الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (40)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (40)

.. وعن الخطب المشروعة، فهناك أنواع وهي: الخطب المشروعة الدورية والخطب المشروعة الطارئة، والخطبة المشروعة العامة.
أولاً: الخطب المشروعة الدورية وتنقسم الى نوعين: الخطبة الدورية الأسبوعية وهي خطبة لجمعة، والخطب الدورية السنوية وهما: أولاً: خطبة العيدين، وثانياً: خطب المناسك الأربعة وهي: خطبة اليوم السابع من ذي الحجة وخطبة اليوم التاسع وخطبة اليوم العاشر وخطبة اليوم الحادي عشر، وثانياً: الخطب المشروعة الطارئة وهما: خطبة الكسوف والخسوف وخطبة الاستسقاء، وثالثاً: الخطبة المشروعة العامة، وهي خطبة (النكاح).
* نماذج من الخطب النبوية العامة:
خطب في بيان وتصحيح بعض المسائل الاعتقادية: الخطبة الأولى: دعوة العشيرة الأقربين إلى الدين وإنذارهم من النار، والخطبة الثانية: التحذير من الشرك الأصغر.
وهناك خطب في بيان وتوضيح بعض الأحكام، الخطبة الأولى: تحري ليلة القدر في العشر الأواخر، والخطبة الثانية: ذم الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان.
وكذلك خطب تتعلق بالغزوات والسرايا، الخطبة الأولى: رفع معنويات الصحابة في غزوة حنين، والخطبة الثانية: إعلام النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه بما حصل في غزوة مؤتة، أما خطب في فضائل بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فهما قسمان:الخطبة الأولى: فضائل الصديق ـ رضي الله عنه، والخطبة الثانية: في فضل الأنصار ـ رضي الله عنهم.
* مواضع الخطبة:
الفصل الأول: الخطب المشروعة، قال النووي: الخطب المشروعة عشر: خطبة الجمعة، والعيدين، والكسوفين، والاستسقاء، وأربع خطب في الحج، وكلها بعد الصلاة إلا خطبة الجمعة وخطبة الحج يوم عرفة، ومن الخطب المشروعة غير هذه العشر: خطبة النكاح.
المبحث الأول: الخطب المشروعة الدورية، الخطبة المشروعة الدورية الأسبوعية، وهي خطبة الجمعة.
ودليل مشروعيتها من القرآن الكريم، قال تعالى:(يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ) (الجمعة ـ 9)، قال الشيخ محمد ابن العثيمين: فأمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء، وبالتواتر القطعي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان إذا أذن المؤذن يوم الجمعة خطب، إذن فالسعي إلى الخطبة واجب، وما كان السعي إليه واجباً فهو واجب، لأن السعي وسيلة إلى إدراكه وتحصيله، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية، ومن السنة: حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، ومن الأدلة أيضاً: مواظبة النبي (صلى الله عليه وسلم) على خطبة الجمعة مواظبة غير منقطعة، فلم يأت يوم من أيام الجمعة لم يخطب فيه النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهذا الدوام المستمر صيفاً وشتاءً شدة ورخاءً يدل على وجوبهما، وكذلك أنه لو لم تجب لها خطبتان لكانت كغيرها من الصلوات، ولا يستفيد الناس من التجمع لها، ومن أهم أغراض التجمع لهذه الصلاة الموعظة وتذكير الناس.
وهناك الخطب المشروعة الدورية السنوية، أولاً: خطبة العيدين: وقد وردت نصوص كثيرة تدل على مشروعيتها ومنها: حديث جابر ـ رضي الله عنهما: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قام يوم الفطر فصلى، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناس، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: شهدت العيد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ يصلون العيدين قبل الخطبة، وثانياً: خطب المناسك الأربعة في الحج: اختلف العلماء في عدد خطب الحج على قولين، الأول: أنها ثلاث خطب، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية، على خلاف بينهم في تحديد أيامها، والثاني: أنها أربع، وبه قال الشافعية.
أما الخطبة الأولى: فهي في اليوم السابع من ذي الحجة، عند الحنفية والمالكية والشافعية، وعند الحنابلة خطبة عرفة هي الأولى، هذه الخطبة في مكة عند الكعبة يوم السابع بعد صلاة الظهر، وهي خطبة واحدة لا يجلس فيها بالاتفاق، يعلِّمهم فيها الإمام مناسك الحج، واستُدلّ على ذلك بحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم، والخطبة الثانية: خطبة اليوم التاسع، وهي خطبة عرفة: وهي الخطبة الأولى عند الحنابلة، وقال النووي: ويخطب الإمام قبل صلاة الظهر خطبتين .. يبين لهم كيفية الوقوف وشروطه وآدابه، ومتى الدفع من عرفات إلى مزدلفة، وغير ذلك من المناسك التي بين أيديهم إلى الخطبة التي تكون بمنى يوم النحر بعد الزوال، وهذه المناسك التي يذكرها في خطبة عرفة هي معظم المناسك ويحرضهم فيها على إكثار الدعاء والتهليل .. وغيرهما من الأذكار والتلبية في الموقف.
