الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات : التنافس الآنجلو ـ فرنسي في عمان في القرن الثامن عشر ( 1 )

تاريخيات : التنافس الآنجلو ـ فرنسي في عمان في القرن الثامن عشر ( 1 )

بدأت العلاقات البريطانية – العمانية مع بداية حكم اليعاربة، وفي الخمسينات من القرن السابع عشر جرى اتصال بينهما، وتوصلا إلى إقامة مركز بريطاني في مسقط عندما جاء وفد من شركة الهند الشرقية البريطانية إلى عمان عام 1659م للحصول على الموافقة، ولكنه فشل لإصرار الإمام سلطان بن سيف الأول على عدم السماح بقيام أية مؤسسة أوروبية على الأراضي العمانية، وهو تقليد سوف يتبعه جميع أئمة اليعاربة في عمان من بعده حتى نهاية حكمهم، ويرجع هذا الموقف إلى ما كان قد عاناه العمانيون من الوجود الأوروبي البرتغالي، ولهذا كان الإصرار اليعربي سبباً في ذلك الموقف من عدم دخول أو حصول المستعمرين الأوروبيين على امتيازات أو إقامة مراكز تجارية في عمان، ولم يترك رفض إمام اليعاربة للمطالب البريطانية انشاء وكالة لهم في مسقط أية آثار في العلاقات بين الطرفين، وإن كان لهذا الاتصال دور في حرص العمانيين والبريطانيين على عدم الصدام فيما بينهما، برغم متابعة البريطانيين بحذر شديد لتزايد القوة البحرية لأسطول اليعاربة.

تغير هذا الموقف العماني الذي اتخذه أئمة اليعاربة في عهد الآلبوسعيد، فقد رحب حاكم عمان بإقامة الفرنسيين مركزاً تجارياً لهم في بلاده، في الوقت الذي رفض طلب البريطانيين في نفس العام 1785م، والتي ظلت مصالحهم في مسقط تدار من قبل وكيل وطني حتى عام 1798م، ولم تتمكن فرنسا من تطوير علاقاتها مع عمان، وعندما أرادوا إنشاء قنصلية في مسقط عام 1788م، تأزمت الأوضاع الداخلية وقامت الثورة الفرنسية 1789م، وأهملت انشاء هذه القنصلية رغم العروض المتكررة التي قدمها حمد بن سعيد إلى القنصل الفرنسي في بغداد ليبعث بمندوب ليكون بمثابة وكيل تجاري، وبرغم عدم النجاح في توطيد العلاقات الفرنسية – العمانية، إلا أنها حافظت على وضعيتها الخاصة حتى السنوات القليلة التي سبقت الحملة الفرنسية على مصر. وقد ألمح الباحث فيما سبق إلى وجود فرنسيين يعملون لدى حاكم عمان، مما أثار قلق الحاكم البريطاني في بومباي الذي بعث بوفد إلى مسقط عام 1798م لإبعاد الفرنسيين والهولنديين، ومن ثم عقد اتفاقية في الثاني عشر من أكتوبر عام 1798م التي حققت نجاحاً كبيراً بسهولة للبريطانيين، ويستنتج الباحثون أنها حققت الأهداف السياسية البريطانية بعرقلة النشاط الفرنسي، ووضع أسس للمصالح البريطانية في عمان، وتوثيقها لأهميتها من ناحية المواصلات إلى الهند، كما كانت رداً بريطانياً موجهاً ضد النشاط الفرنسي في مسقط، مما سمح لبريطانيا التوسع في المجال السياسي والتجاري والعسكري ليس في عمان، وإنما في الخليج العربي نظراً لأهمية موقع عمان الجغرافي، مما جعلها ترتكز على عمان لمواصلة نشاطها في المنطقة.

برغم هذه الضربة القوية ضد المصالح الفرنسية، إلا أن نابليون سعى لتحقيق أهدافه بمهاجمة الهند، وحاول استمالة السيد سلطان بن أحمد وذكره بالصداقة الفرنسية التقليدية، وكتب إليه رسالة من القاهرة في 25 يناير 1799م، جاء فيها :

: ” اكتب إليكم هذه الرسالة، لأعرفكم بشيء لعلكم قد عرفتموه ، ألا وهو وصول الجيش الفرنسي إلى مصر، ولما كنتم دوما صديقا لنا ، فإنني أؤكد لكم رغبتي في حماية جميع السفن العمانية، وأنها ستتمتع بحمايتنا إذا وصلت إلى السويس “.

غير أن هذه الرسالة لم تصل فقد اعترضتها سفينة بريطانية ، وصادرتها قبل وصولها إلى مسقط، وأخذ البريطانيون يهتمون بإعطاء فاعلية أكثر لاتفاقية 1798م، بعدما اتضح لهم بأن الفرنسيين لم يبالوا بها، وحاولوا أن ينفذوا من خلال شروطها التي اصبحت غير سارية المفعول، وبدأت حكومة الهند توجه اللوم لحاكم عمان الذي كان يدافع عن مسلكه غير الودي تجاه بريطانيا، وتطلب منه عقد اتفاقية جديدة وفعلاً نجحت ووقعت اتفاقية عام 1800م التي أكدت بنود الاتفاقية السابقة لعام 1798م، وأضافت بنوداً جديدة لم تحدد وقتاً لانتهائه، ومن ثم تتبع مثل هذه الاتفاقيات مع ساحل عمان فيما بعد، والتي يمكن أن نسميها بالمعاهدات الأبدية.

وكان نجاح البريطانيين في عقد اتفاقية 1798م بعدما بذلوا محاولات كثيرة للسيطرة على عمان طوال الفترة الماضية واستغلوا انشغال الفرنسيين بثورتهم، وكذلك انشغال العمانيين بالصراع الداخلي بين الإمامة والسلطنة التي كانت تحاول درء خطر رأس الخيمة، بقيادة القواسم وغارات النجديين، مما جعلها ترتمي في احضان الاستعمار البريطاني الذي كان يترقب تلك الفرصة حتى يمد نفوذه إلى شرق أفريقيا التي كانت تحت حكم العمانيين، ولم ينقض النصف الأول من القرن التاسع عشر، حتى كانت بريطانيا قد أكملت سيطرتها على الموانىء الرئيسية في عموم الساحل الجنوبي من الجزيرة العربية إبتداء من مسقط وظفار وحضرموت حتى عدن والخليج العربي، وبذلك يمكن القول بأن اتفاقية 1798م كانت البداية الأولى لموطىء قدم الاستعمار البريطاني في المنطقة العربية.

يتبع ،،،،

محمد بن حمد الشعيلي
أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى