السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ماذا بعد الحج؟

ماذا بعد الحج؟

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
عَادَ ضُيُوفُ الرَّحْمنِ وَقَدْ عَجَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِالتَّلْبِيَاتِ، وَزَخَّتْ أَعْيُنُهُمْ بالدَّمَعَاتِ، وَأَنِسَتْ أَرْوَاحُهُمْ بِالطَّاعَاتِ.عَادُوا فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، مُسْتَبْشِرِينَ بِمَا مَنَّ عَلَيْهِمْ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَحَجِّ بَيْتِهِ:(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يُونُسَ ـ 58).
فَهَنِيئًا لِمَنْ رَحَلَ إلى تِلْكَ الدِّيَار، فَأَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ، أَبْشِرُوا يَا مَنْ حَجَجْتُمْ وَأَمِّلُوا؛ فَقَدْ دَعَوْتُمْ رَبًّا عَظِيمًا، وَرَجَوْتُمْ بَرًّا كَرِيمًا، لا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، وَلا فَضْلٌ أَنْ يُعْطِيَهُ، فَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُمْ، وَبَالِغُوا فِي إِحْسَانِ الظَّنِّ؛ فَعَطَاءُ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ آمَالِكُمْ، وَجُودُهُ أَوْسَعُ مِنْ مَسْأَلَتِكُمْ.املؤوا صَحَائِفَكُمْ وَقَدِ ابْيَضَّتْ بِمِدَادِ الأَعْمَالِ، وَابْدَؤوا أَعْمَارَكُمْ بِفَجْرٍ جَدِيدٍ؛ فَقَدْ كُفِيتُمْ مَا مَضَى، فَأَحْسِنُوا وَشَمِّرُوا فِيمَا بَقِيَ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ دَرْبَ الطَّاعَةِ لا نِهَايَةَ لَهُ دُونَ الأَجَلِ:(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (الْبَقَرَةِ ـ 200)، وَإِذَا قُضِيَتْ أَيَّامُ الْحَجِّ وَمَضَتْ فَلَعَلَّ مِنَ الْخَيْرِ لَنَا أَنْ نَسْتَذْكِرَ شَيْئًا مِمَّا قَدْ تَعَلَّمْنَاهُ مِنْ مَدْرَسَةِ الْحَجِّ مِنْ فَوَائِدَ، وَمَا جَنَيْنَاهُ خِلالَ أَيَّامِهَا مِنْ عَوَائِدَ.لَقَدْ عَلَّمَتْنَا مَدْرَسَةُ الْحَجِّ حُسْنَ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَكَانَتْ تِلْكَ الأَيَّامُ الْخَالِيَاتُ مَوْسِمًا يَزْدَادُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ ارْتِبَاطًا بِهَدْيِ رَسُولِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
تَرَى الْحَاجَّ يَتَحَرَّى وَيَسْأَلُ، حَتَّى يَكُونَ حَجُّهُ كُلُّهُ وفْقَ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْكَرِيمِ، فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ هَذَا الاقْتِفَاءَ وَذَاكَ الاتِّبَاعَ مَنْهَجَهُ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا؛ فِي عِبَادَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، فِي مَظْهَرِهِ وَمَخْبَرِهِ، فِي حَضَرِهِ وَسَفَرِهِ، وَنَوْمِهِ وَيَقظَتِهِ، وَسِلْمِهِ وَحَرْبِهِ، فِي أَحْوَالِهِ كُلِّهَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ مُتَعَلِّقًا بِهَا.وَإِذَا رُزِقَ الْعَبْدُ اقْتِفَاءً حَسَنًا فَتَحَتْ لَهُ الْهِدَايَةُ أَبْوَابَهَا، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِ الرَّحَمَاتُ الإِلَهِيَّةُ:(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (آلِ عِمْرَانَ ـ 31).