ودليل مشروعية هذه الخطبة: حديث جابر ـ رضي الله عنهما ـ الطويل، وفيه: حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال:(إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا ..) .. الى آخر الحديث، والخطبة الثالثة: خطبة اليوم العاشر، وهو يوم النحر (خطبة واحدة): وهي الخطبة الثانية عند الحنابلة.
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعيتها، ومنها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أنه شهد النبي (صلى الله عليه وسلم) يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا .. الى آخر الحديث، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطب الناس يوم النحر فقال:(يأيها الناس، أي يوم هذا؟) قالوا: يوم حرام. قال:(فأي بلد هذا؟) قالوا: بلد حرام. قال:(فأي شهر هذا؟) قالوا: شهر حرام) .. الى آخر الحديث، وعن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحى، على بغلة شهباء، وعليٌ يُعَبِّرُ عنه، والناس بين قاعد وقائم، والخطبة الرابعة: في اليوم الثاني من أيام التشريق: وهي الخطبة الثالثة عند الحنابلة، وقال ابن قدامة: ويستحب أن يخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق، خطبة يعلم الناس فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم.
والدليل على مشروعيتها: ما رواه أبو نجيح عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي خطب بمنى.
والثاني: الخطب المشروعة الطارئة: خطبة الكسوف والخسوف، قال الحافظ في (الفتح):(والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، وأختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح).
وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية خطبة الكسوف والخسوف ومنها: حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فصلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالناس فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا) ثم قال: (يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم كثيراً ولبكيتم كثيراً).
وبوّب البخاري في صحيحه فقال:(باب خطبة الإمام في الكسوف)، وذكر تحته: وقالت عائشة وأسماء: خطب النبي (صلى الله عليه وسلم)، ثم ذكر حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ المتقدم، ولكن باختلاف في بعض ألفاظه، وفيه: ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله).
قال الحافظ ابن حجر شارحاً صنيع البخاري هذا: قوله:(باب خطبة الإمام في الكسوف) اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك، وقال صاحب الهداية من الحنفية ليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه وهي ذات كثرة، والمشهور عند المالكية أن لا خطبة لها، مع أن مالكاً روى الحديث، وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنه (صلى الله عليه وسلم) لم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس، وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل، وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين، بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة، وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسي بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف، نعم نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي (الجمعة والعيدين)، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنير في حاشيته وَرَدَّ على من أنكر أصل الخطبة لثبوت ذلك صريحاً في الأحاديث وذكر أن بعض أصحابهم احتج على ترك الخطبة بأنه لم ينقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيفه بأن المنبر ليس شرطاً، ثم لا يلزم من أنه لم يذكر أنه لم يقع).
خطبة الاستسقاء: وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية خطبة الاستسقاء سواء بعد الصلاة أو قبلها، حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبر (صلى الله عليه وسلم)، وحمد الله عز وجل، ثم قال:(إنكم شكوتم جدب دياركم واستئجار المطر عن إبان زمانه عنكم .. ونزل فصلى ركعتين ..) .. الى آخر الحديث، ومنها حديث عبد الله بن زيد قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الاستسقاء فخطب واستقبل القبلة، ودعا واستسقى، وحول رداءه، وصلى بهم.
والمبحث الثالث: الخطبة المشروعة العامة: وهي خُطبة النكاح: يستحب لمن يخطب أو يعقد النكاح أن يخطب بين يدي خطبته أو عقده خُطبة الحاجة المشهورة، وقد وردت هذه الخطبة “خطبة الحاجة” عن ستة من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهم: عبد الله بن سعود، وأبو موسى الأشعري، وعبدالله بن عباس، وجابر بن عبدالله، ونبيط بن شريط، وعائشة ـ رضي الله عنهم، وعن تابعي واحد هو الزهري ـ رحمه الله، وهي مشهورة أيضاً بـخطبة ابن مسعود ورويت عنه من أربعة طرق، وأخرجها أصحاب السنة الأربعة، وأحمد وغيرهم، قال: وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري المعنى، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله قال: علمنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطبة الحاجة:(إن الحمد لله، نستعينه، ونستغفره ..) الحديث، وقال الألباني: قد تبين لنا من مجموع الأحاديث المتقدمة، أن هذه الخطبة تفتح بها جميع الخطب، سواء كانت خطبة نكاح، أو خطبة جمعة، أو غيرها، فليست خاصة بالنكاح كما قد يظن، وفي بعض طرق حديث ابن مسعود التصريح بذلك كما تقدم، وقد أيد ذلك عمل السلف الصالح، فكانوا يفتتحون كتبهم بهذه الخطبة ..).

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى