الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل انتهت صلاحية اتفاق الطائف؟

هل انتهت صلاحية اتفاق الطائف؟

احمد صبري

” .. ما يجري في لبنان ليس معزولا عن أوضاع المنطقة التي تزداد تفاقما وتتجه إلى خِياراتٍ ربما تعيد رسمَ خريطة بلدانها أو التموضعَ الطائفي الذي بات يقلق ويهدد الجميعَ من مخاطره على مستقبل المنطقة، ويهدد بانفراط عَقدِ العيش المشترك والسلمِ الأهلي وأسسِ الشراكة الذي كان عنوانَ المرحلة التي سبقت الفَوضى الطائفية التي تضرب دولنا.”

لا تختلف أزمةُ لبنان عن الأزمات التي تعيشها المنطقة عموما، فهي أزمةٌ مركبةٌ ومفتوحة على جميع الخيارات لا سيما إعادةُ النظر في أسس الشراكة بين المكوناتِ اللبنانية طبقا لميزان القوى على الأرض الذي بات عاملا حاسما لصياغة الرؤيةِ الجديدة للمشهد السياسي في لبنان.
والواقعُ اللبناني لا يختلف عن التشرذم السياسي والأمني الذي تمر به دولُ الجوار اللبناني وسواها حيث، يسير النظامُ السياسي اللبناني إلى مُنزلَقٍ جديدٍ في ظل تصاعدِ وتيرةِ التهديد بالإطاحة بحكومة تمّام سلام، ما يعني مغامرةً جديدة، وحكومةَ تصريفِ أعمال.
وما أشار إليه النائبُ طلال أرسلان رئيسُ الحزب الديمقراطي اللبناني، إلى الدعوة لعقد مؤتمرٍ تأسيسي، للفرقاء اللبنانيين، لأنه على حدّ وصفِ الوزير، يشكل حلا لاستباحة الدولة.
كل ذلك يمثل لغةً جديدة قديمة، بدأ بعض الساسة استعمالَها في توصيف الحالة اللبنانية، بتوقيتاتٍ ربما تصل إلى الإطاحة بالنظام السياسي، الأمرُ الذي دفع الأطرافَ السياسية إلى صياغة قواعدَ جديدةٍ لتوزيع السلطة، تقوم على إنهاء المناصفةِ بين المسيحيين والمسلمين، وهي الصيغةُ التي أقرّها اتفاقُ الطائف، عام تسعةٍ وثمانين، وتوافقَ عليها اللبنانيون.
إنّ الالتفافَ على القواعد والأسس التي تمحورت حولها الحياةُ السياسية والاجتماعية في لبنان، بدا واضحا في التصريحات والتلميحات التي يطلقها بعضُ المسؤولين هنا وهناك، لإجبار الطبقةِ السياسية على الخضوع لتسويةٍ على غرار مؤتمرِ الدوحة، 2008، فحزبُ الله كان أولَ من دعا إلى عقد مؤتمرٍ تأسيسي لبناء ما سمّاه دولةً حقيقية، وهو ما عدّه تحالف 14 آذار محاولةً لتغيير المناصفة إلى مثالثةٍ سنيّةٍ شيعيةٍ مسيحية.
وما يجري في لبنان ليس معزولا عن أوضاع المنطقة التي تزداد تفاقما وتتجه إلى خِياراتٍ ربما تعيد رسمَ خريطة بلدانها أو التموضعَ الطائفي الذي بات يقلق ويهدد الجميعَ من مخاطره على مستقبل المنطقة، ويهدد بانفراط عَقدِ العيش المشترك والسلمِ الأهلى وأسسِ الشراكة الذي كان عنوانَ المرحلة التي سبقت الفَوضى الطائفية التي تضرب دولنا.
وهنا نتوقف عن الدفع الإقليمي الذي لم يعد خافيا في المعادلة اللبنانية، فخروجُ الأزمة من خط الصراع السياسي التقليدي حول أزمةِ الرئاسة، إلى تغييرٍ شاملٍ لنظام الحكم، قد يُدخل البلادَ في صراعٍ من نوعٍ آخر، لا يعلم كيف ستكون نتائجُه ليس على لبنان، وإنما تصل ارتداداتُه إلى دول الجوار اللبناني.
إنّ الحديث عن إعادة النظرِ بالأسس التي قامت عليها الدولةُ اللبنانيةُ والقفزِ على اشتراطاتها وفق معطياتِ القوة على الأرض قد يُدخل لبنان في أتون حربٍ أهليةٍ لا أحدَ يتكهن بنتائجها، ناهيك عن أن اتفاقَ الطائف كان مَخرجا لوقف الحربِ وتسويةٍ تاريخيةٍ أنقذت لبنانَ من الدخول بالمجهول.
وعلى الرغم من أن الظروف والمعطياتِ السياسيةَ والعسكرية قد تبدلت بعد اتفاق الطائف فإنه يبقى عنوانًا للعيش المشترك بين اللبنانيين، وإن التلويح بإسقاط النظام السياسي ليس حلًّا في ظل الظروف التي تعيشها المنطقة، كما أن اللجوء إلى خيار المثالثةِ في حكم لبنانَ الجديد بإنهاء المناصفةِ بين المسلمين والمسيحيين هو الآخرُ ليس حلا، لأنه سيكون مدخلا للتقسيم وربما لحرب بين الفرقاءِ اللبنانيين ناهيك عن موقف القوى العظمى الذي سيكون عائقًا أمام الطريق الوعر الذي قد يندفع لبنانُ للسير بين ألغامه.
لبنان كما العراق واليمن وسوريا لا يُحكم بمكون واحد ولا بحزبٍ واحد، وإنما بالشراكة بين مكوناتهم في تقرير المصير بالعيش المشترك والعدالة في أسس الشراكة، لتحقيق اشتراطات السلم الأهلي، والابتعادِ عن مصادرة حقوق الآخرين، والاستئثارِ بالسلطة، الأمر الذي يهدد الأوطان ومستقبلها وانفراط عقدِ الشراكة بين مكوناتها.

إلى الأعلى