقد روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ ذلك الفضل عن النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول:(.. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ).
ولقد كان جبريلُ ـ عليه السلام ـ يدارسُ النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن الكريم في شهر رمضان مرة واحدة حتى إذا كان في العام الذي توفي فيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) دارسه فيه مرتين.
فالمدارسة هو مفتاح التدبر وباب العلم والمعرفة, فمن تدارسه ونزل عند أحكامه وتوقف عن متشابهه وعرف أن الكل حق لا مرية فيه وإن في ذاته اعجاز مشاهَد زاد ثقته به وإيمانه بأنه من عند الله الواحد القادر وطبقه في حياته اليومية إن شاء الله تعالى.
* قراءة النبي (صلى الله عليه وسلم):
كان النبي (صلى الله عليه وسلم) في قراءته مرتلاً كما أمره الله سبيحانه وتعالى في قوله:(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (المزمل ـ 4), فكان (صلى الله عليه وسلم) يمد حروف المد ويخرج الحروف من مخارجها كما أخبرنا بذلك أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عندما سُئل فقال:(كَانَ يَمُدُّ مَدًّا).

إلى الأعلى