وَعَلَّمَتْنَا مَدْرَسَةُ الْحَجِّ أَنَّ اسْتِشْعَارَ ثَوَابِ الْعَمَلِ هُوَ أَعْظَمُ مُحَرِّكٍ نَحْوَ الْعَمَلِ؛ فَمَا تَعَنَّى مَنْ تَعَنَّى، وَفَارَقَ الأَهْلَ وَالأَحْبَابَ إِلا رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ رَبِّهِ مِنْ ثَوَابٍ.لَقَدِ اسْتَحْضَرَ الْحُجَّاجُ أَنَّ “الْحَجَّ الْمَبْرُورَ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ”، فَأَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ، وَضَحّوا بِأَوْقَاتِهِمْ، وَتَحَمَّلُوا مَا تَحَمَّلُوا بِنُفُوسٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَقُلُوبٍ رَاضِيَةٍ.إِنَّ اسْتِشْعَارَ ثَوَابِ الْعَمَلِ يُعْلِي الْهِمَّةَ، وَيَطْرُدُ الْكَسَلَ، وَيُرَبِّي فِي الْمُسْلِمِ الْحِرْصَ عَلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَالْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا، وَالْتِزَامَهَا طِيلَةَ الْحَيَاةِ.
يا مَن بذلت النفس والنفيس، وضَحَّيْتَ بالجهد والوقت، واجتهدتَ حتى أتيتَ البيت العتيق، فطفتَ به وسعيت ولَبَّيْتَ، وصَلَّيتَ خلف المقام، وشربت من زمزم، ووقفتَ على الصفا والمروة فَكَبَّرتَ وهللت، ودفعت إلى عرفة، وبِتَّ بمنًى ومزدلفة، ورميتَ الجمرات، ونثرت العبرات، وذبَحتَ وحلقت أو قصرت، ودعوت وسألتَ ورجوتَ، وتُبْتَ إلى الله وأنبتَ: مَن أسعد منك وأحظى؟! مَن أهنأ منك وأرضى؟! تجردتَّ لله في لباس العبودية والذل، وحسرت رأسك ونبذت رفاهيتك، ومددت يديك، ورفعت كفيك، فأبشر وأمل ما يسرُّك.
فهنيئًا لك فقد عدت كيوم ولدتك أمك، فاجعل من حجك بدايةً لحياةٍ جديدةٍ، وفرصةً لمعاملةٍ مع الله صادقةٍ، لقد كفيت ما سلف ومضى، فاستأنف عملك وأحسن فيما بقي، اصدق التوبة وأخلص في الإنابة، واعزم على المحافظة على الطاعات ما بقيت، والاستمرار على ترك المعاصي ما حييت.
عَلَّمَتْنَا مَنَاسِكُ الْحَجِّ تَرْبِيَةَ الضَّمِيرِ، وَتَزْكِيَةَ النَّفْسِ عَلَى الإِخْلَاصِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْعَفَافِ:(فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (الْبَقَرَةِ ـ 197)، يَتْرُكُ الْعَبْدُ فِي نُسُكِهِ الْفُسُوقَ وَاللَّمَمَ تَعْظِيمًا لِرَبِّهِ، وَخَوْفًا مِنْ نُقْصَانِ أَجْرِهِ. وَلَوْ تَأَمَّلْنَا مَنْسَكًا وَاحِدًا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ ـ وَهُوَ الطَّوَافُ ـ لَرَأَيْنَا كَيْفَ يَغْرِسُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ مَبْدَأَ الْخَشْيَةِ وَالْعَفَافِ؛ فَالْحَاجُّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، لا يُرْسِلُ طَرْفَهُ إِلَى عَوْرَةٍ، وَلَا يُتْبِعُ نَظَرَهُ نَحْوَ امْرَأَةٍ، مَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا تَعْظِيمٌ لِمَقَامِ رَبِّهِ، وَخَشْيَةُ تَدْنِيسِ نُسُكِهِ، وَهَكَذَا تَصْنَعُ مَنَاسِكُ الْحَجِّ فِي نُفُوسِ أَهْلِهَا مِنَ التَّرْبِيَةِ وَالتَّزْكِيَةِ.وَهَلِ الْفَلَاحُ وَالنَّجَاةُ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا بِقَدْرِ تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَتَزْكِيَتِهَا؟! (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشَّمْسِ 9 ـ 10)، وَعَلَّمَتْنَا مَدْرَسَةُ الْحَجِّ أَنَّ الاجْتِمَاعَ عَلَى الطَّاعَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ، يَرَى الْحَاجُّ بِعَيْنِهِ نُفُوسًا خَاشِعَةً، وَأَعْيُنًا دَامِعَةً، وَابْتِهَالاتٍ صَادِقَةً، يَرَى الْكُلَّ مَشْغُولًا بِرَبِّهِ؛ فَهَذَا يَتْلُو، وَآخَرُ يَدْعُو، وَثَالِثٌ يُصَلِّي، وَرَابِعٌ يَتَصَدَّقُ؛ فَتَدْفَعُهُ هَذِهِ الْمَنَاظِرُ إلى أَنْ يَتَأَسَّى بِهِمْ وَيُشَاكِلَهُمْ.وَالْإِنْسَانُ فِي دُنْيَاهُ مَفْطُورٌ عَلَى التَّأْثِيرِ بِمَنْ حَوْلَهُ، وَمَنْ يُصَاحِبُ، وَقَدِيمًا قِيلَ:(الطَّبَائِعُ سَرَّاقَةٌ)، وَأَصْدَقُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى:(الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)، اِجْعَلْ مِنْ حَجِّكَ هَذَا مَحَطَّةً لأَنْ تُعِيدَ النَّظَرَ فِي صُحْبَتِكَ وَرِفَاقِكَ، هَا أَنْتَ قَدْ ذُقْتَ طَعْمَ الإِيمَانِ، وَلَذَّةَ الِاسْتِقَامَةِ، فَابْحَثْ عَنْ أَهْلِهَا؛ لِتَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا.تَذَكَّرْ بُورِكَتْ أَيَّامُكَ أَنَّ أَوَاصِرَ الْعَلاقَاتِ وَالأُخُوَّةِ هُنَا سَتَبْقَى بَاقِيَةً أَمَامَكَ هُنَاكَ، إِنْ كَانَتْ لِخَيْرٍ وَفِي خَيْرٍ فَنِهَايَتُهَا مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَنِهَايَتُهَا عَضٌّ عَلَى الأَيَادِي وَزَفَرَاتٌ وَحَسَرَاتٌ:(يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) (الْفُرْقَانِ 28 ـ 29)، وَعَلَّمَتْنَا مَدْرَسَةُ الْحَجِّ قِصَرَ الأَمَلِ، لَقَدْ خَرَجَ الْحَاجُّ مِنْ دِيَارِهِ مُصَبِّرًا نَفْسَهُ عَلَى الطَّاعَاتِ، حَابِسًا هَوَاهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ طِيلَةَ أَيَّامِ مِنًى وَعَرَفَاتٍ؛ لأَنَّهُ يَسْتَيْقِنُ أَنَّهَا سَاعَاتٌ مَعْدُودَاتٌ وَيَأْتِي الرَّحِيلُ عَمَّا قَرِيبٍ.فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْحَاجُّ قِصَرَ أَيَّامِ عُمْرِهِ، وَأَنَّ الْمُكْثَ فِي هَذِهِ الدَّارِ قَلِيلٌ، وَالْبَقَاءَ فِيهَا يَسِيرٌ، وَهَذَا مَبْدَأٌ رَبَّىَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَابَتَهُ الِكْرَامَ:(كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ).
هَذَا شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْحَجِّ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَالْمَنَافِعُ كَثِيرَةٌ، وَصَدَقَ اللهُ:(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) (الْحَجِّ ـ 28).

إلى الأعلى